المسؤولية التراكمية .. بقلم: هاشم علي حامد

 

Hashimh640@gmail.com

نهضة الدول عبارة عن إعتماد تراكمات تشترك فيها كل العهود السياسية، وان ظفر عهد باحداث تحول “ما” فليس معنى غمط عهود سبقته زمنا وإن طابت ثمرة غرسها لاحقا.
الانقاذ رغم إختلافنا معها على أساسيات في الحرية، وتمكين القانون ومحاربة الفساد، فهي ضمن أوجه اخرى يمكن الانطلاق عبرها في وضع لبنة بناء سياسي يُمكننا من إختزال سنوات عديدة ظللنا فيها نعاني عدم إستقرار ،وتقلبات سياسية ومعاناة أورثناها المواطن السوداني سنينا عددا ،هذا فضلا عن خروجنا من مدنية نظامية لدول العالم التي حسمت خيارات أنظمتها وإنطلقت لهموم اخرى في النهوض بشعوبها.
عبر نهج مشارك فان أقل ما يُوصف من بذل هو تعديل ما إعوج من بناء سياسي ظل ردحا من زمان ( محسوب على عمرنا) رضينا أو ابينا ،فلا أقل من بذل نصح ،ومشاركة ليست بالضرورة ان تكون عبر حزب “المؤتمر الوطني” الذي غزاه منتفعون وسماسرة ومنافقون لا يضعون الا مصالحهم الضيقة.
فضمن فلسفة المشاركة بهدف التغيير من الممكن تقديم اصلاح “ما” داخل المسيرة وإسهام بغرس يكون ضمنا لواقع نبنيه ويبنيه معنا الآخرون .
نهضة اوربا
أوربا في نهضتها الحديثة مرت بعهود أسهمت فيها الكنيسة رغم الظروف التي مرت بها واجبرتها اخيرا على الانزواء بعيدا.
حيث يرجع التاريخ نشأة الدولة القومية (المعاصرة) الى عام 1648م عندما وقعت معاهدة وستفاليا (reaty of Westphalia) بين القوى الأوربية المتصارعة التي أنهت النظام الإمبراطوري المسيحي،وأقرت مبدأ المساواة بين الكيانات الشعوبية “الدول”، ورغم ان وستفاليا أدت إلى إنهاء سلطان البابا والقوى الدينية المحيطة به، هذا لا ينفي ما أسهمت به الدولة الدينية “سلطان البابا” من وحدة شعور قومي وتعاون مهد الطريق لظهور الدولة المدنية الأوربية التي قويت بعد ذلك واستطاعت عبر تمكنها إحتلال حتى دول أخرى فيما عرف بعهود الاستعمار الغربي.
كثير من الدول استفادت من تراكمات عهود تبادلتها لم ترمي بميراثها في البحر بل ،إعتمدت ما هو إيجابي لتبني عليه،وهناك الى جانب العطاء المباشر موروثات غير مباشرة تستفيدها الدول سواء في الاخلاق او النظم.
لعل ما تُورثه الانظمة الملكية من عادات لشعوبها بدء بتقديس الملك (ورفع ابويه على العرش وخروا له سجدا)(يوسف الاية 100) ،وتسلسلا باحترام وتقدير الجهات الحاكمة بما فيها حتى شيخ العشيرة، تعتبر لبنة حضارة في اي بناء مدني مما يُظهر قوى الدولة ويعمل على تمكينها من درب المدنية والانطلاق، والامثلة في ذلك كثيرة أوضح ما فيها استقرار الانظمة الملكية ،وأنجح ما فيها النظام الملكي البريطاني الذي لا يزال للعائلة المالكة فيه موروث ولاء وشعور قومي موحد تجاهها وهي بعيدة كل البعد عن ادارة الدولة.
موروث النظام الحزبي
السودان رغم ضعف تجربة احزابه الا ان ما تركته هذه الاحزاب من أثر على الحياة السودانية يُعتبر واضحا سواء في بذل الولاء للسيد والاحتفاظ له باحترام وطاعة وهو ما سارت عليه الحياة السودانية ردحا. أعتقد ان الانقاذ وما سبقها من انظمة عسكرية نظام الرئيس عبود والرئيس جعفر نميري..لم تضف لقاموس الواقع الحضاري شيئا ملموسا، مقارنة مع النظام الحزبي الذي ورّث الولاء للسيد، هذا الولاء الذي يصفه البعض بالطائفي (أذدراء) الا انه ولاء كدلالة للطاعة والتقدير. طاعة الكبير للصغير بكل ما تعنيه صفة الكبير اجتماعيا وهي صفة هامة لنشأة اي حضارة.
أما نظام الانقاذ فرغم احتفاظه الاستثنائي بالسلطة لفترة طويلة “لم تتحقق لاي من الأنظمة السابقة” سواء حزبية أو عسكرية لم يضف شيئا يذكر في الناتج الحضاري، حيث لديه الآن فرصة حقيقية في حمل الافراد على الامانة ، امانة الوظيفة ، أمانة الحق العام ،والمال العام اذا تسنى له مواجهة حاسمة لقضية “الفساد” الذي استشرى على عهده، وتسنى له ايضا إحكام دولة القانون التي لا تزال بعيدة عن الواقع السوداني.
الولاء للسيد، احترام الكبير، الخوف من المحاسبة ،رهبة القانون.. كلها قيم حضارية في مسار الدول، ويبقى هنا خلق التوازن فيما هو ذا فائدة وغير ذا فائدة ككسب يُعتمد وفق التراكمات التي أشرنا اليها ضمن بناء الدولة وتعاقب رموزها وانطلاقها للامام.

المشاركة التراكمية
الشيخ حسن عبد الله الترابي رحمة الله عبر وعيّه السياسي الذي أوجد الانقاذ، ووعيه الوطني الذي حمله على مفارقتها (بغض النظر عن حيثيات نجاح او فشل التجربة)، في ايامه الاخيرة إنخرط كليا في العمل السياسي ضمن نظام الرئيس البشير نظام الانقاذ القائم، باذلا مجتهدا لم يختار أو يستمر في الرفض المحارب للنظام، رغم السجن والغبن الذي أصابه ممن مكنهم هو اصلا في السلطة. بل تحول الى تكتيك أخر في العمل من داخل نظام الانقاذ. معروف ان العمل بالداخل أشق وأصعب ضمن محاولة إصلاح لنظام إنحرف في واقعه ،واستمرأ سلطته وغزاه منتفعون ،ومنافقون واصحاب غرض. فالعمل لإجتثات نظام فاسد ربما أسهل من التصدي لإصلاح فساد إرتبط بمصالح أفراد في وظائف ،ووسائل وطرق ،وكنتينات ،ومراكز قوة رافضة لاي تغييرمما يحتاج هذا العمل الى جهد خارق.
لكن ذلك الضوء الخافت في نهاية النفق هو الداعي للعقلاء إتباع بصيصه لاجل وطن تهون في سبيله التضحيات مهما كبرت وتطلبت بذلا متنوعا.
الشيخ حسن الترابي يذكره التاريخ الى جانب عطاءه الفكري في “حكمة البذل السياسي” التي لم تقل فيها حمايته للإسلاميين من الاقتتال فيما بينهم – عن مشاركتة الحقيقية التي ود من خلالها مواصلة البناء في نظام ادرك قيمة إختراقه والعمل قريب من صفه وهو ما يواصله حزب المؤتمر الشعبي الأن.
مشاركة العمل طالما كانت تلك المشاركة متاحة يصبح هو الحكمة المطلوبة للصالح العام الذي ينبغي ان يُرجح. ولعل ماهو مطلوب من مُشارك كان بالامس محاربا للنظام يتضاعف مسؤلية تفوق مسؤلية النظام الذي إستكان على درب لا يحقق الا مد بصره المحدود في الاحتفاظ بسلطة-وهي لاتمثل غاية ل”وطني” يسعى لاجل تغيير ولو في ظل قيادة غير مقنعة.
امريكا يسير نظامها منذا عشرات العقود ولا يُمثل الرئيس حجة في مسار تطورها ،بل لايُمثل اي من احزابها جمهوريا كان او ديمقراطيا أداة مطلقة في طموح الديناميكية السياسية الفاعلة التي تُحدث التغيير المستمر في الحياة الامريكية بل على النطاق العالمي.
الرئيس البشيروهو الذي عايش ظروفا شتى من تحديات نجح في أهمها وهو تحقيق عنصر السلام الحالي رغم المؤامرات، يمكنه ان يتبنى فكرة راشدة في ان يكون راعيا لتغيير جذري في الحياة السياسية في سبيل وطن يسع نصح الناصحين وإن اختلفت مدارسهم الفكرية. وطن يستوعب مشاركة الاخر بكل افكاره وعدته وعتاده عبر تركيبة ديمقراطية وفق قناعات وطنية متفق عليها.
ينبغي ان يكون همّ حزب المؤتمر الوطني للمرحلة القادمة ليس هو الحرص على ترشح الرئيس البشير لولاية جديدة وهو الذي حكم ما يزيد على الثلاثين عاما كأطول فترة لرئيس سوداني بل افريقي ،بقدر ما يكون الحرص على تأسيس بناء الدولة الديمقراطية الراسخة، ولو تغيرت في رموزها وكسبت الاستفادة من تراكماتها.
وهنا يطرأ تساول..اذا قوي الاخر للمشاركة التراكمية هل يقوى الوطني لتحمل المسئولية..؟! هناك بعد آخر وخطر مترتب في حالة التعطيل في الوصول الى صيغة “وطن حسم خياره السياسي الجامع لابناءه” ،حيث لا يظل التحدي داخليا فحسب ضمن عالم متغير.
هذا البعد هو التحدي الاقليمي الذي تمثله الدول من حولنا. اي تأخير أو تعطيل في إنطلاقة الدولة يقابلها على المستوى الاقليمي اتساع بون المفارقة بينها وبين دول الاقليم المجاورة لها والمستقرة نسبيا ،كما يؤدي الى عدم المساعدة في خلق اي نوع من التعاون الندي مع أي من هذه الدول المجاورة، او حتى التأذر الذي يكون منقوصا علي حساب سيادة الضعيف طالما كان نظيره مستقرا منطلقا الى الامام.
هذا في اقل تقدير حينما لا يًمكننا واقعنا من خلق تعاون ندي مع الاخرين .وفي مراحل أخرى يمكن للجوار المستقر سياسيا المنطلق حضاريا أن يُصدر لنا مشاكله التي يود التخلص منها ،فضلا عن أطماع هي الاخرى تنشأ حتما حينما تضعف دولة داخليا وينعكس ذلك إقليميا في فشلها حماية حدودها التي تصبح مصدر طمع للجوار الاقليمي. هناك نماذج وامثلة ليست بعيد منها اليمن وما تعانيه من ازمة مركبة..وقريبة منها الصومال في دولتيها المنقوصتين سيادة وارضا.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً