اللون القرمزي .. قصة قصيرة .. تاليف: بقت مكواج انقويك


في قلب القاهرة حيث يختلط التاريخ العتيق بالحاضر المزدهر حيث الزحام دون اصطدام فكل شئ يسير بتناغم جميل و مذهل فتجد العامل البسيط كادحا بكل جدية لاتقان عمله و تجد رجل اعمال مشغول بتسير اعماله و هو في منتهى الاناقة و يمشي بكل ثبات و همة تبين جديته فيما يفعل و لا يمكن اغفال التنوع المعماري التي يتميز بها وسط القاهرة فالشوارع مليئة بالمباني ذات الطراز القديم تشبه متحف مفتوح ترى خلاله تاريخ مصر التي لا تخفى ابداع الاجيال السالفة و كذلك ترى المباني الشاهقة الحديثة …. جاءت باربارا من المانيا الى مصر في زيارة سياحية و باربارا فنانة تشكيلية تعشق الرسم و احترفتها بينما جاء توماس من جنوب السودان الى مصر كلاجئي و هو فنان تشكيلى يعشق الرسم الى النخاع. تعرفت بارابارا على توماس اثناء تواجدهما في معرض تاون هاوس جاليري في وسط القاهرة فتوماس كان دوما يتردد الى هناك تارة من اجل اقامة معرض للوحاته و تارة اخرى لرؤية اعمال لفنانين مختلفين من انحاء العالم كما ان توماس كان يواظب على حضور ورش عمل في تاون هاوس لتعلم اساليب مختلفة عن الرسم ففي تاون هاوس ياتي فنانين من خلفيات مختلفة لعرض اعمالهم و مشاركة اساليبهم مع فنانين اخرين و كانت بارابارا واحدة منهم.

و تعلم توماس من بارابار امكانية رسم لوحات فنية باستخدام الشاي و البن و كركدي كالوان لرسم لوحات فنية و يتم استخدام الحبر السائل لتحديد الخطوط فرسموا لوحات في غاية الجمال.

تكررت اللقاءات و خرجت من اطار الالتقاء داخل المعرض و اصبحا يخرجان سويا فاصبح توماس كمرشد سياحي لباربارا و كان توماس يعرف العديد من المواقع السياحية و يستمتع بزيارة تلك المواقع فقد مكث توماس في مصر لما يقارب العشرة سنوات.

في احد الايام كان باربارا و توماس في طريقهما الى ساقية عبد المنعم الصاوي في حيالزمالك وهو مركز ثقافي على ضفاف نهر النيل و كان غرض ذهابهم هو حضور حفل نظمها اللاجئيين السودانيين الجنوبيين في مصر و دعا توماس باربارا لحضور الحفل و كانا يمشيان سيرا على الاقدام على رصيف كورنيش النيل و لقد ضحكوا من تعليقات بعض المصريين عنهما فقد قال احدهم …اهلا بالمنتخب الايطالي و المنتخب الكمروني… في اشارة الى لون باربارا الابيض و لون توماس الاسود فاكتفا الاثنين بالضحك على تعليق ذلك المصري و واصلا مشوارهما و كان ذلك الحفل فرصة ثمينة لباربارا لتقترب من ثقافة جنوب السودان فاحبت الموسيقى و الرقصات الشعبية الفلكلورية و اشياء اخرى جزبتها نحو ثقافات جنوب السودان. كيف اصبحت فنانا تشكيليا؟ هكذا سالت باربارا فاجاب توماس كانت الموهبة مدفونة في داخلي و لقد اهملتها فترة طويلة لانشغالي بالعمل فمنذ وصولي الى مصر بدات العمل في احد مخازن الادوية في وسط البلد و كان العمل ياخذ مني وقت طويل تصل الى اثنتى عشرة ساعة في اليوم لكن حدث موقف مؤسف جعلني اترك العمل لكنها انتهت نهاية سعيدة فقد منحت نفسي الوقت الكافي للانشغال بالرسم فوصلت الى هذه المستوى… فقالت باربارا و ماذا حدث بالضبط فقال توماس في الحقيقة انا كنت الشخص الذي منحه صاحب العمل الثقة الكاملة لاحمل مفاتيح المخزن بعد اغلاقه و في احد ايام نهاية الاسبوع كنا نستعد لاغلاق المخزن و الذهاب الى البيت الا ان احد العمالو اسمه عادل قاطعني و تظاهر انه نسي شئ داخل المخزن و استاذنني لاخذ المفتاح مني و قال لي انه سوف ياخذ ذلك الشئ من داخل المخزن ثم يغلق المخزن و يسترجع المفاتيح لي… و لانني كنت اثق فيه كزميل اعطيته المفاتيح و بعد دقائق معدودة عاد و اعطاني المفاتيح و سالته هل اغلقت المخزن جيدا فقال نعم اغلقته جيدا… فصدقته و ذهبت الى المنزل لكن عندما عدنا الى العمل بعد نهاية عطلة الاسبوع اكتشفنا ان المخزن تعرض للسرقة و هامت الشكوك حولي لكوني الشخص الذي كان يحمل المفاتيح و في الواقع لم يتم كسر الباب لسرقة المخزن بل تم فتحه ثم سرقته و بعد ذلك اعيد اغلاق الاقفال و هنا اشارت كل الدلائل الى انني الشخص الذي سرق المخزن و تم القاء القبض علي و ايداعي في الحبس على زمة التحقيق… الا ان العناية الالهية انقذتني و تمكنت المباحث من القاء القبض على عادل السارق الحقيقي فقد وجد بحوزته المسروقات و اطلق علي بالبراءة.

بعد ذلك الموقف تركت العمل و بدات احضر فصول في الرسم و اتقنت الرسم فاصبحت الرسم مصدر رزقي و بدات اشارك في المعارض الكبرى داخل و خارج مصر.

مرالوقت سريعا و حان الاوان لباربارا كي تعود الى المانيا فقد انتهت اجازتها و اصبحت موقع الفيس بوك و التلفونات هي الوسائل الوحيدة للتواصل بين الاثنين.

و في رسالة دردشة قالت باربارا لتوماس دوما كنت اظن ان الانسان ينجزب الى ناس من نفس لونه و خلفيته الاجتماعي فقط… لكن يبدو ان الحواجز بدات تنهار.. فرد توماس هذا صحيح لكني لا اراك غريبة فلقد عرفتك عن كثب فانت انسانه رايعة لكن للاسف بعدت بيننا المسافات و تفصل بيننا البحر المتوسط … فردت باربارا لكن حتى البحر المتوسط لن يقوي على الفصل بيننا فان احلامنا كبيرة تستطيع تحطيم الامواج و تعبر من شاطئ الى شاطئ.

و قالت بارابار لقد اخبرت و الدتي و الدي عنك و ليس لديهم اعتراض في زواجنا و قالا لي انهم مستعدين للمساعدة في احضارك للعيش معنا هنا في المانيا… فقال توماس هذا جيد لكن الافضل ان نعيش سويا هنا في مصر و سوف نواظب على زيارة المانيا و جنوب السودان من وقت الى اخر للاطمئنان على اسرتك الممتدة و اسرتي الممتدة وكان توماس قد تحدث مع و الده في وقت سابق عبر الهاتف و ناقش معه فكرة زواجه من فتاة اوربية بيضاء فقال والده انه موافق طالما انها فتاة جيدة الا ان الحياة في جنوب السودان لا تزال صعبة بسبب الحرب و اذا كان في امكانكم الاستمرار في العيش في مصر فهذا افضل و اضاف والده مازحا ان زواج توماس من اوربية سيوفرعليه ابقاره فلو كان توماس سيتوزج فتاة سودانية جنوبية كان عليه دفع عدد من رؤوس الابقار.

وافقت باربارا للزواج من توماس و قبلت ان تعيش في مصر فمصر هي المنطقة الوسطى ما بين اوربا و افريقيا ما بين الجو الحار في افريقيا جنوب الصحراء و الجو البارد في القارة الاوربية و في مصر تتعانق نهر النيل مع البحر المتوسط لتضع نهاية لرحلتها الطويلة عبر غابات الاستواء الى مستنقعات السافنا مرورا بالصحراء الكبرى.

سالت باربارا توماس… انا ابيض و انت اسود ماذا سيكون لون ابناءنا فقال توماس بالتاكيد سيكون لونهم قرمزيا… فضحكت باربارا و قالت لتوماس هيا عزيزي ساعدني قليلا في تحضير الطعام فضحك توماس و قال فقط مشاركة اعمال البيت مع الزوجة هي من مساوئ الزواج من فتاة اوربية.    bagatop@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً