المعارضة ترفع كرت الانتفاضة لتغيير النظام … تقرير: خالد البلولة ازيرق

 


 

 

الوطني استبعدها

 ست وتسعون ساعة تبقت على الانفصال المرجح، ومازالت الساحة السياسية تمور بالكثير من التقلبات وعدم الاستقرار، الحزب الحاكم بدأ منهمكاً في نفي تحمله لفصل الجنوب ويصد باستماتة هجمات المعارضة المنهالة عليه، بينما بدأت احزاب المعارضه تمارس هوايتها في الركض خلف الاحداث، رافعة هذه المرة راية "الانتفاضة" لتغيير النظام الذي تحمله مسؤولية ما آلت إليه الاوضاع في البلاد، بينما تلف الحيرة والصمت وجوه المواطنين الذين غدوا لايدرون على ماذا يصبحون، مخاوفهم الأمنية التي تحملها لهم تبعات الاستفتاء، أم مواجهة السوق بأسعاره المتصاعدة بشكل جنوني كل يوم!!
الوضع السياسي اضحى قابلا للكثير من التغييرات لمواجهة مستجدات الانفصال المتوقعة بعد التاسع من يناير، وهو ما عكسته دعوة الرئيس البشير الى تكوين حكومة ذات قاعدة عريضة لمواجهة التحديات القادمة، ومن جهتها دعت أحزاب المعارضة الى تكوين حكومة قومية تقيم مؤتمرا دستوريا لترتيب البيت الشمالي بعد الانفصال، وهي الدعوة التي رفضها المؤتمر الوطني وعدها خارج الأطر الدستورية والقانونية، الأمر الذي دفع المعارضة الى التلويح باستخدم كرت الانتفاضة الشعبية للاطاحة بالحكومة مثلما حدث في "اكتوبر 1964م- وابريل 1985م" وهي دعوات قوبلت أيضا بالاستخفاف والاستهجان من المؤتمر الوطني، ووصفها مساعد الرئيس الدكتور نافع "بأن المعارضة تلويح بالحناجر". وبدا المشهد السياسي بين الحكومة واحزاب المعارضة تكسوه الاتهامات المتبادلة حول مآلات مايجري في الاستفتاء، في وقت يتوعد كل طرف الآخر بوضع حد لتطلعاته في الساحة السياسية، المؤتمر الوطني يتمسك في دفوعاته بشرعية الانتخابات الماضية التي افرزت اجهزة الحكم الحالية، بينما تقول احزاب المعارضة ان المؤتمر الوطني سيفقد الشرعية بعد الانفصال، وإن الاطاحة به اضحت شرطاً لاستقرار الاوضاع في البلاد.
المؤتمر الوطني يبدو من خلال ترتيب اوراقه الداخلية لمواجهة تداعيات المرحلة القادمة انه يمضي باتجاه تكوين حكومة ذات قاعدة عريضة بناءً على البرنامج الانتخابي للرئيس البشير للتصدي للمرحلة القادمة، وقال رئيس قطاعه السياسي احمد ابراهيم الطاهر إن كثيرا من احزاب المعارضة ابدت موافقتها على الدخول في الحكومة القادمة، في ذات الوقت تلوح احزاب المعارضة بالانتفاضة الشعبية وتكرار سيناريو "اكتوبر، ابريل" للاطاحة بالنظام باعتباره المتسبب في ما يجري، وتقول ان لا اصلاح غير ذهاب المؤتمر الوطني بسياساته كلياً، فيما قال الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، حسن الترابي، إن سيناريوهات تغيير نظام الحكم مفتوحة، وان المعارضة توحدت للإطاحة بالنظام عبر انتفاضة شعبية، وان التغيير السلمي ليس مستبعدا على غرار حكم عبود الذي سلم السلطة إلى الشعب لأنه كان كبيرا وذا عقل، وكشف عند وصوله الدوحة أول امس، أن حزبه تقدم بمقترح الإطاحة بالحكومة وقبلته القوى المعارضة، ورأى أن الإطاحة بالنظام تقتضي من قادة الاحزاب التضحية وتقديم النموذج، وأضاف "أن الهبة المقبلة ستكون قومية، وان الشعب نجح في اكتوبر وابريل وان الوضع مهيأ للانتفاضة" وقال ان الشعوب قادرة على التغيير مهما كانت الانظمة قوية عسكريا وأمنيا، وكل نظام يمكن ان ينهار تماما اذا اجمع الشعب على إرادة. واستبعد الترابي أن يأتي التغيير عبر"انقلاب" لأن الشعب بات يكره هذه النموذج فضلا عن أن كل الأحزاب كانت على صلة بالانقلابات، لكن النظام ينقلب عليها وتصبح ضحايا.
إذاً احزاب المعارضة اجمعت على خيار الانتفاضة لتغيير النظام بعد ان رفض المؤتمر الوطني مطالبها بحكومة قومية ومؤتمر دستوري، ولكن يبقى السؤال والتحدي، هل تستطيع احزاب المعارضه ان تنفذ "انتفاضة" جديدة كما وعدت الشارع؟، وهل تمتلك هذه الاحزاب ادوات التغيير عبر الانتفاضة التي تحتاج لكثير من العمل التنظيمي والسياسي؟.
وكان زعيم حزب الأمة الصادق المهدي دعا اخيرا إلى ما وصفها بـ"تعبئة عامة" لحل مشكلات السودان، وأمهل الحكومة حتى 26 يناير المقبل لتشكيل حكومة قومية "وإلا انضم لتيار الإطاحة بالحكم او اعتزل العمل السياسي". وانتقد حزب المؤتمر الوطني تحالف قوى المعارضة، معتبرا أن تحركها لاسقاط النظام هذا يأتي في إطار المصالح الحزبية وليس من أجل المصلحة الوطنية للسودان، وقال قطبي المهدي القيادي في الحزب إن مطالب المعارضة "أكبر من وزنها السياسي والشعبي" وأضاف أنها لا ترتكز على أي مسوغ دستوري، واتهم تحالف المعارضة بالسعي فقط للسلطة، قائلا إن الحكومة الحالية منتخبة من الشعب السوداني. ولكن الدكتور حسن الساعوري، استاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، قال لـ"الصحافة" ان احزاب المعارضة لا تمتلك القدرات التنظيمية لتحريك الشارع، إلا عبر حدث كبير تكون الحكومة جزءا منه وهذا لا يستطيعون فعله، ومشيرا الى عدة سيناريوهات ربما تفكر فيها المعارضة للاطاحة بالنظام، ولكنه استبعد ان تكون للمعارضة المقدرة على ذلك، وهي القدرة التنظيمية والطلابية لتحريك الشارع ومن ثم الجيش، وهذه مستبعدة، كما ان الشارع ليس لديه استعداد للتحرك في ظل الظرف الراهن، لذا احتمال انتفاضة شعبية غير متوقع او محتمل فقط بنسبة «10%»، الاحتمال الاخر هو التخريب عبر الاغتيالات وشل الحكومة وتصاحب هذا خطة ثانية للتحرك، ولكن هذا يعتد على الحس الامني للحكومة ومدى استعدادها لافشال كل تحركات التخريب والاغتيالات قبل ان تحدث . واضاف "الحكومة تقول انها مستعدة لذلك لكن لا نعرف الى أي مدى" وقال الساعوري ان السيناريو الاخر هو ان تعمل المعارضة حركة عسكرية باستعمال القوة، ولكنها لا تستطيع ذلك إلا اذا تدخلت معها امريكا، وقال انه من غير مساعدة خارجية استعمال القوة لن يسقط النظام، وقال الساعوري ان المعارضة تنتهج سياسة ازعاج الحكومة على طريقة "جوك جوك ولا قتلوك" وهذا اقصى ما يمكن ان تفعله".
مراقبون يشبهون المشهد السياسي الراهن بأنه يشابه الى حد كبير مشهد الاوضاع في نهاية فترتي "عبود ونميري" ولكنه بالنسبة للمعارضة يختلف في الآليات التي كانت تستخدمها لتغيير الانظمة، فكثير من تلك الآليات القديمة المجربة في التغيير يبدو انها اضحت الان غير ذات جدوى ان وجدت، بل ان الاحزاب المعارضه تفتقد لكثير منها سواء كانت نقابات وطلابا او القدرة التنظيمية لتحريك الشارع العام، فيما يشير آخرون الى ان كثيرا من تلك الآليات موجود، وان تمثل في وسائل اخرى تقوي من فعاليتها كثير من العوامل الداخلية والتفاعلات الخارجية مع الوضع الداخلي، مشيرين الى ان التذمر الشعبي الناتج من غلاء الاسعار والضائقة المعيشية يمكن ان يشكل رصيدا لتحريك الشارع في ظل فقدان الاحزاب المعارضة النقابات والاتحادات الطلابية، بالاضافة الى حالة الاحباط التي تسود الشارع جراء الانفصال ومسؤولية الحكومة عنه، ويبدو ان تلك المعادلة هي ما قادت احزاب المعارضة الى ان تهدد بالعمل على اسقاط الحكومة ما لم تستجب لعدد من المطالب حصرتها في تكوين حكومة قومية وقيام مؤتمر دستوري لتقنين الاوضاع في الشمال، وتحديد شكل دولة الشمال وكيفية حكمها حال اختار الجنوبيون الانفصال في الاستفتاء المرتقب الاحد القادم، واشارت احزاب المعارضة الى ان الحكومة الحالية ستفقد شرعيتها السياسية، وهدد التحالف في بيان له أنه في حال رفض حزب المؤتمر الوطني الحاكم الاستجابة لمطلبه فإنه سينخرط "مباشرة في عمل سياسي هادف لإزالة النظام عبر وسائل النضال السلمية المدنية المجربة" ورأى أن الانفصال "يعني فقدان المؤتمر الوطني شرعيته السياسية باعتباره المسؤول الأول عن الحدث الجلل في البلاد".لكن الدكتور حمد عمر الحاوي، استاذ العلوم السياسية بجامعة جوبا، قال لـ"الصحافة" ان الوضع بعد التاسع من يناير سيكون متازما جداً، وذلك من خلال التنسيق والتعبئة التي تقوم بها احزاب المعارضة لتغيير النظام، واشار الحاوي الى ثلاثه عناصر ربما تدعم وتساعد خط تغيير النظام واجملها في: اولاً: وجود دولة جديدة في الجنوب من مصلحتها تغيير النظام في الخرطوم لإرتباطه بتعقيد كثير من القضايا المشتركة.ثانيا: وجود الحركات المسلحة الدارفورية والارضية التي تنطلق منها، بالاضافة الى انهيار مفاوضات الدوحة وبالتالي لم يكن هناك افق للحل غير الميدان.ثالثاً: موقف المجتمع الدولي من النظام في الخرطوم، بالاضافة الى تردي الوضع الاقتصادي وغلاء الاسعار والضائقة المعيشية المتوقع ان تتفاقم كمترتبات على دولة الشمال جراء الانفصال، بالاضافة الى منحى كثير من المواطنين في تحميل المؤتمر الوطني مسؤولية الانفصال، واضاف الحاوي "لهذه الاسباب مجتمعة سيواجه النظام تحديا جديا يستهدف وجوده، كما تفرض هذه العوامل في ذات الوقت آليات لإزالته تتمثل في تذمر شعبي داخلي نتيجة لغلاء المعيشة ووجود حركات مسلحة، بالاضافة الى المجتمع الدولي". وقال الحاوي، ان محاولة اقتلاع النظام بالخروج في مظاهرات ثمنها باهظ، ولكن المعارضة ستتفاعل مع الآليات القادمة من الخارج والحركات المسلحة".

dolib33@hotmail.com

 

آراء