لم تكن المرأة يومًا خارج تاريخ الحروب التي مرت على البلاد، وإن لم تحمل بندقية، ولم تجلس إلى طاولة قررت فيها الحرب، ولم تملك مفتاحًا لفتح أبوابها. فمنذ أهوال الجنوب ودارفور، مرورًا بجبال النوبة والنيل الأزرق، وصولًا إلى الحرب الراهنة، ظلت تدفع من حياتها ثمن قرارات لم تصنعها. الحرب بالنسبة إلى من يشعلها قد تكون خريطة للسيطرة ومائدة للنفوذ، لكنها بالنسبة إليها بيت يغلق فجأة وأب لا يعود، وزوج يفقد، وطفل يكبر قبل أوانه، وذاكرة تقتلع من مكانها. وحين تتراجع أصوات المدافع للحظات، لا تنتهي الحرب في حياة النساء، تبدأ مرحلة أخرى أكثر صمتًا، يكون فيها عليها أن تبحث عن الماء والطعام والدواء، وأن تحمل أطفالها وما بقي من بيتها وتمضي إلى مكان لا تعرفه. هكذا تحولت المرأة السودانية، عبر عقود من النزاعات، إلى الناجية التي يطلب منها أن تنجو نيابة عن الجميع، وأن تجمع شتات أسرتها بينما يتساقط المجتمع من حولها. والسؤال الذي لا ينبغي أن يهدأ : كيف يطلب من امرأة لم تختر الحرب أن تدفع أثمانها كلها ؟
وما يحدث للنساء في السودان لا يمكن اختزاله في خانة ضحايا الحرب فقط،بل كانت أيضًا شاهدة على الخراب الذي تركته الحرب خلفها. هي التي رأت البيوت وهي تهدم، والمدارس والمستشفيات وهي تتوقف عن أداء دورها، والمدن وهي تفقد ملامحها، والمجتمعات وهي تتشتت تحت وطأة النزوح. تحمل النساء في ذاكرتهم تفاصيل الحرب اليومية، أصوات الرصاص، طوابير الانتظار، الخوف على الأطفال، ووجع الرحيل. فإن الحرب لا تنتزع منها شخصًا أو مكانًا فقط، إنها تحاول أن تنتزع منها إحساسها بأنها آمنة في هذا البلد. وحين يصل العنف إلى الجسد، أو الإذلال أو أي شكل من أشكال الاعتداء، يصبح السلاح قد عبر آخر حدود الإنسان. الأخطر أن الفوضى قد تجعل الجريمة تبدو وكأنها جزء طبيعي من المشهد، وأن كثرة المآسي قد تضعف قدرتنا على الصدمة. لكن الجريمة لا تصبح أقل بشاعة لأنها تكررت، ولا تتحول إلى تفصيل عسكري لمجرد أنها وقعت وسط معركة، وإهانة امرأة لا تصبح أقل قسوة لأن البلاد غارقة في الدم. لا توجد راية سياسية تبرر انتهاك، ولا قضية عسكرية تمنح أحدًا حق تحويل امرأة إلى مساحة مباحة للانتقام أو الإذلال. ولهذا فإن شهادات النساء ليست مجرد حكايات شخصية، بل ذاكرة حية لمرحلة ستظل محفورة في تاريخ السودان.
لكن ثمة جانبًا من حكاية المرأة لا يظهر كثيرًا في صور المخيمات ولا في عناوين الأخبار : المرأة التي تنجو ثم تواصل الحياة. تلك التي تصل إلى مكان النزوح ولا تملك إلا ما حملته يداها، فتبدأ من الصفر دون أن يكون لديها ترف الانهيار. تستيقظ لتبحث عن وجبة لأطفالها، وتقف في طوابير الماء، وتبحث عن دواء، وتحاول أن تمنح أبناءها شيئًا يشبه الطفولة في عالم سرقت الحرب منه الحضانة والمدارس والبيوت والطرق الآمنة. قد تفقد منزلها، لكنها تحاول أن تصنع من خيمة بيتًا، وقد تفقد مصدر رزقها، لكنها تبحث عن أي وسيلة لإطعام أسرتها، وقد يثقلها الخوف، لكنها تخفي جزءًا منه حتى لا يرثه أطفالها. هذه ليست صورة رومانسية للمعاناة، ولا دعوة إلى تمجيد الألم، فالمرأة لا يجب أن تمدح لأنها تحملت ما لا ينبغي لإنسان أن يتحمله. إنها ببساطة حقيقة تقول إن وراء أرقام النازحين أسماء ووجوه وأمهات وبنات وأرواح ترفض أن تختفي. وربما كان أكثر ما تخشاه الحرب ليس موت الجسد وحده، بل أن تنجح في إقناع الناجين بأن الحياة لم تعد ممكنة. ولهذا، فإن كل امرأة تواصل تربية طفل، أو تحافظ على أسرتها، أو تبحث عن علاج، أو تعيد فتح باب رزق صغير، إنما تنتزع من الحرب جزءًا من انتصارها لأنها تقول، بصمت، إن الخراب لم يمتلك الكلمة الأخيرة .
آن الأوان إذن لأن تتغير الطريقة التي نتعامل بها مع المرأة في السودان. لا نريد أن تظهر في الأخبار فقط عندما تنتهك، أو تفقد أحد أبنائها، ثم تختفي عندما ينتهي الخبر. لا نريد أن تتحول معاناتها إلى أرقام تتكرر في التقارير حتى تفقد قدرتها على إيلام الضمير. ما تحتاجه النساء ليس الشفقة بل العدالة، وليس أن ينظر إليهن بوصفهن كائنات عاجزة تنتظر الإنقاذ، بل بوصفهن صاحبات حق في الأمان والحياة والكرامة والمحاسبة. يجب أن تسمى الجرائم بأسمائها، وأن يلاحق مرتكبوها، وأن يسمع صوت الناجيات دون أن يطلب منهن إثبات إنسانيتهن مرة أخرى. فالإفلات من العقاب لا يطوي صفحة الجريمة، إنه يتركها مفتوحة لتعاد على امرأة أخرى، في مدينة أخرى، وفي حرب أخرى. والمرأة ليست هامشًا في قصة السودان، ولا رقمًا إضافيًا في قوائم النزوح، ولا جسدًا يستباح عندما يسقط القانون، إنها واحدة من أهم الشهود على ما فعلته الحرب بهذأ الوطن، وربما واحدة من أكثر من يملكون القدرة على إعادة بنائه. فإذا كان السودان قد فقد كثيرًا من البيوت بسبب الحرب، فإن النساء هن من حملن ما تبقى من معنى البيت، ومشين به من مكان إلى آخر. ولهذا، فإن إنصاف المرأة في السودان ليس فصلًا أخلاقيًا زائدًا في قضية الحرب، بل هو جزء من العدالة التي لن يكتمل السلام من دونها.
abohmohammed123@gmail.com
🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
