المدارسُ الخاصةِ تزحفُ للقضاءِ على المدارس الحكومية بالخرطوم .. بقلم: إمام محمد إمام
26 أغسطس, 2014
إمام محمد إمام, منبر الرأي
27 زيارة
يُجمع الكثيرون على أن الخدمات الأساسية التي ينبغي أن تقدمها الدولة لمواطنيها في أي نظام سياسي، هما الصحة والتعليم، وتعتبران من ركائز بُنيان الدولة الحديثة. فلذلك تجد المدارس الحكومية نسبتها تفوق نسبة المدارس الخاصة، حتى في بلدان الغرب. ويذهب بعضُ الخبراء إلى أن تقدم الدول الحقيقي يُقاس بهاتين الخدمتين الأساسيتين للمواطنين، أي الصحة والتعليم، ولا كثير جدال في أحقية أن تتصدر هاتان الخدمتان موازنة الدولة، وتزاحم في بعض الدول موازنة الدفاع، وإن جاءتا بعدها.
وأحسبُ أن هذه التقدمة، فرضها اندهاشي من اتجاه ولاية الخرطوم إلى رفع نسبة المدارس الخاصة في الولاية إلى 70% من المؤسسات التعليمية بالخرطوم. والأنكأ من ذلك، ما جاء في تبرير وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم لهذا الاتجاه الكارثي، بأنه خطوة لامتلاك القطاع الخاص للإمكانيات التي من شأنها تطوير التعليم. ويقيناً أن تطوير التعليم، لا سيما تعليم الأساس يجب أن تتصدى له الدولة بإمكاناتها مهما قلت في سبيل تطويره، باعتبار أنه وعاءُ المستقبل من خلال تعليمِ جيلٍ من التلاميذ والتلميذات.
وفي رأيي الخاص، أن وزارة التربية والتعليم في ولاية الخرطوم، كسباً لشعبية هذا الاتجاه الكارثي في رفع نسبة المدارس الخاصة إلى 70% من المؤسسات التعليمية، أكدت رفضها امتلاك المدارس الخاصة للأجانب، إلا في حالات وجود شُركاء سودانيين، بحُجة أن حق الملكية سيكون فقط للسودانيين، وهذه حُجةٌ واهيةٌ؛ لأن معظم المدارس الخاصة حتى وإن كانت فيها شُبهة مال أجنبي، تجد في مجالس أمنائها سودانيين كُثر.
وأكبرُ الظنِّ عندي، أن وزارة التربية والتعليم في ولاية الخرطوم، أرادت بالإعلان عن هذا الاتجاه، لرفع نسبة المدارس الخاصة إلى 70% من المؤسسات التعليمية، معرفة صدى مثل هذا التوجه لدى الرأي العام. ولا أظن – وليس كلُّ الظنِّ إثماً – أن تبرير الأخ الدكتور عبد المحمود النور وزير التربية والتعليم بولاية الخرطوم، عن اتجاه الولاية نحو إعلاء نسبة التعليم الخاص إلى 70% من المؤسسات التعليمية، بحُجية أن إمكانيات القطاع الخاص كفيلة بتطوير التعليم في الولاية، غير مقنعٍ لأحدٍ، حتى ولو جاء تأكيده على مصادقة المزيد من الإجراءات التشريعية والتنفيذية، من خلال إيداع قانون التعليم الخاص منضدة المجلس التشريعي بولاية الخرطوم؛ لأن هذا يُمثل لغير القادرين على ولوج المدارس الخاصة، رهقاً مالياً يُضاعف مُضاغطاتهم الاقتصادية والمالية والنفسية بشكلٍ كبيرٍ، ويُخرج الدولة من أهم مسؤولياتها السياسية والمجتمعية.
ومن الضّروري التحذير من مثل هذا التوجه؛ لأنه يعني أن التعليم بدلاً من أن يكون حقاً مُشاعاً لكل أبناء وبنات السودان، سيكون قاصراً على المقتدرين فقط، ومن تداعياته المزيد من الفاقد التربوي، والتذمر من أفاعيل الحُكومة الولائية، مما ينسحب هذا التأثير السلبي، والغضب الشعبي على الحكومة الاتحادية نفسها. فلذلك ينبغي لحكومة الولاية أن تتدارس مثل هذه الأمور التي تداعياتها السياسية أكبر من استيعاب الولاية بأسرها، ناهيك عن وزارة التربية والتعليم، عند اتِّخاذ مثل هذه القرارات الكبرى.
أخلصُ إلى أن التصريحات الصّحافية للأخ الدكتور عبد المحمود النور أول من أمس (الاثنين)، لم تجد زمناً كافياً لدراستها دراسةً علميةً، ومُناقشتها نقاشاً مجتمعياً، ولخطورتها لا ينبغي للوزير الإسراع إلى إيداع قانون التعليم الخاص منضدة مجلس التشريعي ولاية الخرطوم بصدد إجازته، ليصبح أمراً ماثلاً، وحقيقة واقعة، قبل مراجعة اللجان المختصة للمدارس الخاصة، ليس من حيث مبانيها ومناهجها فحسب، بل حتى من حيث مصروفاتها، وتبعياتها المالية من زيٍّ وغيره، وإجراء حوار مجتمعي حول هذه القضية، التي تهمُّ كلَّ بيتٍ في الولاية. ولا يمكن أن يقبل المواطنون بأيِّ حال من الأحوال أن تزحف المدارس الخاصة للقضاء على المدارس الحكومية، ويكون في نهاية المطاف، دور وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم، قاصراً على الدور الإشرافي، ما دام يُقصر مسؤوليته الكاملة على 30% من المؤسسات التعليمية. وينبغي على الوسائط الصحافية والإعلامية أن تلتفت إلى هذا الاتجاه الكارثي، لا سيما وأن هنالك هجرة عكسية حالياً من المدارس الخاصة إلى المدارس الحكومية، بسبب الظروف الاقتصادية، المُضاغطات المالية على أولياء أمور التلاميذ والتلميذات، والعمل على تشكيل رأي عام لمواجهته حتى لا ينطبق على الأمر القول الشهير: “في الصّيف ضيعت اللبن”، ومن ثم يصعب احتواء تداعيات مثل هذا الاتجاه الخطير.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”.
وقول الشاعر العربي زهير بن أبي سُلمى:
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ يَفِـرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْـمَ يُشْتَمِ
وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْـلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِـهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْـنَ عَنْـهُ وَيُذْمَمِ
وَمَنْ يُوْفِ لا يُذْمَمْ وَمَنْ يُهْدَ قَلْبُـهُ إِلَـى مُطْمَئِـنِّ البِرِّ لا يَتَجَمْجَـمِ
وَمَنْ هَابَ أَسْـبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَـهُ وَإِنْ يَرْقَ أَسْـبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّـمِ
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِـهِ يَكُـنْ حَمْـدُهُ ذَماً عَلَيْهِ وَيَنْـدَمِ
//////////