المستطيل الأخضر ودهاليز السياسة: هيثم مصطفى و”ألف باء” العمل العام

بقلم: عاطف عبدالله

أثارت التصريحات الأخيرة التي أطلقها الكابتن هيثم مصطفى، أسطورة كرة القدم السودانية، موجة عارمة من الجدل عقب انتقاده الحاد لمشاركة بعض الشخصيات السياسية في مؤتمر برلين الثالث بشأن السودان (أبريل 2026). ولم يقف “البرنس” عند حدود المعارضة السياسية، بل ذهب بعيداً بوصفه المشاركين بـ “الخونة والعملاء”، مستنكراً عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك”: “حضن الوطن دا قدر شنو وبيسع كم من الخونة؟”، ومعتبراً عودتهم عبر المطارات الرسمية إهانة لدماء الشهداء.

من حق كل سوداني أن يقلق على مصير بلاده، لكن ما خطّه الكابتن هيثم يبرهن على أن البون بين إتقان “صناعة اللعب” وإدراك “صناعة السياسة” شاسع جداً. فالسقوط في فخ التخوين يعكس خلطاً خطيراً بين منطق الملاعب ومنطق الدولة.

السياسة ليست “مباراة قمة”

في كرة القدم، المشهد واضح: خصم محدد، قواعد صارمة، وصافرة حكم تنهي الجدل في الدقيقة التسعين. أما في السياسة، خاصة في بلد يعيش مخاضاً وجودياً كالسودان، فإن “الملعب” أكثر تعقيداً؛ الخصوم قد يصبحون شركاء حوار، والحلول لا تُسجل بالأهداف، بل بالتفاوض والبحث عن نقاط التقاء في المحافل الدولية. إن وصف المشاركين في مؤتمر يبحث أزمات النزوح بـ “العملاء” يعكس ضيقاً في الأفق واستسهالاً للغة التحريض التي أوردت بلادنا موارد الهلاك.

أبجديات “التكتيك” السياسي

على الكابتن هيثم، الذي نحترم تاريخه كقائد فذ داخل الملعب، أن يدرك أن العمل العام له “تكتيك” مختلف تماماً عن كرة القدم:

  1. الاختلاف ليس “تسللاً”: الذهاب للمؤتمرات الدولية عمل سياسي مشروع، حتى وإن اختلفنا مع شخوصه. ففي السياسة، الاختلاف في الرأي هو “تمريرة” نحو الحل، وليس خروجاً عن الملعب الوطني.
  2. التخصص فضيلة: كما لا يقبل “البرنس” أن يملي عليه سياسي تشكيلة الفريق أو طريقة تنفيذ ركلة حرة، لا ينبغي له اقتحام تعقيدات الدبلوماسية بلغة “المدرجات” المشحونة. اللغة التي تُلهب حماس الجماهير قد لا تصلح لبناء وطن.
  3. احترام المؤسسات: الدولة لا تُدار بالعواطف المنفعلة أو بردود الأفعال، بل بأطر تمثيلية تضمن حضور السودان في كل محفل لانتزاع حقوق الشعب.

الوطن يسع الجميع.. لا “المصفقين” فقط

تساءل هيثم باستنكار عن سعة حضن الوطن، والرد المنطقي هو أن الوطن يسع الجميع؛ يسع من يُحاور ومن يُعارض. فالعمل السياسي يتسع لأسماء مثل “أردول” و”الجاكومي” وغيرهم من الفاعلين، ومع كامل الاحترام لرأي الكثيرين، ونحن منهم، بأن هؤلاء سوف يُحاسبون يوماً ما على ما اقترفوه سياسياً واقتصادياً في حق الوطن، إلا أن مشاركتهم في “مؤتمر برلين” لا يمكن تصنيفها ضمن تلك الجرائم أو الخطايا الوطنية.

إن إنهاء معاناة السودانيين يتطلب الجلوس مع الخصوم قبل الحلفاء، أما لغة الإقصاء التي يلوح بها الكابتن، فهي التي تُضيق واسعاً، وتجعل “مساحة الملعب” أصغر من أن تستوعب أحلام السودانيين وتطلعاتهم نحو دولة تسع الجميع ولا تُقصي أحداً لمجرد الاختلاف في تقدير المواقف.

ختاماً..

يا كابتن هيثم، إن المجد الذي صنعته في الملاعب لم يكن يوماً جهداً فردياً، بل قام على جماعية الأداء، وتكامل الأدوار، والقدرة على قراءة الملعب بوعي ومرونة. واليوم، نهمس في أذنك: إن السياسة، ككرة القدم، لا تُبنى بـ “اللعنات” الفردية أو الانفعالات اللحظية، بل هي فن الممكن الذي يحتاج لنفس الانضباط التكتيكي والثبات الانفعالي، كما يقول المخضرم الرشيد بدوي عبيد.

نصيحتنا لك: كما أبدعت في تمرير الكرة وصناعة الأهداف، حاول “تمرير الآراء” دون تخوين؛ فالوطن في مخاضه الحالي أحوج ما يكون إلى عقول تفكر وتبني، لا إلى سيوف تُشهر في وجوه المختلفين لمجرد أنهم يلعبون في “مراكز” لا تروق لنا. إننا بحاجة إلى خطاب يقرّب ولا يُباعد، خطاب يحتكم إلى العقل قبل الاندفاع، فبناء الأوطان يتطلب روح الفريق التي تضع مصلحة “الكيان الكبير” فوق كل اعتبار.

atifgassim@gmail.com

عن عاطف عبدالله

عاطف عبدالله

شاهد أيضاً

تفكيك التمكين.. استرداد الدولة من مخالب “اقتصاد الحرب”

بقلم: عاطف عبدالله تعود لجنة “تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو” لتستأنف نشاطها في لحظة …