لم يسمع كثيرون به قبل انفجار كارثة ابريل ٢٠٢٣، لا يعرفون في أي جامعة تلقى تعليمه؟ هنا لا اقصد أن الحصول على الشهادات الأكاديمية عندي معيار لتقييم البشر، فليس بالضرورة أن يكون الحصول على شهادات علمية هو من شروط ممارسة العمل العام؛ بل أشير إلى أن غالبية الذين يبرزون في الفضاء العام تتوفر سيرهم الذاتية وتجاربهم الحياتية.
لقد طفى اسم الفتى المصباح أبوزيد طلحة، على السطح مع فيضانات حمامات دماء الحرب اللعينة، بل أنَّ وجه الشاب الوسيم أصبح ( ايقونةً) لمن دعموا خطط الحريق الكبير، فهو قائدهم العسكري ( ولو ظاهرياً)، وصارت تلاحقه عدسات الكاميرات، ويلاحقها في ذات الوقت، فكلما تحدث الناس عن تقدمِ للجيش، والمليشيا المساعدة له، نجد المصباح في المكان والزمان الصحيحين فتكون احساس وجود جهاتٍ ما؛ تعد خارطة طريق تحركاته، وترسم خيط سيره، وتمهد له المسارح الملائمة للظهور.
لا يعرف كثيرون مقدراته الفكرية، فليس له مساهمات معروفة، لا في الفقه الديني، او الفكر السياسي، وللأمانة لم يزعم هو ذلك، بل هو ابن هذا الزمان، زمان الجدب الثقافي، والعقم الفكري، والضعف المعرفي.
صار الشاب دائم الحضور، يرتدي بدلةً عسكرية، وفوق كتفه يضع ( كوفيه فلسطيني)، او يلبس جلباباً ابيضاً بلا عمامة، أو طاقية فوق رأسه؛ مثلما يظهر القادة أمام الجماهير.
ثم فجأةً، ومع خفوت قعقعة السلاح في قلب مركز الدولة المتهالكة، يسعى الشاب، أو ربما يسعى الذين يقفون من ورائه لتبديل الصورة القديمة، ورسم صورةٍ ذهنية جديدة.
فبدأ المصباح يتحدث في الشئون السياسية مباشرةً، فيوجه انتقاداً لجيل آبائه من الاسلاميين، ويدعو أبناء جيله للتحرر من الأحمال الثقيلة لنظام الحركة الإسلامية، بل يطالب بمحاكمة من شرعنوا لقوات الدعم السريع، وقال على حساب منسوب له على فيسبوك (( البرلمان الذي اجاز قانون الدعم السريع يجب أن يخضع للمساءلة وأن تتم محاسبة كل من شارك في اصداره لما ترتب على ذلك القانون من تداعيات خطيرة ووضع راهن لا نحسد عليه)).
ثم لا يتردد الشاب وفق ( الحساب المنسوب له) من نفض يده من أفعال آبائه، و من افعال سلفه، باعتبار أن جيله لم يشارك في صناعة تلك الأخطاء، ولا ينبغي له دفع ثمنها، ثم يقر بأن ديسمبر ( ثورة مكتملة الأركان والأسباب والدواعي والظروف). مبرراً مواقفه من الثورة ( لأنها سرقت)، ومن الحرية والتغيير بسبب ( التدليس وتزييف الحقائق) .
يقول ذلك عن ديسمبر ( الثورة) التي سنَّ لها آبائه وأخوانه السكاكين الصدئة لنحرها، ولكسر عظامها، وما فتئوا يترصدونها منذ أن كانت طفلةً في ميدان القيادة العامة، حيث ارتكبوا ضد شبابها مجزرةً دمويةً شارك فيها جميع قادة المكون العسكري وكتائب الفلول مشاركةً او تحريضاً أو تواطؤاً!.
ثم يعود ذات الشاب ( الأيقونة) لمن ارتكبوا؛ مثل بقر البطون، وجذ الرقاب، وذبح البني آدميين، يطلُّ في ثوبِ حملِ وديع، يطالب بحل المليشيات بما فيها كتيبة البراء بن مالك، ويدعو لتكوين جيش مهني وقومي، يمتلك السلاح وحده.
من يعيد انتاج قائد قوات البراء؟ وما هي دلالات الصورة الحديثة المرفقة هنا؟.
أهو اعداد لمرحلة قادمة من أجل هندسة المشهد السياسي؟ أم أن ما يحدث باسم الفتى؛ لا يعدو أن يكون مجرد عبث على حساب المصباح على الفيسبوك؟ أم يا ترى هي مراجعات حقيقية لشابٍ أعمته عتمة التدليس وجرفته وقوة ماكيناته نحو هاوية وعرة ودامية؟
