المؤتمر التحضيري.. خيار الألية وفقوسها: الهبوط الناعم في الطريق..؟! .. بقلم: أسامة حسن عبدالحي
8 يناير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
30 زيارة
حملت الانباء القادمة أثيوبيا عن توزيع الالية الافريقية رفيعة المستوي، دعوات لبعض الاطراف السودانية لحضور ما سُمي ب(المؤتمر التحضيري) للدخول في حوار وطني حقيقي، ولكن كان كعب أخيل هذه العملية وواحد من منقصاتها الكثيرة، هو إقتصار الدعوة للحوار، علي بعض من الاطراف التي تقود الآن دفة الصراع السياسي الإجتماعي، فقد كشف رئيس منبر السلام العادل الطيب مصطفي عن تلقي تحالف القوي الوطنية للتغيير (قوت) وألية (7+7) والموقعين علي إتفاق أديس ابابا، في 5 سبتمبر من عام 2014م، لعقد المؤتمر التحضيري في يناير الجاري، حسب خبر الصحفية القديرة، سلمي معروف (صحيفة اليوم التالي، 1 يناير 2016م) :
(1)
يتضح مما سبق ان ألية إمبيكي حزمت امرها وقررت قيام المؤتمر التحضيري، والذي رويداً رويداً تمضي الترتيبات لعقده، رغم تظاهر النظام بالرفض، وعبر عن ذلك رئيس حزب المؤتمر الوطني في اكثر من حديث جماهيري، وأيضاً السيد كمال عمر الذي تحول لناطق رسمي بإسم الحكومة..!، ولكن مع حالة الضغط الحاد من قبل المجتمع الدولي وارد جداً خضوع النظام لإملاءاته فهو دائماً عرف عنه الخنوع والركوع لأوامر المجتمع الدولي، وتنبئك دائماً حالة الرفض التي تتلبسه-ظاهرياً- عن ضعف داخلي ورغبة قوية في تنفيذ الاوامر، وما رفض النظام لدخول بعثة اليوناميد إلي دارفور، ببعيد عن أذهان الناس، فقد عبر قادة النظام في اكثر من مناسبة وموقع عن رفضهم القاطع والمغلظ لدخول البعثة للسودان، رغم ان عددها كان قليلاً-حينما رفضوها- ولكن في نهاية الامر ركعوا لأوامر النظام العالمي الجديد، فتقبلوا دخول البعثة التي تضخم عددها مع الايام حتي فاق عدد جنودها، اولئك الذين كانوا علي أيام المستعمر الإنجليزي-المصري (البغيض)، الشاهد هنا ان النظام ما رفض شئياً إلا وعاد لقبوله بصورة اكبر وقت رفضه، وعلي ذلك فإن قبول النظام بالمؤتمر التحضيري هو الراجح، ويُمكن له ان يسميه حوار تحضيري او إجتماع لتهيئة الاجواء، لكنه في النهاية سوف يذهب إلي أديس ابابا، ويمضي علي كل الشروط ويوافق علي كل القرارات، ثم يأتي ليبحث عن طريقة جديدة للإلتفاف عليها- بعد ان يرضي سادته في المجتمع الدولي- فهذا ديدنه الثابت في التنكر لكل المواثيق التي يعقدها، وهذا ما سوف تكشف عن أيام ما بعد اللقاء التحضيري.
(2)
وبالعودة لدور الألية الافريقية رفيعة المستوي المكونة من قبل الإتحاد الافريقي نجد انه ومنذ يومها الاول كانت ألية إمبيكي غير محايدة البتة في وساطتها في الشأن السوداني، فلا عجب في ذلك فهي سمة مميزة لكل تحركات المجتمع الدولي في أي شان يخص اياً من البلدان، ومثلت تحركات امبيكي في كثير من الاحيان تجاوزاً للياقة والدبلوماسية، فكان دائماً ما يحشر أنفه حشراً في الشأن السوداني، وينصب نفسه وصياً علي اطراف الصراع في السودان، تساعده في ذلك عقلية موجودة بالكامل في صف الحكومة وحلفائها، وايضاً بصورة نسبية لدي بعض من قوي المعارضة بشقيها السلمي والمسلح، وهي عقلية تعول دائماً علي الحلول المستجلبة من الخارج، بإعتبارها التي تحسم الصراع السياسي الإجتماعي في السودان، وهذا بعد من الابعاد التي تشكل الازمة الوطنية العامة في السودان، حيث ما زال بيننا من يرهن إرادته للمجتمع الدولي ونظامه الجديد.
(3)
و لكي نناقش موقف الإتحاد الافريقي من الصراع في السودان فلابد من الإشارة لدوره الداعم دائماً للحكومات في وجه الشعوب في المنطقة الأفريقية، وكثيراً من الشواهد والاحداث تؤكد ذلك، وهنا في السودان فتقف شاخصة حقيقة مشاركة بعثة للإتحاد الأفريقي في مراقبة إنتخابات النظام في ابريل من العام الماضي، رغم مقاطعة القوي السياسية الفاعلة لهذه الإنتخابات فضلاً عن المقاطعة الكاملة من الشعب السوداني، ولكن الإتحاد الافريقي إنحاز لنظام ظل شعبه يرفضه علي الدوام، وهذا ديدن الإتحاد الافريقي الثابت، والآن فإن هذا الإتحاد ينفذ توجيهات بعض القوي في المجتمع الدولي التي تبحث عن تسوية سياسية لحل المشكل السوداني بصورة (قشرية) وليس حلاً جذرياً، فمهما تزرع المتزرعون بان ما يحدث الآن هو حل سياسي شامل، إلا ان برهان التجارب هو خير برهان وهو دائماً ما ينتهي بتحركات من اطراف ما هي إلا محاولة للعب دور مكشوف من اجل مصالح ذاتية ضيقة، وأنية جداً، لتكر بعدها مسبحة الازمة الوطنية العامة بأشكال جديدة من الصراعات التي داومت في بلادنا، كنتاج طبيعي لهذه السياسة (الأنانية) وسياسة قصر النظر التي يعاني منها كثير من سياسيو بلادنا، ونعود من جديد نبحث عن حلول لأزمات عمقناها بافعالنا ونظرتنا الضيقة، وصبينا النار علي زيتها (الساخن) اصلاً، وهو عينه ما يريده من يرسم لنا حل مشاكلنا الآن، فلو إننا إقتنعنا بعمق أزمتنا واعترفنا جميعاً بأخطائنا، وحاولنا ان نصلحها، ونخاطب جذورها وفق منهج علمي واضح، سوف لن نكن حينها في حوجة لمن يتحكم في قرارنا ومصيرنا، وبالطبع فإن هذا لن يحدث بغير وسيلة نضالية فعالة لتفكيك الدكتاتورية الجاثمة علي صدورنا الآن، وفتح الطريق نحو تحول ديمقراطي حقيقي وكامل، بإرداة الشعب وحده لا غيره.
(4)
وعوداً لموضوعنا الرئيس وهو الدعوة للمؤتمر التحضيري النابعة من صميم القرار الأفريقي رقم (539) الصادر عن إجتماع مجلس السلم والامن الافريقي في أغسطس من العام الماضي، والذي جاء في الفقرة (20) منه : ( يكرر مجدداً دعوته إلى إجتماع عاجل، يسبقعملية الحوار الوطني، يضم جميع الأطراف المعنية في مقر رئاسةالاتحاد الافريقي في أديس ابابا، لمناقشة المسائل الاجرائية المتعلقةبالحوار والاتفاق عليها؛) وبالنسبة للسيد إمبيكي فأنه يري ان جميع الاطراف هي ألية 7+7 وتحالف قوت والقوي الوطنية والحكومة زائداً مجموعة إعلان باريس ولا مكان لقوي الإجماع في الإجتماع التحضيري ولنقرأ فقرة مما نشرته صحيفة (أيلاف) –الغراء- بتاريخ 30 ديسمبر 2015 في العدد الصادر برقم (552)، من وثائق تحصلت عليها وكشفت فيها عن مكاتبات دارت بين إمبيكي وبعض فصائل المعارضة، فجاء في واحدة منها، حيث كتب إمبيكي خطابا للدكتور جبريل إبراهيم قال فيه أن الاطراف المعنية بالمشاركة في المؤتمر التحضيري يجب ان تقتصر فقط علي موقعي إعلان أديس ابابا،وأشار إلي ان قوي الإجماع ترفض تماماً الحوار من حيث المبدأ،وبالتالي لا سبيل لإشراكها في المؤتمر الحضيري، وبالطبع هذاحديث يشير إلي نية مبيتة من إمبيكي ومحاولة لِلَي عنق الحقيقة الواضحة والتي لا مراء فيها، حيث ان قوي الإجماع لم تُشر قط لما يشئ برفضها للحوار من ناحية مبدئية، وإنما كل بياناتها ومواقف قادتها معلومة للقاصي والداني، حيث انها دائماً ما تقول بما يؤكد عدم رفضها للحوار، وإنما تري فيه مدخل لحل الأزمة السودانية، ولكن ينبغي تحقيق شروط ومتطلبات تُهي الجوء لحوار مثمر وجاد، يغيل عثرة الديمقراطية السودانية، ويفتح الباب لتحول ديمقراطي حقيقي، وهو ما يقف في طريقه النظام بسياساته سداً منيعاً يحول دون تحقيقه، وبدلاً من أن يقول السيد إمبيكي ان البغلة في الإبريق ويكشف عرقلة النظام للحل السياسي الشامل، نجده يتغمص دور النظام، ويسير في خطه، حيث لا في الواقع لا فرق بين تصور النظام لحل الازمة وتصور المجتمع الدولي، فكلاهما مع إجراءات محدودة وإصلاحات طفيفة لا تمس جوهر النظام السياسي الإجتماعي، وهو عينه سيناريو الهبوط الناعم الذي تسعي له قوي النظام العالمي الجديد، ولكن لغرض إمبيكي (المرضي)-لان الغرض مرض- فهو يحاول تشويش مواقف قوى الإجماع من الحوار، وموقف التحالف واضح جداً ونظرة بسيطة لبياناته وتصريحات قادته تؤكد ذلك.
(5)
والآن عزيزي القارئ دعنا نقرأ سوياً البند الثامن من بنود الإتفاق الموقع بين ألية (7+7) والجبهة الثورية وحزب الامة، بحضور وتنسيق الوساطة الافريقية-لنكشف مخطط إمبيكي وسياسة الخيار والفقوس التي يتعامل بها- حيث يقول البند : ب(ضرورة مشاركة كلالأطراف لضمان التوصل لتوافق وطني)، ولان أي عقد هو شريعة المتعاقدين عليه، فإن هذه الاطراف التي وقعت هذا الإتفاق مطالبة، بالتمسك بما ورد فيه، خاصة وان إمبيكي قد طالب في رسائله للدكتور جبريل إبراهيم بأن تنفذ كل بنود إتفاق أديس ابابا دون (إبطاء)، ولكن نسي إمبيكي ان من وقعوا الإتفاق اكدوا علي ضرورة مشاركة الجميع في الحوار التحضيري. وفي ذات الوقت يريد إمبيكي عدم مشاركة قوي الإجماع في المؤتمر. متحججاً برفضها للحوار الوطني، او ما يسمي ب(حوار الوثبة).
وللحقيقة فإن الدكتور جبريل إبراهيم أبدي حرص شديد منه علي حضور جميع الأطراف المتصارعة للمشاركة في المؤتمر التحضيري، وفي رسالة شجاعة كتبها جبريل لإمبيكي نشرتها صحيفة(إيلاف) في عددها المشار له انفاً، قال : (أنه إكتشف من خلال تواصله مع عبدالقادر محمد، كبير موظفي الألية ان الألية تخطط لإقتصار توجيه الدعوة علي ممثلين للجبهة الثورية وحزب الامة القومي من طرف، وممثلين لمجموعة 7+7 بتشكيلها الجديد-أي بعد خروج غازي صلاح الدين وأخرين منها). وفي بيان مشترك بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب المؤتمر السوداني في اواخر ديسمبر الماضي، جاء فيه : (….فقد اتفق الطرفان على عدم مشاركتهما في أي إجتماعتحضيري لا توجه فيه الدعوة لقوى نداء السودان و يقصي أي طرفمن أطرافها)، وإن كان الإتفاق الموقع مع حزب المؤتمر السوداني، إلا انه يتعدي ثنائته ومحدوديته ليتحول إلي إلتزام سياسي وادبي وأخلاقي، سوف تسأل عنه الحركة الشعبية إن هي شاركت في المؤتمر التحضيري وأدارت ظهرها لحلفائها ومن وثق بها، وهذا ما سوف تضحده او تكده مقبل الايام وهي قطعاً حبلي بالكثير.
(6)
مما سبق يتضح ان إمبيكي وأليته؛ ينفذا كل الأجندة الإجنبية الهادفة لتجزئة الحلول السياسية والامنية في السودان، ومخاطبة قشريات الازمات بدلاً من جذورها العميقة، والتي تكمن أساساً في بقاء النظم الشمولية المدعومة دائماً من الإتحاد الافريقي، وغياب التنمية المتوازنة والعدالة وحكم القانون، وهي كلها أسباب لأزمة بلادنا وبلدان القارة الافريقية، والتي يحاول الإتحاد الافريقي دائماً تجاوزها، والآن فإن السيد إمبيكي يلعب دوراً هو أشبه بدور (السمسار) في الأزمة السودانية، وهو موصل جيد ومنفذ لمخطط الهبوط الناعم الذي تجد فيه مؤسسات دولية واسعة تلعب دورها تحت ستار منظمات مجتمع مدني او بيوتات خبرة او جماعات تدعي البحث عن سلام في العالم، وآن الآوان ليعلم الشعب السوداني جيداً حقيقة إمبيكي وأليته رفيعة المستوي..!.
osamaha132@gmail.com