abattahani@gmail.com
كتب الأستاذ عمر العمر (6 يونيو 2016) مقالاً رصيناً مركزًا على ضرورة إثراء النقاش حول مذكرة المبادرة القومية للسلام والإصلاح “لإبقاء جذوتها متقدة”، وقريباً من ذلك المعنى كتب الأستاذ بشير عبدالقادر (7 يونيو 2016). ولا أريد أن ينطبق عليّ المثل القائل “البكا بحررو أهلو” مع أن “أهل البكا هنا كل السودان”، على كلِ وبعيد عن ما يرمى إليه المثل الشعبي كنت بالفعل قد بدأت كتابة مقال حول المذكرة وتعثرت الكتابة بسبب المشغوليات، وأعترف أني وجدت في مقال عمر العمر حافزاً للعودة واستكمال المقال.
لا أريد أن أتوقف حول حقيقة أن كاتب هذه السطور هو واحد من الموقعين على المذكرة، وأريد أن أؤكد أنني أكتب من باب تعضيد الفكرة العامة للمذكرة، وليس من باب التعقيب على الآراء القيمة التي عارضت أو أيدت أو تحفظت على ما جاء فى المذكرة. ولا أعبر هنا عن موقف موحد معد مسبقاً مع أعضاء المذكرة، بل أذهب أبعد من ذلك إلى أنه ليس بالضرورة أن يتفق معي جميع الموقعين على تفاصيل مقالي أدناه، إلا أني أعتقد أن الروح العامة تعبر عن الفكرة وراء مذكرة ال52.
مبادرة لخفض حدة الاستقطاب السياسي:
تتسارع الأحداث وتتزاحم الأفكار في الذهن، وبين هذا وذاك تثير هذه الأسطر بصورة غير مرتبة بعض الملاحظات حول المذكرة “لإبقاء جذوة المذكرة متقدة” وفي البال مقال سابق لرئيس تحرير إيلاف خالد التجاني حول “إعادة تعريف السياسة” ومقال “تكلفة الحكم”، ومقال لدكتور صديق أمبدة “حول توسيع مفهوم الخيانة”. من بين ما تتطلع إليه المذكرة تصور للدور المرتجى للسياسيين في التنافس على خدمة المواطن وإعلاء راية الوطن كأولوية في سلم أجندة الطبقة السياسية. وسنغامر هنا ونقوم بعملية جرد حساب الربح والخسارة في حالة حكم التكونوقراط “المؤقت” وحكم السياسيين “الدائم” ونتساءل بعد جرد الحساب ما الذي يكسبه المواطن من أييٍ منهما؟ وفي هذا السياق يستعرض المقال على عجالة الحكم المحلي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وتجربة إخراج خدمات الصحة والتعليم من دائرة الصراع السياسي والفائدة العائدة على الموطن من ذلك. ومن وحي هذه التجربة يحاجج المقال باتجاه “نقل قضايا الوطن في الوقت الراهن” أيضًا خارج دائرة الصراع السياسي. لكن قبل ذلك هناك حديث عن إحساس الموقعين على المذكرة بالمأزق العميق الذى تمر به البلاد وضرورة تقديم تنازلات متبادلة للخروج من الأزمة. ومقترح حكومة التكنوقراط هو مطلب لخفض حدة الاستقطاب السياسي والتسييس الزائد وصياغة عناصر سياسات عامة تصلح لمشروع وطني ينهض بالبلاد.
ليست الأولى للخروج من المأزق الوجودي:
يمكن القول أن اتفاقية السلام 2005 قد أوقفت الحرب بين الشمال والجنوب، وتجاهلت ما يجري في دارفور ومع ما تحقق إلا أنها بإبقائها على الاحتمالات مفتوحة قد أدخلت البلاد “مأزق” أن تبقى موحدة أم ممزقة؟ وتتواصل الدراسات والجدل حول من المسؤول عن ذلك (سلمان محمد أحمد سلمان 2016). أياً كان، فقد أدى تشابك المصالح الداخلية والدولية والإقليمية في تشكيل الواقع المأزوم والمعاش اليوم. ومع ذلك هذا التوصيف لا يعكس كل دينامية الواقع فهناك قوى سياسية واجتماعية لها مواقف ورؤى مستقلة سواء حول اتفاقية السلام 2005 (وما فيها نقاط قوة ونقاط ضعف)، أو حول الوضع السياسي العام بعد مرحلة اِنفصال الجنوب، وما جرى من انتخابات وحوار وطني. المجال هنا ليس لاستعراض هذا الوضع ومتغيراته، فقط نود الإشارة إلى أن هذه القوى لا تعوزها حيلة التعبير عن مواقفها بالرغم من العنت والعسف.
أشير هنا إلى مبادرة عام 2008م، التي تقدم بها عدد من الأشخاص (كنت من بينهم ومعي عدد من الموقعين على المذكرة الحالية، وآخرون منهم دكتور حيدر إبراهيم – نسأل الله له عاجل الشفاء) في محاولة لاستثمار مناخ الحراك النسبى الذي أوجدته الاتفاقية بالعمل لتجاوز نقاط ضعفها بتقديم “مبادرة” لتمديد فترة الانتقال لمدة ثلاثة أعوم، خاصة وقد ضاع النصف الأول من الفترة الانتقالية في مناكفات وصراعات الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، وقام مضمون المبادرة على تخصيص ما تبقى من عمر الفترة الانتقالية، بالإضافة إلى الثلاثة أعوام الإضافية (2008-2014) لبرنامج وطني يبني على ما تحقق في اتجاه الالتزام بتنفيذ سياسات تعزز الوحدة وتعالج الاقتصاد وتعبر بالبلاد للاستقرار والديمقراطية والتنمية.
التقى أصحاب المبادرة بعدد من السياسيين من بينهم السيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي، والشيخ أزرق طيبة القائد الاتحادي وعلى ما أذكر قد أبديا موافقتهما الإيجابية وطلب قادة آخرون الوقت لدراستها، بينما جاء الاعتراض على المبادرة من الشريكين في السلطة (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) وتقديرنا أنهما اعتقدا أن المبادرة ستكون خصمًا على نصيبيهما من السلطة، وهذا ما فطن إليه أصحاب المبادرة بالإبقاء على أنصبة الحكم مع استحداث مجلس رئاسي بسلطات محدودة لاستيعاب الأحزاب السياسية وإدخال ممثلين للمجتمع المدني والنقابات والمرأة. كما ذكرت المجال لا يسمح بالتفصيل.
لماذا فشلت مبادرة تمديد الفترة الانتقالية عام 2008؟:
لماذا لم تنجح المبادرة عام 2008، ؟ تتعدد ألاسباب، أحد هذه الأسباب الحرص الشديد من الحزبين الحاكمين وقتها على تأمين مواقعهما في السلطة وشعورهما بأن المبادرة وإن حافظت على نصيبيهما من السلطة إلا أنها وبما تحمل من أجندة وطنية بدلاً عن الأجندة الحزبية (القائمة على المحاصصة) قد تخلق وضعًا تصعب السيطرة عليه من قبلهما. فى واقع الأمر هذا مفهوم من جانب أصحاب السلطة، وهم من هم يعمهون في إطار سوق السياسة الذي تتحكم فيه المضاربات والمزايدات (high discount rate) لخدمة المصالح الآنية والضيقة، إلا أنه فات عليهم أن التنازل كثيرًا أو قليلاً يؤمن المصالح على المدى البعيد أكثر من التشبت بالعاجل على حساب الآجل.
تحديات الوقع والتنازلات المطلوبة:
واقع اليوم لا يختلف كثيرًا من حيث الاحتمالات المفتوحة، ونظريًا على الأقل هناك اعتراف بخطورة المرحلة كما تشىء بذلك مداولات الحوار الوطني ومساعي الاتحاد الافريقي. ودافع الموقعون عن المذكرة بأنها العمل المشترك مع أهل النظام الواعين بخطورة المرحلة، والذين هم على استعداد لإبداء التنازلات المطلوبة لتوازن المصالح مع القوى التى تقف على الضفة الأخرى في إطار “تسوية تاريخية” للعبور بالبلاد من المأزق الراهن. ولولا أن مفردة”إنقاذ” قد ابتذلت وانسلخ عنها كل معنىً إيجابي لغةً واصطلاحاً لقلت “إنقاذ” البلاد. أو لنقل إعداد المسرح أو تهيئة الملعب أو ترتيب الساحة للقوى السياسية لما بعد المرحلة الانتقالية.
المذكرة لا تروم – ولا ينبغي لها – إلغاء الصراع السياسي أو تهميش دور القور السياسية من أحزاب وحركات وتجمعات، ولا يمكنها ذلك وإن اِرتأت. وأعتقد أن جل ما تهدف إليه المذكرة هو كسر حدة الاستقطاب السياسي ووضع قواعد تحكم الصراع أو اللعبة السياسية – تهيئة الملعب إن صح التعبير للقوى السياسية لمنافسة نزيهة وشفافة.
دعوة لاختبار الجدارة السياسية:
باختصار نعني بالسياسة ادارة الشأن العام من خلال مؤسسات الدولة بما يكفل المصالح الخاصة (والمتباينة حد الصراع) لمكونات المجتمع بما يتفق مع المصلحة العامة للكل وفي اطار دستور يحدد القواعد التي يجب الالتزام بها من قبل مكونات أو اطراف العملية أو اللعبة السياسية. ونقصد بالتسييس سعي إحدى المكونات او أطراف العملية السياسية إلى خرق القواعد واقحام عنصر أوعناصر من شأنها اضفاء ميزة “خارجية” لتقوية موقفها تجاه الأطراف الأخرى. مثلا تسييس الجيش يعني اقحامه في العملية السياسية ويبعده عن وظيفته الدستورية، وكذا الحال بالنسبة للخدمة المدنية، القضاء. ويمتد التسييس لتوظيف الانتماءات (العرقية والدينية) التي من شأنها اعطاء قوة اضافية لمن يحركها ويعبئها ولكن حصيلتها إضعاف التوافق الجمعي بين مكونات المنظومة السياسية. والحد الفاصل بين السياسة والتسييس رقيق ولا يخلو من الضبابية – والمجال لا يسمح بالتفصيل.
بالطبع لا أحد يقف مع حرمان المواطنين المتطلعين للعب دور سياسي ممثلين لقواعدهم او مناطقهم من العمل السياسي، فقط التأكيد عليهم بضرورة النأي عن توظيف وتأجيج الانتماءات الأولية من قبلية، وإثنية، ودينية مطية لتطلعاتهم التي تبدو مشروعة. في واقع الأمر الذين يتحدثون عن تخلف مناطقهم أو تمثيل المجموعات التى يتنمون إليها تسندهم وقائع من الصعب تفنيدها ولكن هذا لا يبيح لهم احتكار تمثيل المنطقة أو أهلها وتحريمها على الاخرين حتى لو كانوا من خارج المنطقة او المجموعة الاثنية. فهناك من ينطلق من ظاهر تمثيل مجموعته الإقليمية، الإثنية، الطائفية، أو الفئوية ولكنه قد يخفي داخلها مصلحته الطبقية أو الفئوية التى تطفو على السطح عندما تتهيأ لهم التمكن من المجالس والمنصاب العامة.
ولا تغيب عن أذهاننا ملاحظة أن الذين احتلوا هذه المجالس والمناصب الدستورية هم أفراد الطبقة السياسية الصاعدة منذ السبعينيات على ظهر الشمولية – الذين لم يجدوا حرجا من تسييس الولاءات الأولية والانتماءات العشائرية والقبلية والمناطقية التى التقت مصالحها الفئوية الضيقة مع النظم المركزية – الشمولية. وبغياب البرامج الخدمية المستندة على دعم وتأييد المواطن انتعشت النعرات القبلية والعشائرية والجهوية والدينية والطائفية وغذت شبكات المصالح والزبائنية واصبحت كل منطقة وعشيرة وقبيلة تقدم “أبناءها” لتمثيلها ويهتبل الأبناء (والبنات) الفرصة للحراك لأعلى السلم الاجتماعي والطبقي.
ومقترح الاصلاح – وأن لم يفصل في المذكرة – يشجع على ان “ينجح” السياسي الطامع لتمثيل مجموعته في اختبار “الجدارة السياسية” أولاً بقوة منطقه وحجته، وثانياً بسند من القاعدة التى تدعمه دون قهر وأن يترقى سلم العمل العام متدرجا من المستويات الدنيا للمستويات العليا. نقول ذلك مع اقرارنا بصعوبة إبعاد قضايا الاثارة عن العمل السياسى.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم