المواطنة العالمية انطلاقا من المحلية
مقدمة:
لأول مرة تلتقي عيناي بكلمة الكوزموبليتانية كانت في صباي الباكر. ولكنها استعصى هضمها لما بها من غرابة في الشكل والتكوين، وزاد عليها عسرٌ في النطق لوجود ثلاثة مقاطع صوتية وعدد حروفها يقارب العشرين. لذلك لم تجد مكانا لدي لأستضيفها أو لِأستسيغها فاشحت بوجهي عنها غير نادم. ولكنها منذ بضع سنوات تسللت إليّ الكلمة كتناصٍ textual لغوي، من منطقة وسطى بين الوعي واللاوعي. وإذ بي أجدها تفرض نفسها كمصطلح اثنولوجي (وصفي) يناسب دراسات علم الانسنة (الأنثروبولوجيا) لوصف الحياة المدينية المعاصرة والحواضر ذات الخاصية العولمية الزاخرة بشتى أشكال الثقافات والتي تعِجُّ بالبشر من مختلف الأصقاع.
أحيانا قد ننظر للمفاهيم والمصطلحات باعتبارها مفاهيم وقفية أي موجودة ضمن سياقات مفاهيمية محددة. ولكن نُفاجا بها بعد حين من الزمن تُستخدَم ضمن سياقات مفاهيمية أخرى. وما حدث لكلمة الكوزموبوليتانية كان قد حدث لكلمة Exodus والتي كانت تعني في اللغة الإغريقية (الخروج) ثم وردت في التوراة لتشير لنزوح بني إسرائيل من مصر، أو ما أُطلق عليه فيما بعد (بالتيه اليهودي). ومن خلال تغير السياق الظرفي حيث صارت الكلمة تُستخدم لتصف أشكال الهجرات الجماعية المختلفة مثل الهجرات القسرية واللجوء والنزوح وما شابه ذلك.
أصل كلمة الكوزموبوليتانية:
الكوزموبوليتانية cosmopolitan هي كلمة مأخوذة من الكلمة الإغريقية cosmopolites، والتي تتكون من مقطعين kosmos بمعنى العالم أو الكون وpolites بمعنى مدينة. وبالتالي فإن كل مةcosmopolitan تعني مواطن المدينة. ولكن كان للفيلسوف ديوجين والفلسفة الرواقية في إخراج المصطلح من نطاق المدينة الضيق إلى فضاء أرحب. فصارت الكلمة تعني المواطن العالمي وفق فلسفة الرواقيون القائلة بأن البشر جميعاً يمتلكون “العقل الإلهي المشترك” (اللوغوس)، وبالتالي فإن جميع البشر إخوة، وينتمون إلى مجتمع عالمي واحد محكوم بقانون طبيعي أخلاقي.
وتشير الكلمة كمفهوم إلى الفلسفة أو النزعة التي تنادي بالنظر إلى البشر في كل أنحاء العالم باعتبارهم مجتمع عالمي واحد. وذلك يعني أنهم متساوون من حيث القيمة الإنسانية بغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافية أو العرقية وبغض النظر عن مرجعياتهم الثقافية والدينية وما إلى ذلك. بالتالي فان كلمة كوزموبليتانية بهذا المعنى يمكن أن تشير إلى عدة معاني ودلالات أممية أو عالمية أو عولمي (دون ارتباط بمفهوم العولمة الاقتصادية).
مع مرور الزمن صارت الكلمة تستخدم لوصف المدن التي تضم أجناساً وثقافات متعددة. كما تُطلق على الشخص ذي الثقافة المتعددة والملم بثقافات البلدان والدول المختلفة. كذلك انداح المعنى أيضا ليشير إلى الأشخاص ذوي التوجهات والفلسفة أو النزعة العالمية التي تتجاوز التصنيفات العرقية والاثنية والدينية للبشر. بالتالي والأمر هكذا فهي فلسفة ذات نزعة ورؤية إنسانية الطابع البشر في كل أنحاء العالم.
وهكذا زحفت الكلمة إلينا قادمة من بياتها التاريخي منذ بداية ظهورها في عهود الحضارة الإغريقية القديمة. والآن يُنفضُ عنها الغبار لتناسب السياقات وتطورات وتحولات الأفكار والمفاهيم في العصر الحالي.
وهكذا قد نرى بعض الكلمات تظل ملازمة لسياقات ظرفها الزماني والمكاني لمئات السنين، ثم فجأة يتغير مدلولها المفاهيمي بتغير السياق فيتغير مدلولها لتُستخدم في معنى وسياق آخر.
فاذا كنا نحمل في أنفسنا روحا كوزموبليتانية كوكبية أو عولمية ذات نزعة إنسانية عالمية التوجه تحمل في باطنها معاني التسامح والتقارب الإنساني الواسع. وهنا قد يعِنُّ لدي سؤال عابر:
هل من الممكن أن ننداح بدءاً من فضائنا المحلي مُحتَقِبين هويتنا الثقافية وقيمنا المحلية عابرين بها للعالم، محققين فلسفة الكوزموبوليتانية؟
ثم أليس ذلك ما قصدته الآية:(… وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..).
د. محمد عبد الله الحسين
- تنويه سأتناول هذا التحقق الكوزمومبليتاني كما أراه في الآية أعلاه في المقال الثاني.
