محمد سليمان علي
في وقت يتحدث فيه العالم عن الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية، ما زال السوداني يتسابق مع انقطاع الكهرباء. يضبط يومه على مواعيد التيار لا على عقارب الساعة، وأصبح الحصول على كوب ماء بارد في عز الصيف حدثاً يستحق الاحتفاء. لم تعد الكهرباء خدمة عامة، بل أصبحت موسماً ينتظره الناس، ويفرحون بعودته كما يفرحون بأول المطر بعد سنوات الجفاف.
الحرب زادت الأزمة تعقيداً، فلم يعد الخطر يقتصر على نقص التوليد أو ضعف الصيانة، بل أصبحت منشآت الكهرباء نفسها أهدافاً مباشرة. وما حدث أخيراً في محطة الدبة التحويلية يذكر بأن كل محطة تخرج من الخدمة لا تعني انقطاع التيار فحسب، بل تعني شللاً يطال المستشفيات والمياه والإنتاج وحياة الناس.
وفي خضم هذا الواقع، قد يخفف وصول البارجة البنغلاديشية إلى بورتسودان من حدة الأزمة مؤقتاً، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم المعضلة؛ فبلد يمتلك الشمس والمياه والموارد الطبيعية، بات يربط عودة النور بموعد رسو بارجة في الميناء.
المشكلة ليست في البارجة نفسها، فالحلول المؤقتة قد تفرضها الأزمات، وإنما في أن تتحول هذه الحلول إلى سياسة، وأن يصبح علاج أزمة عمرها عقود رهناً بوصول بارجة أو تجديد عقدها.
لكن الحرب، رغم ما أحدثته من دمار، لم تكن بداية الأزمة، بل كشفت خللاً تراكم عبر السنوات؛ فقد ظل قطاع الكهرباء يُدار بردود الأفعال، تُعالج الأزمة بعد وقوعها، ثم تُؤجل إلى أن تعود في صورة أكثر تعقيداً، وظل ينتقل من عطل إلى آخر، ومن حل مؤقت إلى آخر.
المشكلة أن الدولة انشغلت سنوات بسؤال: كيف نعبر أزمة اليوم؟ بينما ظل سؤال بناء قطاع كهرباء يكفي السودان لعقود مؤجلاً في كل مرة. ولهذا لم يعد انقطاع الكهرباء يعني الظلام فقط، بل يعني توقف مضخات المياه، وتعطل الإنتاج، وارتفاع تكلفة كل خدمة يعتمد عليها المواطن
ومع طول الأزمة، فقد المواطن الثقة في الحلول المنتظرة، واتجه إلى الطاقة الشمسية كبديل اضطراري. لم تعد الألواح والبطاريات خياراً للمستقبل، بل وسيلة للتعايش مع واقع فرض نفسه. غير أن هذا البديل تحول هو الآخر إلى سوق للأزمات؛ ارتفعت الأسعار، وتفاوتت الجودة، وغابت الرقابة، حتى أصبح كثير من الأسر يدفع فاتورة الانقطاع، ثم يدفع مرة أخرى ليشتري بديلاً عنه.
المفارقة أن الأزمة ليست في ندرة الموارد، بل في طريقة استثمارها. فالسودان يملك من الشمس والمياه ما يكفي لبناء قطاع كهرباء أكثر استقراراً، لكنه ظل يعالج نتائج الأزمة، لا أسبابها. وتجربة إثيوبيا، بعيداً عن الجدل السياسي حول سد النهضة، تؤكد أن الطاقة ليست مشروع حكومة، بل مشروع دولة يُبنى لعقود، حتى تحقق الاكتفاء وتحولت إلى دولة مصدرة للكهرباء.
وإذا كانت الحرب قد دمرت جزءاً من القطاع، فإن إعادة الإعمار يجب ألا تعيد ما كان، بل أن تبني ما كان ينبغي أن يكون؛ إعادة بناء الشبكة، وزيادة قدرات التوليد، وتحويل الطاقة الشمسية من حل اضطراري للأسر إلى جزء من منظومة الكهرباء في البلاد، حتى لا يبقى التيار رهناً ببارجة أو خط نقل واحد.
قد تخفف البارجة البنغلاديشية شيئاً من ظلام اليوم، لكنها لن تنهي أزمة الكهرباء في السودان. لأننا بدون تغيير جذري في طريقة تفكير الإدارة، سنظل ندور في نفس الساقية؛ ننتظر بارجة ترحل، لتأتي أخرى، وينتهي بنا المطاف دائماً في الظلام ذاته.
rw3ams@gmail.com
