المناهج العلمية ودراسة الظواهر الدينية .. بقلم: د.أمانى عبيد عبد الرحمن

 

E.mail: Amaniobeid2020@gmail.com

تنويه

هذه المقالة أخذتها من دراستى للدكتوراه التى قدمتها فى قسم العلوم السياسية-جامعة الخرطوم فى العام 2009 و هى بعنوان “الطبقة الوسطى و التصوف : الطريقة السمانية فى مركز الشيخ البرعى حالة دراسة” و هى باللغة الإنجليزية و قد قمت بترجمة جزء منها كى تناسب الغرض من كتابة المقال.

النص:
يوجد فرق اساسى بين الدراسات الدينية التى تعتمد على دراسة أصول الفقه و الكتاب و السنة و بين دراسات الظواهر الدينية و التى تعتمد على إستخدام المناهج العلمية المتعارف عليها فى علوم الاجتماع و العلوم الساسية. نجد أن الدراسات الدينية التى تعتمد على دراسة أصول الفقه و الكتاب و السنة تقع تحت دائرة علم ال Theology أو علم اللاهوت و هى تضم أيضا ما يعرف بتأصيل المعرفة أى ربط العلوم الانسانية و الطبيعية بالدين.
هذه المقالة ستتطرق إلى المناهج العلمية (منهج علم الإجتماع, العلوم السياسية و علم الاإقتصاد) فى دراسة الظاهرة الدينية و هى المناهج العلمية التى تدرس فى كل جامعات العالم. هذه المناهج تضم المنهج الفيبرى (منهج ماكس فيبر), المنهج الماركسى (منهج كارل ماركس) و المنهج الأستشراقى (إدوارد سعيد) و ألاخيرأكثرهم حداثة.
يعتبر علم الإجتماع علم غنى متجدد و حيوى يستمد حيويته من التجارب التطبيقية و لكن فى مجال دراسة الدين يعتبر علم الإجتماع متخلف نوعا ما حيث يوجد العديد من المجالات التى لم يتم دراستها. و هذا ينطبق على رواد ومؤسسى علم الإجتماع مثل ديركايم (1912 ) , كارل ماركس (1867) و فيبر (1904).
يعتبر منهج علم الإجتماع ضعيفا جدا عندما يتعلق الأمر بدراسة الأسلام. حيث نجد أن دارسى علم الإجتماع ( Sociology ( إما أنهم لا يهتمون بدراسة الإسلام أو لا يوجد لديهم إسهام فى الإسلام فى مجال علم الإجتماع . عندما يهتم الباحثون الغربيون بالإسلام نجد أن إسهامهم غير متسق بل و مضلل أحيانا. تحدث إدوارد سعيد مليا فى كتابه الإستشراق عن النقص النظرى و المفاهيمى الذى يصبغ معظم الدراسات الغربية التى تبحث فى الثقافات اللاغربية عموما و الإسلام و المجتمعات الاسلامية خصوصا. سنتحدث عن هذا الموضوع لاحقا فى هذه المقالة.

ماكس فيبر
نجد أن ماكس فيبر بالتحديد لم يكن إهتمامه محضا بالإسلام و لكنه يرى أن الإسلام يضحد التطور نحو الراسمالية. يقول تيرنر عالم الإجتماع أن الإسلام لم يتم دراسته على الوجه الكافى حيث يقول “مفارنة بالكتابات حول الاديان الأخرى و الحضارات المرتبطة بالكتابات حول الأديان الأخرى و الحضارات المرتبطة بهذه الأديان, يعتبر الإسلام مجال مهمل فى علم الإجتماع (Sociology ( و علم الفينومولوجية (Phenomology) و علم تأريخ الاديان (History of Religion) حيث أنه لايوجد علم ممنهج لدراسة الإسلام و المجتمع الإسلامى. هذا بالرغم من وجود إسهامات متفرقة و نوعا ما حديثة فى دراسة الظواهر الإسلامية و المؤسسات الإسلامية كالطرق الصوفية, دراسة الشعائر الدينية و ظاهرة الإسلام السياسى.
هذا النقص فى العلوم الإنسانية التى تدرس الإسلام يرجع الى أن رياديى علم الإجتماع مثل كارل ماركس و ديركايم لم يولو الاهتمام الكافى بالاسلام كما أن ماكس فيبر توفى قبل إكمال دراسته الكاملة عن الإسلام. هذه الحقيقة بالنسبة لتيرنر تجعل دراسة الظواهر الإسلامية أسبقية فى مجال العلوم الاجتماعية.ذلك لأن الإسلام يرتبط إرتباط و ثيق بالديانات السماوية الأخرى, أيضا لأن الإسلام يعتبر حالة إختبارية لنظرية فيبر حول علاقة الدين بالرأسمالية.
يقول سيد أنور حسين أن كتاب فيبر ” المذهب البروتوستانتى و الراسمالية” أو The Protesant Ethic and Capitalism أوجد علاقة بين الإقتصاد و الدين. هذا حسب فيبر يظهر فى عقيدة الكالفنية Calvinism. ركز فيبر فى دراسته على إستقلال العومل الثقافية و أهمية الدين فى ظهور أو عدم ظهور الراسمالية الحديثة. يعتقد فيبر أن الإسلام لايساعد على وجود و تطور الراسمالية.
النظرية الثقافية Culturalist Thesis التى إعتمدت على كتابات فيبر وتم تطويرها بواسطة صمويل هنتجتون Samuel Hutigton 1993 تورد عدة أسباب لعدم تطور المجتمعات المسلمة إلى الحداثة و الراسمالية و هذه الأسباب هى:
1-التباعد عن التفكير العقلانى و هو مطلب أساسى للحداثة.
2- تغليب المعتقد على العقل .
3- تغليب المجتمع على الفرد.
4- التداخل بين العام و الخاص.
5-التداخل بين الروحانيات و الحداثة.
6-إن الدين الإسلامى يؤدى روح إنهزامية نتيجة للتفكير الدائم فى الخضوع لله.
7-أن الإسلام لايشجع المبادرة الفردية و المقدرة على الإبتكار.
8- وجود الحد الفاصل بين المسلمين و غير المسلمين يجعل هذه المجتمعات الاسلامية لا تتقبل بسهولة الافكار الجديدة.

النقاط الفائتة تلخص المدرسة الثقافية التى إعتمدت على كتابات فيبر و التى أصبحت سائدة فى المراكز اليحثية الغربية التى تتناول السؤال عن لماذا لم تتحول المجتمعات المسلمة الى الحداثة. يظهر هذا فى كتابات شيرين هنتر Shireen Hunter التى تبجث عن الحداثة و الديمقراطية فى العالم الإسلامى أو بمعنى آخر لماذا فشلت المجتمعات المسلمة فى التحول الى الحداثة و الديمقراطية.
فى رأى الباحثة أن هذه النظرية و نسق التفكير هذا هو وراء سياسات الدول الغربية لما يعرف بمشروع الشرق الأوسط الجديد. نقد هذا النسق الفكرى سيقدم فى هذه المقالة عند الحديث عن الاستشراق.
من العرض السابق نخلص الى أن دراسة الإسلام دراسة علمية باستخدام المناهج العلمية فى العلوم الإجتماعية تحتاج الى الكثير من البحوث.
الماركسية
نجد أنه يوجد تقارب بين كارل ماركس و ماكس فيبر فيما يتعلق بدراسة المجتمعات المسلمة الآسيوية, حيث أن كلا المفكرين إنتبهوا الى خصوصية المجتمعات المسلمة فيما يعرف بعلاقة الدين بالإقتصاد. كارل ماركس تحدث أو طور مفهوم نمط الإنتاج الآسيوى أو Asiatic Mode of Production.
تتميز أهمية الماركسية فى دراسة الدين أنها تركز على دراسة العوامل الإجتماعية و الإقتصادية التى تؤثر على المجتمع الذى يدين بديانة معينة. ماكسم رودنسون Maxim Rodinson المفكر الماركسى يقول: “أرفض أن أرى الدين كشىء خارج أو أعلى العوامل الإجتماعية بخصائص لا تتغير بتغير المجتمع الذى يمارس الدين”.
فى دراسة الدين (الإسلام) باستخدام النظرية الماركسية تظهر مشكلة أن الماركسية كانت معنية بدراسة التشكيلات الإقتصادية و علاقات الإنتاج فى المجتمعات الأوروبية. حيث ركزت على تحليل أنماط الإنتاج, الدولة و الصراع الطبقى فى أوروبا. بالنسبة لكارل ماركس يعتبر الدين أداة للصراع الطبقى و أداة فاعلة فى يد الطبقة السائدة. لكن بالرغم من ذلك نجد أن هنالك مؤلفين ظهرا لكارل ماركس هما الايدولوجية الألمانية The German Ideologyو الثامن عشر من برومير للويس بونابارت Eighteenth Brumaire of Louis Bona Barte حيث أقر ماركس بوجود دور للدين. يقول ماركس: “الناس يصنعون تأريخهم و لكن لا يصنعون التأريخ تحت ظروف إختيرت بهم مباشرة ولكن لظروف أعطيت من الماضى”
ماركس و أنجلز يرون فى الرأسمالية قوة تغير تكنس مخلفات القرون الماضية, تدمر الأوهام الدينية, و تكسر العلاقات الإجتماعية للإقطاع. هنا يرى كارل ماركس أن الرأسمالية مرحلة متقدمة تمهد لتحقيق ما بعد الرأسمالية.
النقاش السابق يوضح أن موضوع الماركسية و الدين يحتاج إلى الكثير من البحوث.
الإستشراق
الإستشراق هو المنهج البحثى الذى يدرس الشرق. و يمكن أن يعرُف بأنه دراسة و تدريس و سيادة المجتمعات الشرقية. أهم ما يميز الإستشراق أنه يرتبط بالتعالى الغربى Euro-Centrism . وهو العلم الذى تطور فى المرحلة الإستعمارية فى التأريخ البشرى عندما إستعمرت الدول الغربية الدول الآسيوية العربية و الأفريقية و أيضا أمريكا اللأتينية.
يمكن تلخيص صفات الإستشراق فيما يخص المجتمعات الإسلامية فى الآتى :

1- الإسلام يعتبر نسخة حديثة من الديانات السابقة و خصوصا المسيحية. و هذا يظهر فى كتابات لويس ماسينيون Louis Massignion
2-التركيز على وصف المجتمعات المسلمة و تقديم معلومات مفصٌلة تظهر فى كتابات الإستخبارات الغربية كى يسهل التحكم فى هذه المجتمعات.
3-إستخدام التصنيفات مثل إستخدام التصنيفات القبلية.
4- تبرير الإستعمار. أن الإستعمار شىء ضرورى لتطوير المجتمعات.
5- استخدام المنهج الوظيفى الجامد.
خلاصة المقال:
من العرض السابق نخلص إلى أن دراسة الإسلام دراسة علمية باستخدام مناهج علم الإجتماع تحتاج إلى كثير من البحوث و أن مجال درسات الاسلام مجال خصب و متجدد بإستمرار لما تفرزه الظواهر الاجتماعية و الاقتصادية المرتبطة بالدين ( مثلا ظاهرة داعش و ظواهر الارهاب المرتبط بالدين). هو فى الحقيقة مجال لم يكتشف بعد بواسطة دراسات متانية و متخصصة و تحليلية. هذا لا ينفى إنتباه المؤسسات التعليمية الدولية مؤخرا (منذ الثمانينات و حتى الان) لدراسة الظواهر الدينية. لكن تظل الظاهرة الدينية تحتاج الى المذيد و المذيد من التقصى و الدراسات العميقة.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً