المعارضة بين التهديد بالانتخابات والترغيب في الحوار الوطني .. بقلم: إمام محمد إمام

يُدهش السودان العالم في كثيرٍ من الأمور، إذ درجت الأحزاب في العالم على أن المعارضة منها هي الأكثر تشوقاً إلى إجراء الانتخابات، لتزيح الحزب الحاكم عن السلطة والسلطان، وقلَّما يُبادر الحزبُ الحاكم بالتهديد بالانتخابات، إلا أنه إذا استشعر ضعفَ أحزاب المعارضة، سارع إلى تقديمِ موعدِ الانتخابات. ومن خلال إقامتي في بريطانيا قرابة الثلاثة عقود، لاحظتُ أن الحزبين – المحافظون والعمال – أقدما على ما أشرتُ إليه آنفاً. ففي عهد الراحلة مارغريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية، ورئيسة حزب المحافظين، حدث عندما شعرت بقوة حزبها، عجلت بإجراء الانتخابات قبل أكثر من عام، في ثمانينات القرن الماضي، وكذلك فعل توني بلير رئيس الوزراء البريطاني ورئيس حزب العمال في مطلع الألفية الثانية الفعل ذاته، بأن قدّم موعد إجراء الانتخابات قرابة العام. ولكن في الظروف التي يعيشها السودان، كُنّا نحسبُ أن تكون هنالك مُضاغطة من أحزاب المعارضة، للإسراع بإجراء الانتخابات العامة، إلا أنّ المفاجأة أن المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم)، هو الذي يلوح مهدداً تلكم الأحزاب المعارضة بإجراء الانتخابات في موعدها، في إطار تعديلات طفيفة يعلم علم اليقين أنّها تحفظ له الأغلبية المطلقة، متى ما أُجريت هذه الانتخابات العامة خلال العام المُقبل، حسبما هو منصوص عليه في الدستور.
وأحسبُ أن المؤتمر الوطني يُلوح متوعداً المعارضة بإجراء الانتخابات العامة في موعدها، وفي الوقت ذاته، يدعوها إلى حوارِ وطنيٍّ، يفترض أن يكون موعد الانتخابات العامة من مُخرجاته ومآلاته المُهمة، إذا ما انعقد، في إطار الدعوة الرئاسية التي وجهها الأخ الرئيس عمر البشير لكافة الأحزاب والقوى السياسية – حكومةً ومعارضةً – يوم الاثنين 27 يناير 2014، إلى الحوار الوطني الجامع الذي لا يقصي أحداً، ولا يستثني فرداً، باعتباره مخرجاً وطنياً لمعالجة الوضع السياسي والاقتصادي الراهن المأزوم.
وفي رأيي الخاص، أنّ إطلاق سراح السيد الصادق الصديق المهدي رئيس حزب الأمة القومي، بعد 29 يوماً من الاعتقال، شكل مُضاغطةً جديدةً على المؤتمر الوطني، وزخماً إضافياً للحوار الوطني، لا شكّ أن إطلاق سراحه، أوقد شمعة في النفق المظلم للحوار الوطني، وأثار تفاؤلاً لدى الكثيرين، بمن فيهم بعضُ عقلاء المؤتمر الوطني، من أن الحوار الوطني هو الخلاص الوطني لأزمات السودان المتعددة. ولا ينكر أحد أن الـ29 يوماً التي قضاها السيد الصادق المهدي في المعتقل، كانت خصماً على تسريع خُطى الحوار الوطني، وفي الوقت ذاته، منحت رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار، تعاطفاً كبيراً ليس في الدوائر الحزبية فحسب، بل حتى على مستوى الجماهير الغفيرة، التي ترى في الحوار الوطني مخرجها الحقيقي من أزماتها اليومية، ومُضاغطاتها المعيشية.
أخلصُ إلى أن الكثيرين الذين حضروا صلاة الجمعة مع السيد الصادق المهدي، وكنت من بينهم، واستمعوا إلى خطبته، أو الذين قرأوها في صحف أمس (السبت)، تنازعتهم مشاعر مضطربة، الأولى أن السيد الصادق المهدي لم يركن إلى المرارات الشخصية التي أصابته من هذا الاعتقال، ولكنه استشرف آفاقَ مستقبلِ الوطن، ليتناسى ابتلاءاته الشخصية، صبراً واصطباراً، وهذا ما أكده لي في زيارتي له بالأمس مع الأخ الرسيل النور أحمد النور، الكاتب الراتب في صحيفة “التغيير”، بغرض تهنئته بسلامة خروجه من المعتقل. أما ما أثار شيئاً من حفيظة مصليي الجمعة معه، أنه تحدث في تلكم الخطبة عن رحلات ماكوكية للإسهام في معالجة قضايا ومشكلات خارجية، فأحسبُ أنهم يُجمعون على أنه من الأولى تركيزه على المشكل الوطني، والعمل مع بقية القوى الداعمة للحوار الوطني في تسريع خطاه لإنفاذ مبتغاه، وإنهم في ذلك يرددون المقولة الشهيرة “الزيت الذي لا يكفي البيت يحرم على الجيران”. فهم في رأيهم أن 29 يوماً حسوماً، كانت خصماً من جهود المؤيدين للحوار الوطني. والمُؤلم أن يصف السيد الصادق المهدي الحوار الوطني بـ”الفجر الكاذب”، والمأمولُ أن يعمل هو وغيره من دعاة الحوار الوطني، من أجل إقناع الرافضين له، ولا سيما الحركات المسلحة، لكي يتحقق صفة “الفجر الصادق” للحوار الوطني.
وأكبرُ الظنِّ عندي، أن المؤتمر الوطني في حَيْرةٍ من أمره، في ما يتعلق بالحوار الوطني، إذ أنه ليس على قلب رجلٍ واحدٍ، ولذلك نلحظ أنه أراد أن يعمل جاهداً لتسريع خُطاه، فلم يجد مناصاً غير التلويح بإجراء تعديلات في قانون الانتخابات، ومن ثم الدَّعوة إلى إجرائها في موعدِها، إذا تعثرت خُطى الحوار الوطني. ومما لا ريب فيه، أن المعارضين في حَيْرةٍ أكبر من أمرهم، فهم بين وعيد الانتخابات التي يعلمون علم اليقين، سيخرجون منها – مهما أُجريت تعديلاتٌ في قانونها – خاليي الوفاض، وهم في ذلك يُنزِّلون عليهم المقولة الشهيرة “اسأل مجرباً ولا تسأل طبيباً”، والمعنى “تذكروا انتخابات أبريل 2010″، عسى ولعلّ يَقْنَع الجميعُ، بأن الوطن في حاجةٍ ماسةٍ إلى تسريع خطى الحوار الوطني اليوم قبل الغد. ومن الضّروري – أيضاً – ألاّ يكابر أيُّ حزب من الأحزاب – حكومةً أو معارضةً – أن الحوار الوطني بمشاركة الحركات المسلحة هو الذي يحقق المرتكز الأول من مرتكزات الخطاب الرئاسي المعروف بـ”الوثبة”، وهو السلام الذي سيتبعه بلا أدنى ريب، الاستقرار الدائم والتنمية المُستدامة، ويتحقق الخير والازدهار للبلاد والعباد، إذا خلُصت النّيات الحزبية، وصدقت الإرادات الوطنية، وأن يفعل الجميعُ ما يقولون، للعمل من أجل الوطن والمواطن.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”.
وقول الإمام أبي عبدالله محمد بن إدريس الشافعي:
ولربَّ  نازلةٍ يضيقُ بها  الفتى     ذرعاً وعندالله  منها  المخرَجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها     فُرِجَت وكنتُ أظنُّها لا تُفرجُ

عن إمام محمد إمام

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً