ghassanworld@gmail.com
يخرج من كيد كل ظاهرة اجتماعية ضلت طريقتها واستعانت بالنخبة حد الشبع؛ تخرج طبقات جديدة تظل متخفية باستمتاع ومعلنة رفضها السلمي لكل أشكال التطبيع من رموز الظاهرة وآلياتها، في ذلك فإن المجتمعات المشحونة بالمنع واللاممكن والعيب وفنونه، تتشقق عنها أجيال جديدة، وأفكار حادة ولكن في صمت، هي هكذا تتناسل من دواخلها قيم غامضة وقوانين شديدة الحساسية إن تعرضت لفئات من عقابها هي، فالمسئولية الاجتماعية عندما تتقلص فيها مساحة التسامح مع المتعصبين تنتج نقيضها المر، وتشذب نفسها برفق شره، ومكرها في تخفيها، فبالفعل تصطك لنفسها مصطلحات مجانية لا عبء فيها ولا وزر. الظواهر الاجتماعية خادعة جداً طالما انها مقوننة ( من قانون) فهي تكتفي برفع الرايات على أبواب الخيام فترتاح الخيول المتعبة دون اية كلفة للنظر في المضيف وبؤسه حاله، وهذا أدعى للقول بأن السلوك مرهون بالقناعة، والإيجابي والسلبي نسبيان بل وزائفان، بفضل من قواعد تتشكل عند فراغ المضمون من رئته المشحونة بالتراب، وفوق فوق تتدلى أقمصة ممزقة لبقايا محاربين آنس الناس المرور تحت عباءتهم والتبرك بما يتساقط من حبيبات القطن التي لامست يوماً ما جسد ما كان أن يكون إلا رمزاً مقدساً لقادمين رغبوا فيما منعوا عنه..
هذا هو حال المغيبين عند النخبة، الذين يمارسون طقوس العيش وفق اشتهاءاتهم وليس للقواعد الأخلاقية من مكان سوى التعزية إن مجوا ما يريدونه، فأشكال التعبير عن الفرح عند بسطاء الناس لا تتكلف بل تتمسك بالخروج عن السائد، وتتمتع بممارسة الرقص تحت سحابات ماطرة حفاة عراة لكنهم في سرور، فقمة ما يبتغيه العقل الصرف فاقد الشمول والسماكة، أن يتصرف وفق اللحظة وما تمليه، وصدقوني يفعلون ذلك رغم عنهم وبابتسامة مجانية، فأنت ان خارطت الخطأ عن غير عمد تشابكت في مطبخك النفسي روائح وبقايا لطعام معروض للكافة وممنوع عنهم، والتداعي السمج لاعادة تبرير أدوار النخبة في القيادة والريادة والسيادة والتوجيه، بات اليوم في عصر المساكنة الذاتية للرغائب ضرب من المستهزأ به إن لم يرم بحجر منحوت على هيئة قرد ضرير.
وآفة ما كسبناه في ظاهرتنا الاجتماعية ادعاءات مربكة للنخبة السودانية التي فضلت التودد إلى الجماهير عبر تسليتها بالأوهام، بت أكثر طمأنينة بأن النخبة تعيش في الظلام وتعتقد في سلامة المسيرة، لقد تفرخ حضور جديد للمجتمع السوداني، ومن مشكلات النخبة أنها ترفض الاستماع إليهم، وهذا الحضور يتميز بصفات عديدة، أولها أنه يعتنق الرفض المطلق لكل فكرة لم تختبر، ويؤمن بصلاح النظر لو اتفق ومظاهر العولمة، تتحكم في الحضور نسب من التركيز على الجسد وما يفرغه من قيم، تتوسل هذه الطبقات الجديدة بالدخول سراً إلى عوالمها الذاتية، فيختلط لديها الممكن بالواجب، والمعقول بالرفض، والبعض قد يضرب بامكانية تربية المجتمع على نسق محدد من قيم وفضائل، لكنها سيفشل لا محالة بسبب من ضعف ادراكه لمخاطبيه، فكيف ستتمكن من التغيير وانت مقتنع بجدوى النظر من أعلى.
في مدينتنا السودانية ارتحلت القرية بكامل عدتها، وافرجت عن براءتها في بيئة حديثة يميزها التنسيق والضبط، ويحكمها صراع الارادات في البناء وإعادة التنميط، اليوم باتت المدينة السودانية أكثر خوف من الافصاح عن نفسها، وأن قامت بذلك فرافدها التحدي والمساخرة، والمشروع الذي يتقدم به النخبة مبتور أن أصر على الهذيان بأن كل شيء في مكانه، والمغيبون قرروا بناء مدنهم الخاصة داخل القرية الكبيرة التي نعيش فيها، باتوا أكثر تواصلاً والانذار المبين الآن هو: كيف نعيد كشاف النخبة إلى مواطن الغياب من جديد.. فتشوا في الداخل أكثر وتحسبوا!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم