المتعافى: الوالى الذى عرفت (2) .. بقلم: سيف الاسلام حميدة
13 يونيو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
24 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
Shandina65@hotmail.com
لم تكن السياسة عند المتعافى يوما ما كسبا حزبيا محضا ، ولا اجتماعات مطولة فارغة المضمون ، ولا احتفالات جماهيرية خواء ولا ليال سياسية للخطابة والخطباء . لم يكن الرجل يوما تقليديا فى ممارسة السياسة ، فالسياسة عنده قضية ترتبط ارتباطا وثيقا بتطوير الموارد وتنويعها واستخدامها الاستخدام الامثل فى خدمة الوطن والمواطنين من تحسين البنية التحتية للخدمات وتسهيل حياة الناس ومعاشهم. وقد تلاحظون أخوتى القراء ذلك الفهم متمثلا فى ما تم فى عهده من انجازات نتطرق الى بعضها لاحقا فى هذا المقال.
كان المتعافى رجلا تنفيذيا من الطراز الأول ، ميدانيا ، قليل الجلوس فى مكتبه ، كثير الاعتراض على البرامج التى توضع له أن لم يجد فيها ما يحس بأنه من صميم عمله وفهمه للسياسة. ولطالما سمعت منه عندما يعرض عليه البرنامج اليومى ( أسع أنا شغلى وين فى البرنامج دا؟؟) ولذلك كان كثيرا ما يلغى برامجه التى يحس بأنها مجرد علاقات عامة لاطائل من ورائها ويستعيض عن ذلك بزيارات ميدانية لأحدي الوزارات أو المحليات أو المستشفيات أو المدارس أو أى مرفق أو مشروع تنموي يتبع للولاية ليقف على أدائها وتحسينه وتجويده ما استطاع الى ذلك سبيلا. كان من الصعب علينا فى مكتبه مجاراته فى طريقة وسرعة عمله ، وكان من الصعب التواصل معه عندما لا يأتى الى المكتب ، كنا نلجأ عندئذ الى سائقه فيخبرك بأن الوالى الان فى زيارة الى جهة خدمية أو مشروع يتبع للولاية ومن ثم نقوم باللحاق به. كان الرجل مكثرا للزيارات المفاجئة التى لا يخبر بها موظفى مكتبه أو الجهات التى يقصدها حتى يقف على حقيقة وطبيعة العمل .
لقد كان تفكير الرجل دائما بأن جلوسه وبقاءه فى المكتب مضيعة للوقت والموارد التى تتوفر للتنمية وذلك لتردد الأشخاص والهيئات والجهات التى تنشد دعما عينيا من الوالى رغم أنه كان يفرد وقتا غير قصير لكل هؤلاء بما فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة. كان ذا هم كبير وأحلام أكبر ويسعى الى أنماء هذه الموارد وتطويرها لتدرك هذه الأحلام كما أوصاه الرجل الاقتصادى الضخم مامون بحيرى ذات مرة بأن ( يحدد خططه وأهدافه حسب الحاجة اليها وليس بحسب المتاح من الموارد ، وعليه من ثم تطوير هذه الموارد لللحاق بهذه الرؤى والأهداف) .
أوكل المتعافى ملف أكبر مصدر للموارد وهو الاراضى لرجل صادق صعب المراس ممن يعتقد أنه يخاف الله فى عمله كله الراحل طيب الذكر المهندس عبدالوهاب محمد عثمان. عمل الرجل بصدق واجتهاد فى حراسة هذا الملف وجنى أكبر موارد ممكنة منه مفسحا المجال للمتعافى فى استخدامها فى تحسين بيئة الولاية وأنسانها . عمل الرجلان فى تناغم وحرص شديدين حتى وضعا الولاية على جادة الطريق فى التنمية والتطوير، فعبدت الطرق وبنيت الجسور والمدارس والمراكز الصحية ، وتم كذلك بناء وتأهيل عدد من المستشفيات ، وتمددت شبكات المياه ومصادرها فى محليات الولاية المختلفة ، وتم ايجاد متنفس للمواطنين فى أمسياتهم بانشاء عدد من الحدائق . عرفت الولاية فى عهدهما جذب الاستثمار فى الخدمات والبنيات التحتية وكسبت مصداقية فى الايفاء بمتطلبات التنمية من جذب للقروض والتمويلات البنكية وسدادها فى حينها.
تقول الاحصاءات ( ولكم التأكد من صحة جميع ما سأذكر لاحقا من الجهات المختلفة ) بأن ما أنجز من عمل فى البنية التحتية لولاية الخرطوم ابان ولاية المتعافى ، لم ينجزه أحد منذ قبل عهد الاستقلال أوبعده. عرف الناس قبل مجيئ المتعافى للولاية خمسة كبارى فقط تربط بين محافظات الخرطوم الثلاث بحرى، أمدرمان ، الخرطوم . اثنان من الكبارى ( النيل الأزرق وأمدرمان) تم انشاؤهما فى عهد الانجليز . وفى عهد عبود تم انشاء كبرى شمبات ثم جاء كبرى القوات المسلحة لينشأ فى عهد نميرى. أما كبرى الفتيحاب فقد تم أنجازه فى عهد المرحوم مجذوب الخليفة .
جاء المتعافى لولاية الخرطوم فى العام 2001 فأنشأ خمسة من الكبارى دفعة واحدة كان قد اكتمل منها أربعة عند مغادرته للولاية وهى المنشية , المك نمر , توتى- الخرطوم , الحلفايا (وتبقي اكتمال المداخل والمخارج منه واليه ), وكان العمل المنجز وقتئذ فى كبرى الدباسين يساوى 40 % وهو مشروع ضخم يقارب طوله 1.200 كم مما يخبرك بأن المنجز منه كان يساوي حجم كبري كامل مثل توتى – الخرطوم. فى عهد المتعافى أيضا اكتملت التصاميم والدراسات لمشروعي كبريى سوبا , وتوتى – بحري . ولك أن تعلم أخى القارئ أيضا بأنه فى عهد المتعافى تمت صيانة كاملة لكبريي أمدرمان (الحديدى) وشمبات مما جعلهما فى عداد الكبارى الجديدة , واكتملت أيضا الدراسات والتصاميم لصيانة كبريي النيل الأزرق والقوات المسلحة. وفى الكبارئ الطائرة نفذ كل من كبارى جامعة السودان , كوبر , ثم نفق عفراء.
أما اذا دلفنا للحديث عن الثورة التى شهدتها الطرق فى عهد المتعافى ، فهى قصة انجاز ضخمة تحدث عن نفسها , حيث تمت توسعة الطرق القديمة وصيانتها وأنارتها : وتم انشاء عدد كبير منها للربط بين محليات الخرطوم المختلفة . ولعلمك أخى القارئ أن ما تم رصفه من طرق فى عهد المتعافى كان يقارب الثلاثة ألاف كم (أي كمثل الطريق بين الخرطوم وبورتسودان ثلاث مرات). لاتكاد تذهب لأي مكان فى ولاية الخرطوم الا وتجد أثرا لطريق وسع أو صين أو عبد ابان عهد المتعافى. وكما هو معلوم فأن أنشاء مثل هذه الجسور والطرق علاوة على أن فيها تسهيل لحياة المواطنين ، فبها أيضا ترتفع القيمة السوقية للمنازل وتتوسع الخطة الاسكانية وتتحسن حياة المواطنين فى الأطراف.
فى مجالي الصحة والتعليم ، تنبئك الاحصاءات بأن ما تم بناؤه من مدراس فى عهد المتعافى بلغ حوالى الالف مدرسة توزعت على محليات الخرطوم المختلفة. وزادت اثر ذلك معدلات الاجلاس للطلاب. وشهد المجال الصحى فى عهد المتعافى أنشاء عدد من المستشفيات الكبيرة , منها على سبيل المثال بشائر ، أمبدة، أم ضوا بان ، أبوصالح ، الأطفال أمدرمان ، ثم شرق النيل. وتمت توسعة كل من مستشفيات ألبان جديد، البلك للأطفال ، وكذلك المستشفى التركى بالكلاكلة . وفى نفس الوقت أكتمل أنشاء أكثر من مائة مركز صحي بمحليات الخرطوم المختلفة وتوسعت مظلة التأمين الصحى فى الولاية وشملت عددا كبيرا من الأفراد .
أكثر ما يحمد لعهد المتعافى فى ولاية الخرطوم ، الجهد الذى بذله الرجل وأركان حربه فى توفير مياه الشرب ومصادرها وشبكاتها . تقول أحصاءات هيئة المياه بأنه عندما جاء المتعافى واليا للخرطوم كان عدد المشتركين الذين تصلهم المياه الصالحة للشرب فى منازلهم حوالى ثلاثمائة وخمسين ألف مشترك : غادر المتعافى الخرطوم وكان عدد المشتركين الجدد الذين تصلهم المياه فى منازلهم قرابة الخمسمائة ألف مشترك جديد توزعوا فى أحياء مايو والكلاكلات وأمبدة . كما تم فى عهده أنشاء أكبر محطة للمياه فى أفريقيا وهى محطة المنارة بأمدرمان والتى تمت بتمويل أوروبى كان فيه كسر للحصار الاقتصادى على السودان بعد أن رأوا جهد الرجل وسجل أنجازه فى العمل للأنسان عموما . وتم كذلك أنشاء محطات الريف الشمالى ببحرى، وجبل أولياء ، واكتمال محطة سوبا وتوسعة كل من محطات الملازمين ،وبحرى ، والمقرن. وأزيد على ذلك أخى القارئ بأنه تم حفر أكثر من ثلاثمائة بئر لمياه الشرب فى محليات الولاية المختلفة ابان عهده.
كان أكثر ما يشغل الرجل فى ولايته على الخرطوم تزايد معدلات البطالة وقلة الأيدى الماهرة المدربة فى سوق العمل السودانى، فقاد جهدا ضخما مع دول الاتحاد الاوروبي لأنشاء مراكز تدريب فنى تأهيلا للشباب ومحاربة للبطالة وتوفيرا للأيدى المدربة محليا : حيث تم أنشاء خمسة مراكز تدريب مهنى بتمويل أوروبى فى المجالات المختلفة كان لها مردودها الايجابى على سوق العمل بالولاية.
من أكبر المشاريع التى أنتظمت الولاية فى عهد المتعافى هو مشروع النظافة ( رد الله غربته) حيث كان للرجل دور كبير فى تحسين أدائه وتجويده والاشراف عليه : ووقتئذ تم استيراد وجلب أكثر من مائة وعشرين عربة وآلية للمشروع. ولاحظ الناس حينها الجهد المبذول فى نظافة الولاية وأنتظام مرور عربات النظافة فى الأحياء السكنية والأسواق . وقامت فى هذا الصدد مشروعات لتدوير النفايات والاستفادة منها.
فى العمل الزراعى والحيوانى , قاد الرجل جهدا ملموسا فى توفير المياه للمشاريع الزراعية المختلفة بالولاية . مما أذكر فى ذلك تركيب طلمبات مشروع سوبا الزراعى وتمت كذلك صيانة كاملة لطلمبات مشروعى السليت والجموعية. وقد تحضرك أخى القارئ مقولته الشهيرة التى أطلق وقتئذ بأنه يريد أن يجعل من ( الفراخ طعاما للفقراء) وذلك بدعم أنتاجها ودخول الولاية كشريك فى ذلك . وأترك لك الحكم الذى لا تخطئه فطنتك أن كان ذلك قد حصل الآن أم لا.
عندما آلت الشرطة للولاية حسب الدستور الانتقالى لعام 2005 , دعم المتعافى العمل الشرطى بمائة عربة جديدة وتم فى عهده بناء أربعة عشر مركزا شرطيا بالمواصافات العالمية. فأنتشرت دوريات الشرطة فى جميع أنحاء الولاية استتبابا للأمن وطمأنينة المواطن.
أخى القارئ الكريم لقد وضعت أمامك بعضا من سفر ضخم للرجل ابان عهده واليا للخرطوم . فلم احدثك عن كثير من الانجازات الأخرى التى تمت فى ذلكم العهد وتفاصيلها من خطط ومخططات سكنية ولا عن الدعم أو البرنامج الاجتماعى الذى توفر للفقراء والمساكين ولا عن دعم قطاع الناشئين والرياضة ولا عما تم فى الأسواق من بناء الجديد المتخصص منها أو تنظيم القديم وقتئذ ولا ولا….الخ .
ولا تحسبن أخى القارئ بأن ما تم أنجازه فى عهد الرجل من مشروعات كان باهظ التكلفة متجاوزها,فالرجل كان مفاوضا شرسا فى كسب أكبر فوائد للولاية وانسانها فى المشروعات كلها ، عرفه الجميع ممن عملوا معه بانه ذكي للحد البعيد ، ودقيق ، ومفاوض صعب المراس ’ مقنع لمن يحاوره بالحجة السليمة والمعلومة الحاضرة . ولك اخي القاري ان تقارن تكلفة ما تم انجازه من مشاريع في ولاية الخرطوم إبان عهد المتعافي وتكلفة المشاريع المماثلة في مواقع السودان المختلفة الاخرى . مما اذكر في هذا الصدد بأن صاحب الشركة التى رسى عليها عطاء بناء مراكز الشرطة الأربعة عشر جاء غاضبا وشاكيا لمكتب الوالي بأنه أخبر بتخفيض 10 ? من القيمة التي وقع له بها العطاء بتوجيه من الوالي .
ولعل أكثر المتفائلين – دعك من المشككين – لم يكونوا يتصورون أن يكون فى وسع المتعافى تنفيذ الخطة التى أعدها وعرضها على الرأى العام آنذاك حيث عدت ضربا من الأحلام . بهر المتعافي الكثيرين بهذا الكم المنجز من الأعمال والمشروعات ، فحسده الكثيرون حتي من يعد من مناصريه وإخوانه ممن كان يرون في ذلك تهديدا لهم ترقيا للمناصب العليا ، أو ممن يطمعون في منصبه مما رأوا من توفر الموارد حينها ، أو ممن أغضبهم حبسه للمال العام عنهم وصرفه في أوجهه المرجوة، فروجوا لإمتلاك الرجل للشركات التي قامت بتنفيذ هذه الأعمال والمشروعات المختلفة ، و أنه أثري وأغتني من وظيفته العامة وأنشأ منها أعمالا خاصة ، وإنه وربي لأفك مفترى عظيم وأكاذيب بواح ما قالوا به.
لم نعرف والله عن الرجل الذي تناوشته الألسن والأقلام تلك الافتراءات التى ألصقت به : ولم نره إلا محقا للحق عاملا به. لا يصنع معروف لخاصة ولا يحابي احدا في العمل العام ، قوي وشجاع لا تأخذه في الحق والعدل لومة لائم، وطنى غيور على بلده ومواطنيها . لم تبهره السلطة ولا بريقها ، ولم يطمع يوما أو يستأثر فيما توفره من مخصصات، ولم يكن يحب بروتوكولاتها : فلم يصطحب موترا أو عربة تشريفات طيلة فترة عمله كوال، ولم تكن تتبعه عربة للحماية ، ولم يكن يرافقه أحد موظفى العلاقات العامة فى سيارته ولم ولم…. وهو فوق ذلك هين ، بسيط ، حاضر فى كل ما يجمع الناس من أفراح وأتراح ، يستوقفه كائن من كان ليحكى له عن مظلمة أو يشكو له وزيرا أو موظفا أو يحكي له عن حاجة خاصة فيجد منه كل آذان صاغية وعدل واحقاق، منجز لما يعد به حيث لا يعرف كذب السياسيين ولا تخدير المواطنين ، تجده عند الفزع وتفتقده يوم الشكر والا فليخبرنى أحد رأي الرجل فى حفل أقيم لتكريمه أو الاحتفاء به طيلة سنوات عمله فى العمل العام.
لم يكن الرجل طيلة سيرته الطويلة في العمل العام يري في وظيفته غير عبادة يتقرب بها الي الله ، لا يأبه بما يقال عنه ويكتب ، مطمئن لنية ما يقوم به من جميع الأعمال ، محتسب كل ذلك ليوم يقوم الناس فيه لرب العالمين يوم لاتخفى خافية .بقى أن أخبرك أخى القارئ بأن الرجل كان فى أيامه الأخيرة ملحا على الرئيس فى أن يعفيه من منصبه ذلك أنه قدم جميع ما بوسعه من أعمال ومشاريع ليفسح المجال لتجربة أخرى فى الولاية . ترك الرجل ولاية الخرطوم وميزانيتها قد بلغت المليار دولار بدلا عن أربعين مليون فى أول عهده، المخصص منها للتنمية قرابة الخمسمائة مليون . ذهب الرجل وبقى هذا السفر الضخم الذى قد يحتاج كتابا كاملا لتوثيقه ولا شك فى أن التاريخ سينصف الرجل يوما ما بعد ظلم حاق به مثلما فعل مع كثيرين.