المندسون أو بالأصح ( المندسين ) كما وردت بلسان بعض من ساداتنا وكبرائنا ، هم بلا تدليس فصيل أصيل من فصائل هذه التظاهرات وصاحب حق مثل غيرهم من دعاة الحرية والديمقراطية فالذين خرجوا مغاضبين لم يخرجوا علي النظام من بابٍ واحد ،إنما خرجوا عليه من أبوابٍ متفرقه والذين وصِفوا بأنهم مندسون أخرجتهم الحاجة والعوز والفاقة ، فحطموا المخازن بعد أن حطم النظام فينا كثير من القيم ، وكلنا يعلم أن الطعام لم يكن يوماً ما هماً من همومنا ،وأنّ مجرد الحديث فيه يُعتبر عيباً في أدبنا السوداني ، ولذلك ظل المواطن الجائع طيلة سنوات الضيق التي مضت صابراً محتسباً وأجبره الشديد القوي كما يقولون للتعبير بهذه الصورة التي نأباها ، ورغم الذي سقته من مبررات إلّا أني لا أدعو لذلك إنما أرفضه بشدة ،ومما لا شك فيه أن حماية الممتلكات العامة والخاصة قولاً وآحداً هي مسئولية الدولة ولكنّ الدولة فشلت في ذلك وبدلاً من أن ترمي اللآئمة علي نفسها اتخذت من المندسين شماعةً لهذا الإخفاق ٠
خرج الفقراء لأنهم جوعي ومرضي وبهذا الوصف وبتلك السحنات التي رأيناها هم لسان حال هذا الشعب السوداني كغيرهم من المتظاهرين اصحاب المطالب الأخري ، ولم يخرج المندسون خُفيةً إنّما خرجوا عياناً بياناً ، ولم يتلصصوا كما يتلصص اللصوص ليلاً إنما استولوا نهاراً جهاراً وتحت مرأي ومسمع من السلطة علي مالٍ فيه شبهة الشراكة العامة والشريعة التي يطبقها النظام اليوم لا تري في ذلك حرجاً يوجب القصاص فالمال مال عام والجاني فقير جائع ٠
وللأسف عجزت الدولة عن القيام بمسئوليتها تجاه الممتلكات العامة والخاصة مما أكسب بعض الفقراء جرأةً بعد أن غلت يد النظام وبعد أن عجزت مؤسساته من توفير الحاجات الأساسية للمعاش ، ولذلك خرج البعض من باب الجوع ، ورايتهم بأم عيني وهم يطردون رجالاً للأمن مدججون بالسلاح تحت وابلٍ كثيفٍ من الحجارة والهتاف فأصابني إحباط شديد وبكيتُ علي وطني الذي إنهارت مؤسساته الأمنية والاقتصادية في نفوس المواطنين قبل أن تنهار في واقعهم ، فالذي ولي الدبر ليسوا هم أولئك النفر من السودانيين الذين يرتدون الزي الرسمي ،ولو كنت معهم لفعلت مثل الذي فعلوا ، إنما الذي ولي الدبر هو هيبة هذا النظام فقد رأيتها تجري أمامي !!! فهل يا تُري سيكون للنظام مكاناً في وجدان من رأي الهيبة تجري أمام من ارتضوها حارساً لهم ؟
لا تلوموا الجياع علي هذا التجاوز فالجوع كافر بل لوموا أنفسكم أيها السادة فَقدْ فَقَدَ النظام مصداقيته وهيبته وانهارت الدولة أمام أعينكم ، وإنه لمن المخجل جداً أن يكون حديثكم هذه الأيام وبعد أن خرجت الجماهير عنوةً أنه ليس هنالك اعتراضاً علي التظاهر والتعبير بصورة حضارية لأن الدستور يكفل ذلك ، فيا سبحان الله !! أين كان الدستور الذي يكفل ذلك عندما تقدمت الأحزاب بطلبها لمؤسسات الأمن لإقامة ندوات وجوبهت هذه الطلبات بالرفض المهين !!
قال رسولنا الكريم ( ص ) : ( خاطبوا الناس علي قدر عقولهم )وفي تقديري أن سقف عقول مواطنيكم أعلي من ذلك بكثير فارتفعوا بخطابكم إحتراماً لهم ، كما لا زالت الفرصة سانحة لنتجاوز بوطننا شر المحن ماظهر منها وما بطن ولتكن القوات المسلحة صماماً للأمان وما تجربة المشير سوار الدهب رحمة الله عليه منا ببعيد ٠
واللهم اهدنا سواء السبيل ٠
مبارك الكوده
٢٤ / ١٢ / ٢٠١٨
/////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم