كان البعض ممن يَدّعون الحكمة والرصانة والمبدئية ويدعون لها جهلا بغير علم يسخرون من دعوى اللا آيدلوجيا وهي أهل لذلك في تقديري، إذ لا يوجد ما يسمى بالحزب البرامجي، فالسياسة الإقتصادية التي ستتبناها وتدعو لها مثلا تشي بالمذهب الذي انبنت عليه وتأسيساته النظرية صراحةً أو ضِمناً، وموقفك من القضايا الإقليمية والدولية يشي بذلك أيضا، وهذا ليس محلا لنقاشنا بل أصحابنا هؤلاء الذين يمجوننا غثاثةً بواقع الشباب المزري الذي عزف عن الفعل السياسي في مواعينه المعلومة بنبذ الأحزاب، والإكتفاء بالتدوين في منصات التواصل الإجتماعي بلا هدى الأيدلوجيا وسراجها المنير عبر الأسطر المبتسرة والميمات وما إلا ذلك، ويذهبون لأنّ هذا الجيل “جيل الأفق الديسمبري” كما أطلقوا عليه خاوٍ وبعيد عن الجدية والرصانة ويتعاطى مع الواقع بتسطيح يشبهه، مما أفضى لسيولة المشهد، ويأنفون منهم ، ويعتقدون أن المنابر لإبداءِ آرائهم وحدهم دون غيرهم..إلخ.
لنسائل قليلاً هذه الدعاوى ،ترى ما الذي تغير بين ليلة وضحاها في شأن الأيدلوجيا الغربية الرأسمالية التي يتم تسويقها كعبور للأيدلوجيا تضليلا للرأي العام وينبغي مدافعتها لمصلحة الطبقات المسحوقة والسيادة الوطنية فأصبحت بقدرة قادر اليوم سيولة وليست أيدلوجيا !. ثم إن سلمنا جدلا بخواء الشباب الذين يخرجون في الشوارع اليوم وكونهم مجرد بيادق لأحزاب العملاء يستغلونها للكسب السياسي الرخيص، فما الضير في أن يكونوا بيادق سواء علموا ذلك أم لم يعلموا! ولماذا يتم استنكار حقهم في التعبير عن تصورهم للراهن واختزاله في عبارة (مدنية أو الحل في البل ) أو غيرها !. ترى ما الفرق بين ذلك وبين أهل الحزب العجوز الذين لا يعرفون شيئا عن برنامج الحزب في الإنتخبات ولكنهم كانوا يهتفون(الله أكبر ولله الحمد، لن نصادق غير الصادق)؟! وما الفرق بينها وبين اختزال السياسة في هتافات ابتذلت الدين لابتزاز مشاعر الناس على شاكلة (هي لله، ما لدنيا قد عملنا، الله أكبر ..)؟! وغير ذلك الكثير، ألم نستنكر التعالي على الكتل الإنتخابية الجاهزة للأحزاب الطائفية بدعوى أنهم لا يفقهون شيئا ويذهبون حيثما أمال الإمام عصاه. وتقرر عندنا ألا علاقة لنا بصوت الناخب أين يضعه بصرف النظر عن دوافعه عن مصلحة معلومة تمخضت أم محبة وتأييد غير مشروط.
أتعجب من التناقض الذي ينتهي إليه هؤلاء وهم يستنكرون على الشباب حقوقهم في التعبير بدعوى ألّا ينبغي السماح لشباب مستلب ومنبت ومنحط أن يشكل ملامح الراهن والأفق السياسي، أفلا تُشَكُّلُ أصوات الناخبين الذين يرزحون تحت أكوامٍ من الجهل المعلوم والمدفوعين بإشارة السيد المشهد والأفق السياسي؟! فما الذي يجعل من هذه (رجل) ومن تلك(كراع)!. أهو تحليل سسيلوجي أم هو مجرد تكلف فج في غير موضعه ؟!.على خلاف ما جرى في الحراك الأول لثورة ديسمبر والذي قاده تجمع المهنيين ومن خلفه قوى الحرية والتغيير من خلال جدولة الحراك بتوقيتات ومسارات ونقاط تجمع يستجيب لها الشارع، فإن الحراك الأخير تتم الدعوة له من لجان المقاومة بعد التنسيق فيما بينها ومن ثم تلحقها الأحزاب والكيانات ذات المصلحة.
أخيرا ما الذي يجعلنا نراهن على السياسة الحزبية الكلاسيكية التي يتباكون عليها وحاضرنا هو نتيجة موضوعية وطبيعية وخير دليل على بوار سلعتها، يقف تاريخنا شاهدا على العبث السياسي الأيدلوجي المؤسس بين أحزابنا قبل وبعد الإستقلال وحتى يوم الناس هذا، من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها، والتي لم تُوَرِّث للأجيال المتلاحقة ممن انتسبوا إليها إلا الغبائن والثأرات والغدر والفجور في الخصومات ونقض العهود والمواثيق. عموما لا نقول بمحاربة الأحزاب، فهي الشر الذي لابد منه، ولكنا نقول أنّ من يسعى لإخراس الحانقين عليها بدون تقديم نقد جاد وصارم لتجربتها ليس بأهل لأن يتحدث في الشأن العام.
على أي حال ينبغي أن تعي هذه الأصوات التي تترحم على الشهداء بخفوت بل تشكك في شهادتهم أحيانا وتُعَلُّق مسؤلية دمائهم على من حرضهم أن هذه اساليب قديمة لا إبداع فيها، إذ قيل قديما لتزييف الحق في حضرة ملك ظالم أراق دم امرءاً بالباطلِ أنْ قتلته الفئة التي أخرجته، هذا إن سلمنا بأنّهم مُحَرضون لا مُختارون حيث أنّ (المحرش ما بكاتل) ناهيك عن أن يضع روحه فوق راحتيه، وينبغي أن يعوا أيضا بأنه حينما يرغون ويزبدون في تأييد هذا الباطل جائرين في إعلان خصومتهم مع الشباب اليوم أنّ ما يسمونه بالأفق الحضاري ليس إلا وهما يوتوبي كالحلم العريض الذي ما انفكوا يطاردونه منذ عشرات السنين وما هو إلا سراب بقيعة، مجرد عدوٍّ مُتخيّل لا محل له إلا في الأذهان المعتلة والموبوءة بحمى صراع الحضارات وخطاب المؤامرات، فينتهي بها الأمر لتعلق خساراتها الميدانية الفادحة عليه، والمتمثلة في التوجه الفكري والثقافي عبر اللغة والزي والفنون والآداب، هؤلاء إما منافقون وانتهازيون ، أفيقوا من غفلتكم فإنّ عجلة الحياة لن تتوقف في محطات ذهانكم وهذيانكم الطويل بلا مشهاد. هذا الإنقلاب بات لأصحابه كعود العشر، إن قاموا انكسر، وإن قعدوا انحشر، والتسوي كريت في القرض تلقى في جِلِدا.
نبضة أخيرة:
لعمري أنّ تِلك الحِنّية التي ما انفكّت خيول قوافي الشعراء تلهث خلف غبارِ معانيها، و ترعى حول حماها و عٙزّ عليها مواقعته، تكمنُ بكل سحرها و بهاها في صوت إبراهيم حسين بصورة عامة، و لا سيما عندما تداعى مُتٙلهِفاً:
نحلف قلبك القاسي
بكل حنان مودتنا
بأفراحنا و بأشواقنا
و بي لهفة محبتنا
رضينا هوانا في حبك
حرام تتناسى ريدتنا..
من لم يجدها فليعلم أنّ في قلبه مرض، و من وجدها و أنكرها فليعلم أنّ حظه العاثر قد منعه ..
.
mido34067@gmail.com
///////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم