المصادقة على ميثاق روما “المحكمة الجنائية الدولية” .. بقلم: د. مصعب عوض الكريم علي ادريس

musabawed@hotmail.com
أجاز مجلس الوزراء الانتقالي مشروع قانون المصادقة على ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تمهيداً لإجازته النهائية في الاجتماع المشترك بين مجلسي (السيادة والوزراء) باعتباره السلطة التشريعية الانتقالية المؤقتة في غياب المجلس التشريعي. وكان السودان سبق له التوقيع على ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية في العام 2000م، والمصادقة تأتي في مرحلة لاحقة للتوقيع، علما بان المصادقة تعني إقرار الدولة والرضاء بالالتزام بميثاق روما الأساسي، وبالمصادقة يصبح السودان دولة طرف في الاتفاقية ومُلزم بجميع الالتزامات الواردة فيها وفقاً للمادة (1/ز) من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات لسنة 1969م.
المحكمة الجنائية الدولية تمارس اختصاصاتها بشأن الجرائم المنصوص عليها في المادة (5) من ميثاق روما الاساسي (جريمة الإبادة الجماعية -الجرائم ضد الإنسانية -جرائم الحرب -جريمة العدوان) في حالة ما إذا كانت الدولة طرف في الاتفاقية واحالت حالة معينة للمدعي العام للمحكمة الجنائية، أو إذا أحال مجلس الامن الدولي الحالة الى المدعي العام للمحكمة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة “حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان” أو إذا كان المدعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم. لذلك فان مصادقة السودان على ميثاق روما رسمياً لا تأثير لها على موضوع إحالة قادة ورموز الإنقاذ للمحكمة الجنائية الدولية بشأن قضية دارفور، لأن إحالة المتهمين في السابق كانت بموجب سلطات مجلس الأمن الدولي.
اختصاص المحكمة الجنائية الدولية اختصاص “تكاملي” بين القضاء الجنائي الوطني والقضاء الجنائي الدولي، فاذا عجز النظام القضائي الوطني عن التصدي للجرائم الدولية فان القضاء الدولي يكون له الاختصاص ذلك لضمان عدم افلات المجرمين من العقاب. والاختصاص التكاملي للمحكمة ورد في ديباجة نظام روما الأساسي: “المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بموجب احكام هذا النظام الأساسي ستكون مكملة للولاية القضائية الجنائية الوطنية” وتم تأكيد ذلك في المادة الأولى من الميثاق: ” … وتكون المحكمة مكملة للولايات الفضائية الجنائية الوطنية …” فالأصل يجب على الدول الأطراف في اتفاق روما أن تبادر بالتحقيق في الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة بنفسها ووفقا لتشريعاتها الداخلية، أما اذا عجزت الدولة أو لم تقوم بالتحقيق والمحاكمة فان الاختصاص يؤول الى المحكمة الجنائية الدولية.
من المبررات والأسباب التي أدت إلى إقرار مبدأ التكامل في ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ضمان احترام سيادة الدول، وضمان عدم محاكمة الشخص عن الفعل الواحد مرتين. احترام سيادة الدول من المبادئ المستقرة في القانون الدولي حيث نصَّت المادة (2/1) من ميثاق الأمم المتحدة على أن: (تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها). كما أن ضمان عدم محاكمة الشخص عن الفعل الواحد مرتين يرتبط بمفهوم المحاكمة العادلة وحقوق الانسان. فلا يجوز أن يتم محاكمة الشخص على الجرائم المنصوص عليها في نظام روما داخلياً بموجب القانون الوطني ومن ثم تتم محاكمته عن نفس الجرائم في المحكمة الجنائية الدولية. ‏
السودان أضاف الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية (جريمة الإبادة الجماعية -الجرائم ضد الإنسانية -جرائم الحرب -جريمة العدوان) في القانون الجنائي لسنة 1991م لسنة 2009م. بالتالي فان الاختصاص ينعقد للقضاء الجنائي الوطني مباشرة، ويمكن محاكمة مرتكبي الجرائم المذكورة داخلياً، إلاَّ إذا كانت الدولة غير راغبة وغير قادرة على التحقيق في هذه الجرائم ومقاضاة مرتكبيها. علماً بأنه في حالة جرائم دارفور فإن المحكمة الجنائية الدولية هي الجهة التي ينعقد لها الاختصاص دون النظر إلى (مبدأ التكامل) لأن الإحالة للمحكمة الجنائية الدولية تمت بموجب قرار مجلس الأمن رقم (1593) بتاريخ 31/03/2005م باعتبار أن الحالة تشكل تهديد للأمن والسلم الدوليين. والمحكمة تمارس الاختصاص بغض النظر عن قبول الدولة أو عدم قبولها سواء كانت الدولة طرف في اتفاق روما أو غير طرف، لأن ميثاق الأمم المتحدة يسمو على نظام روما الأساسي وفقاً للمادة (113): (إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها اعضاء الأمم المتحدة وفقاً لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي اخر يرتبطون به، فالعبرة بالالتزامات المترتبة على هذا الميثاق).
بغض النظر عن مبدأ التكامل، فان مصادقة السودان على ميثاق روما الأساسي يعتبر خطوة كبيرة في مجال العدالة الجنائية، ويساهم في وضع حد للإفلات من العقاب في الجرائم الأشد خطورة التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ويوضح ايضاً التزام الدولة بميثاق الأمم المتحدة والحافظ على الأمن السلم الدوليين. لذلك يجب على الدولة بعد المصادقة على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان، ان تسعى لموائمة القوانين الداخلية مع هذه المعاهدات الدولية التي صادقت عليها، وإدخال هذه الاتفاقيات في القانون الوطني.

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً