المجذوم: (قصة قصيرة) .. بقلم: د. عمر عباس الطيب
28 نوفمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
101 زيارة
أزحفُ نحو السُّلمِ الوظيفي ، غير أني أراوح مكاني ، خمس سنوات مرت هازئة من انتظاري في بلادٍ تكون صهوةُ الولاءِ السياسي هي مفتاحُ الوظيفة ، لم يراودني ذلك الحلم ، فأنا يساريُ الميول ، لي صولات وجولات في معترك أركان النقاش الجامعية ، وكثيراً ما نزلت ضيفاً على بيوت أشباح النظام الإسلامي الجلباب.
عندما أنغمس في اللذات ، يتراءى لي طيف والدي رحمه الله شاهراً سبابة التحذير كما اعتاد أن يفعل حين لا أحفظ وردي اليومي من القران الكريم ، فهو الفكي لخلوتنا ،وقد تتلمذتُ على يديه حتى بلغت شرافةَ * سورة يس ، أذكر تماماً ذلك اليوم ، نحر فيه تيس ، وطُبخَ مع بليلة الذرة ووزع على المصلين عِشَاءً ،وزهوت ليلتها فرحاً وافتخارا . وبعد أن غيب الموت ظل أبي هجرت الترنم بكلام الله وتلاشى ما حفظته من ذاكرتي. .
فقدتُ الأمل في سراب الوظيفة منذ مدة وانتابني ما يشبه الاستكانة والخضوع للأمر الواقع .إلى أن تفاجأت يوما بإدراجُ اسمي ضمن المستوعبين في سلك التعليم كأستاذ للغة الضاد في مدرسة الشيخ النوراني الثانوية بنات.
حزمتُ أمتعةَ الصبرِ نحو تلك القرية النائية ، يتنازعني ، الفرحٌ بعناق الوظيفة ، والأسى لفراق الأهل والأصحاب . حقول السمسم تمتد الى حدود البصر في خضرة زرع تغري بالأمل في الآتي تأخذ بالألباب وتحيي موات القلوب .
أقلني الباص إلى مشارف قرية النوراني ،ظهر الركشة هو الوسيلة الوحيدة المتاحة للنقل إلى داخلها ، عرّفت من تكرم وأقلّني أنني معلم المدرسة الثانوية ، وأنوي أن أحط رحلي بمنزل الأساتذة ، حييته ورحب بمقدمي وحمد الله على سلامة الوصول.. تأملت مشارف القرية ،بادرته بسؤال كسرا للرتابة عن تلك الأكواخ التي ينبعث الدخان منها ؟ أجاب بعفوية القرويين : إنها تبيع الأقاشي (1)والزغني(2) لعابري السبيل .. استدرك ضاحكا ..وأيضاً عرقي البلح ، ألفَت تلك الإجابة لدى شيطاني استحسانا فتمطى فرحاً .. اقتربنا من مقابر القرية ..فراح يحدثني عن الشيخ النوراني وعن كراماته ، وعن المسيد (3) الذي يتوسط قلب القرية ، والذي يعج بمئات الدارسين لكتاب الله ، وعن الأولياء الصالحين الذين تحتضنهم مقبرة القرية ،وأن قرية الشيخ النوراني منارة للطريقة الشاذلية لمن حولها من القرى ، يؤمها آلاف الزوار في ذكرى مولد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله وسلم ،ويقصد بركتها المئات من كل جمعةٍ في حلقة الذكر ، بقينا نتجاذب أطراف الحديث كأننا على سابق معرفة ببعضنا .. على تخوم القرية استرعى انتباهي رجل أشعث أغبر كث اللحية بأسمال بالية مهلهلة تكاد تسقط عن جسده النحيل يجلس متكوما على نفسه أمام كوخٍ منعزلٍ ، أنظر إليه، فتخترقني نظراته ،وتسري قشعريرةٌ غير محببة في كوامني ، حياه رفيقي فرد بأحسن منها ، سألته : من كان واهن العظم ذاك ؟ أجاب : إنه أيوب المجذوم وقد بتر المرض يده وقدمه ، ولا أحد يخالطه أو يصافحه ..اشفقت عليه وإن لم أحبه ..شيء ما في هيئته ونظراته يزعجني ..داهمني صمت مهيب تصاحبه أحاسيس شتى.. .
تقترب القرية بخضرتها النضرة ، وبيوتاتها الطينية الدائرية الصنع ، والتي تعلوها سقوفا عشبية ، ويحيط بها سورٌ من أعواد القصب كلها تبدوعلى نفس النمط ، تضيق وتتسع ، اخترقناها وصولا إلى حيث مقر إقامتي بدار الأساتذة ، لا جديد بها ايضا مجرد نسخة مطابقة لما مررنا عليه من بيوت ..احتفى الأساتذة بمقدمي ، وأكرموا وفادتي..وأحسست لأول مرة مذ غادرت بيتي بشيء من الراحة والأمان . .
نهضتُ قبل صياح الدّيكة ، تهيأتُ وتهندمت والتحقت بطابور الصباح.. باشرت عملي بهمة ونشاط ، تلك كانت أول حصةٍ تدريسيةٍ لي بالصف الثاني ، ولجت الفصل ، قدمت سيرتي الذاتية ،وبدأت أختبر قدراتهن في القراءة ومكتسباتهن اللغوية ،كان على من تقرأ أن تقف ، نظراتي تتجول على وجوه القرويات وسمعي يلتقط الكلمات والجمل التي تملى .. استوقفني حسن إحداهنّ ، حين فردَت قامتها ، بدا صدرها الطامح كموجة تسونامي ، ونبرة صوتها الملائكي تسكر العقول ، شيطاني الرابض تململ في نشوة من وجد ضالته ، وقُبيل أن تكتمل سكرتي بسحر هذا الجمال ، يداهمني طيف المجذوم ، يقف بجوارها ،انتفض فزعاً ، تذوب النشوة وتتبخر وينكمش قلبي خوفاً ، ولكن لم هذا الطيف ؟ ولماذا يطارد عيني ؟ يجيبني الصمت ، وحين فتحت باباً للسؤال عرفت إنها حفيدة الشيخ النوراني. .
أنهيت اليوم الدراسي وقد صادف أن كان اليوم خميساً ونهاية الأسبوع الدراسي. .عدت للبيت وأنا على غير ما يرام ..ذلك الطيف يتأبطني وتثقل على أنفاسي .انتابتني رغبة في الخروج ،وقد أحكمت الرغبة في النشوة الحصار على أفكاري ،انتظرت حتى أرخى الليل سدوله ويممت حيث الأكواخ على تخوم القرية ، أسبق ظلي واتشمم عبق الحقول.. واتتبع شبق بخور حبشي ، ينبعث من أحد الأكواخ ،ويسري إلى دواخلي يدغذها ، غصت داخل الكوخ ، وابتسامة التقراي* تستقبلني بسحرها ، المقاعد الخشبية معدة بانتظام تحتضن منضدة ، اقتعدتُ واحداً منها ، بعد أن ألقيت عليها التحية
– سلام (نش )(4)
انفرجت أساريرها لسماع تلك التحية ،أجابت :
-(سلام نك )(5) ،
ولهي بالأحباش دفع شيطاني لإتقان تلك اللغة في مراتع الشهوة ، يقبع في أحد الأركان مجمرٌ تجاوره أدوات صنع القهوة وبعض أواني الطبخ .
قالت: نستقبل مقدم ضيوفنا بالقهوة ، و في حياء مصطنع : أتفضلها سادة أم بالتوابل ؟
أجبتها : أفضّل مزيداً من الزنجبيل .
اختفت لدقائق وعادت بكوب من الماء وفنجان من القهوة ، بعين خبير تفحصتها ، مكورة الوجه ، ملفوفة القوام ، تميل إلى القصر ، نضارة وجهها تحاكي سحر (دبرازيت ) ، قطع نشوة تأملي تساؤلها :
-أيهما تشتهي الأقاشي أم الزغني مع الإنجيرا (6)؟ الأقاشي مع الشراب ، لذة طعامها تمضغني ، ما أن احتسيت قليلاً من العرق ، تنقبض عضلات وجهي وتنبسط ، طعم لاذع محبب ، وحرقة بالحلق ، تجتاحني النشوة بلا استئذان ، سددت جوعي ، بعد أن انتشى عقلي ، أومأتُ لها … همستُ ، ضحكتْ بغنج ، استعصمت والرغبة في جسدها تشتعل ، خرجت أجرجر نصف لذة مبتورة ،والنسيم يذكي جذوة نشوة لم يطفئها سيري بمحاذاة المقبرة الصامتة الرهيبة ، حين انتصف سورها طرق مسمعي صوت أنين خافت .. استرقت السمع .. ربما لعبت أم الكبائر برأسي ! صوت متهدج يجدبني إليه .. أقترب أكثر .. أسمعه بوضوح ينشد :
شوقٌ أضر بمهجة المشتاق —– أجرى سوابق عبرة الآماق
سألته : يا هذا خبرني عن تلك التي أضرمت نار الغرام بين جوانحك ، التفت ليرى من قطع بث أشواقه ، حين دنا .. وجهه يشع وضاءة !، أيعقل ما أرى ؟! أقسم إنه المجذوم ، ولكن ما بال أطرافه سليمة ، لا بد أن الخمرة لعبت برأسي ،
أطرق قليلاً ثم أجاب : يا هذا إن لي حبيباً إن صددت.. قربني وأدناني ، وإن تقاعست رغبني ومناني ،وإن طلبت الوصل قربني وناجاني ، ثم أنشد :
لهفي على خلوة منه تسددني —– إذا تضرعت بالإشفاق والرغب
يارب يارب أنت الله معتمدي —– حتى أراك جهاراً غير محتجب
.نظر إلي وإلى ترنُّحي الذي لا يخفى ..أشار الي بسبابة معقوفة وقال :
• يا هذا أيلبسك الله نعمته ..و فسقاً تنزعها ،أيكرمك الله على العالمين ولؤماً تقابله ، إنك بذرة رجلٍ صالحٍ ، تمتم بكلمات وتفل في باطن كفه ثم مسح بنور يده على رأسي وبطني …. الأفق يضيق .. تتساقطُ النجوم ، تقترب مني…. تقيأتُ ..لم أعلم بعدها كيف حملني الليل إلى وسادتي ، أبصرني نهار الجمعة والإعياء يوهن جسدي ، والحقيقة تتماهى مع الأوهام ، كأن لعنة حلت بي. مر النهار بتثاقل ..لم أفعل شيئا سوى جرجرة جسدي ونفسي العليلين من ركن إلى آخر ..لم أذق طعم النوم ولا استمرأت طعاما ولا شرابا ، كأني آلة أصابها العطب .. حتى إذا حل الليل .
اعترتني رغبة عارمة للإنعتاق من جدران غرفتي ، أقاوم دافع النشوة واللذة دون جدوى ، قوة ما تدفعني ، قدميّ تحثاني على الحركة ..! وكأني أخطو على الأثير ، أتقدم بلا هدى عبر طرقات القرية المتعرجة ، تبتلع خطاي الطريق ، والليل يقطعه سكونه صوت النوبة المتناعس ، .. يطرق صوتها مسامعي بوضوح أكثر ، يعلو أنينها شيئاً فشيئا ، تستحثني حتى أوصلتني الى باب “المسيد” ، الكتلة البشرية ترمقني كأنها تخترقني .. تترنم بالذكر في نشوةٍ ، قشعريرة تسري في أطرافي ، ينهار سدا عيني ، يتلعثم لساني ، يهمهم .. الله ..الله ، أدلف إلى حلقة الذكر ، أجد أن من يقود دفتها ..أبي والمجذوم. !.
1. طبق حبشي يصنع من اللحم.
2. طعام حبشي .
3. المسجد .
4. تحية للمرأة باللغة الحبشية .
5. تحية للرجل باللغة الحبشية .
6. خبزرقيق يصنع من الذرة .
umeraltayb248@hotmail.com
////////////////