المهنيون والثورة بالنص .. بقلم: د. الصديق عبدالباقي
27 يناير, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
شئنا أم أبينا فإن مواقف الناس من التغيير الثوري يتأثر بالمصالح والحظوظ في الثروة والسلطة المكتسبة قبل التغيير أو المنظورة آناء الفترة الانتقالية و ما بعدها. و المهنيون بحكم موقعهم الفني الخادم لمصالح كل نظام راسخ يعتبرون في الأدب الثوري دعاة اعتدال و هبوط ناعم . و إذا أردت الثورة بالنصف فدع السياقة للمهنيين.
و تختلف مواقف المشاركين في مسيرة الحرية و التغيير السلمية و العبور للمدنية وفقا لمراكزهم . فمن أذاقتهم الإنقاذ لباس الخوف و الجوع و فقدان الأصحاب و العشيرة و المأوى و نقصً الأنفس لم يكن لهم من خيار سوى المعركة المصيرية لإزالة النظام و تفكيكه أو الموت دون ذلك.
وهؤلاء ما زالوا هم المرابطون في الثغور المنادون باستكمال الانتقال للمدنية. فمنهم النازحون وأبناؤهم ممن شبوا في معسكرات اللجوء ومدن الصفيح و الكرتون على أطراف المدن و ملايين العاطلين رغم أنفهم من شباب الحضر و أبناء الطبقة العاملة.
وأما الراسخون من المهنيين و أبناء الطبقة الوسطى فقد كانوا من حيث رغد العيش نسبيًا أفضل حالًا من المرابطين. و بالنسبة لبعضهم فإن الانضمام للحرية و التغيير نزوع فكري نحو سودان يضمن قيم الحرية و العدالة و السلام و يسع الجميع على أساس المواطنة. و قد تولّى المهنيون تنظيم صفوف المعارضين للإنقاذ من المرابطين و غيرهم و إذكاء الحراك الشعبي و الكفاح المدني السلمي الذي أطاح بالنظام.
و ما يمكن أن يحدث بعد سقوط النظام لا يختلف كثيرا عما حدث في فترات انتقالية مماثلة في تاريخنا قاد فيها تجمع المهنيين باسمائه المختلفة الانقلاب الشعبي و الثورة على الحكومات العسكرية في ١٩٦٤و١٩٨٥. فقد صارت الفترات الانتقالية في السودان جنس للحكم قائم بذاته sui generis و ثالث ثلاثة تناوبوا حكم السودان منذ الاستقلال. و ما يميّز الفترات الانتقالية عن رصيفيها الحكمين العسكري و البرلماني أنها كانت على قصر مدتها مخيبة لآمال الحالمين بالتغيير ومثبطة للمد الثوري . وقد اعتبرها البعض موسما لحصاد الحقائب و المناصب و المقاعد و الدوائر و عقود إسناد الخدمات الحكومية و تكالب على مراكز السلطة و الثروة و كل ما من شأنه أن يضمن خلافة النظام البائد لواحد أو أكثر من فئات مهنية أو حزبية وحّدها العداء المشترك للنظام البائد و فرّق بينها بعد سقوطه الاختلاف بشأن قسمة التركة. كما وجدت القوى المعادية للتغيير في الفترات الانتقالية مهلة لالتقاط أنفاسها و تنظيم صفوفها و رد الكرّة و بث اليأس و القنوط من صلاح الحكم المدني و تجيير الانتقال لصالح القوى المعادية للتغيير.
و حتى أولئك المهنيون الذين لم يطمعوا في منصب فما كادت الثورة تضع أوزارها حتى انفضوا من حولها و تركوا المرابطين وحدهم قائمين على الثغور. و انشغل المهنيون كل حسب تخصصه بمكاتبهم وعياداتهم ومواقع مشروعاتهم وبما يدور في سوح المحاكم من معارك قانونية بين رموز النظامين السابق و اللاحق لحصاد أرزاق و أتعاب كانت حتى ضحى غد التغيير حكرا على مهنيي النظام البائد. . و بالطبع هذه أدوار المهنيين و مهامهم و مصادر كسبهم الحلال و يحمد لهم قيامهم بها . و لكن يجب على تنظيم المهنيين و غيره من قوى الحرية و التغيير الا يتخلوا عن قضايا و هموم المرابطين على الرصيف و ألا تكتفي هذه القوى بمجرد الدعوة للتظاهر من حين إلى آخر و كأنما البشير ما يزال متربعًا على كرسي الحكم . و لكن إتحادات المهنيين وتنظيمها الجامع هي في ذاتها أجسام انتقالية تفتقر للعمل السياسي المتفرغ و تتلاشى بمرور الوقت في سديم تقاسيم العمل في مجتمع البرجوازية الصغيرة المهني. و رغم ريادتهم للثورات الشعبية التي أطاحت بثلاثة نظم عسكرية فإن المهنيين لم يفلحوا في صناعة حزب أو الانضمام لحزب سياسي ذي كوادر حزبية متفرغة و ميثاق و استراتيجية تضمن لهم حصة في حكم ديمقراطي مستدام.
هنالك ظروف تحيط بالفترة الانتقالية الراهنة و تميّزها عن سابقاتها و تستوجب التفكير و الفعل خارج الصندوق النمطي الموروث والحيطة والحذر والتسامي فوق المطامع الفئوية و الحزبية الضيقة و أهمّها:
1. إن فلول الإنقاذ ما زالت تتحكم في القطاع المالي ( البنوك شركات التأمين الصرافات و الأصول الرأسمالية) و التعليم الخاص و العلاج الخاص والاتصالات و شبكات الكهرباء والمياه و الخدمات الأمنية والإعلامية وتجارة الصادر و الوارد و المعادن والمواد البترولية وتعتبر الأقدر على بذل الوعود والإغراءات والرشاوى المليارية والإفساد وإعادة انتاج نفسها بوجوه جديدة.
2. أن امتلاك القوة المسلحة لم يعد حكرًا على جيش واحد كان يتولى في السابق حراسة الساحة الانتقالية بينما يتقاتل المدنيون العزّل ًبأمان داخلها. فليحذر الجميع هذه المرة من انهيار السودان على رؤسهم .
٣.إن ملايين المرابطين ممن صنعوا التغيير لم يثبت حتى الآن أن لهم صوت أو وجيع ينافح عنهم داخل أروقة السلطة أو المجلس المركزي للحرية والتغيير أو مجلس الشركاء الطارف .ولا أدلّ على ذلك من استعار القتل والإبادة في دارفور واستباق تجمع المهنيين و بعض مكونات الحرية و التغيير الأزمات المتلاحقة للتظاهر ضد حكومتهم لأنها لم تف بمطلوبات الفترة الانتقالية وفق جدول زمني يقولون بوجوده و لا يعلم به غيرهم .
٤. هنالك ظروف إقليمية و دولية بالغة الدقة تحيط بالسودان و تستغلها دول للإصطياد في عكر الصراعات الداخلية لاستقطاب بعض مكوناتها في محاور صراعات دولية و إقليمية لها اجندتها المنافية لمصالح الشعب السوداني.
٥. الوضع المعيشي الكارثي يمكن أن ينجم عنه انفلات أمني مخطط أو تلقائي يصعب في الحالين الإحاطة بتداعياته ما لم يتم تدارك أمر الغذاء والدواء والمواصلات و الوقود.
٦. التظاهر ليس الحل :
تظاهر تجمع المهنيين أو غيره ضد حكومته ليس حلًا حتى و إن كان غايته لفت نظر المكوّن العسكري في الحكومة الانتقالية. ينبغي على التجمع و غيره رعاية و تكثيف المشاركة المهنية المتخصصة المستمرة في جميع الموضوعات التي تهم الشارع السوداني . من المسئول عن تغييب الشعب السوداني عن ملف السلام و مجلس الشركاء و تعديل الوثيقة الدستورية و تغييب المجلس التشريعي واستمرار المليشيات الحكومية و غير الحكومية و انفلاتاتها المتكررة و حالات القتل السلطاني و الاختفاء القسري و غيرذلك من موضوعات تضمنتها دعوات التطاهر ما تقدم منها و ما تأخر؟ هل الحكومة الانتقالية وحدها من يتحمل ذلك ؟ كلا ! مهام الفترة الانتقالية ليست حصرا على الحكومة بل يقع عبء القيام بها أصالة على تجمع المهنيين و قوى الحرية و التغيير . و إذا قام التجمع و القوى المشاركة بواجب توسيع المشاركة و المكاشفة الدورية و تمليك الشعب مقترح التجمع و غيره من شركاء للحكومة و خلاصة رأي التجمع حول أداء الحكومة في مطلوبات الفترة الانتقالية فيمكن عندئذ وضوح ملامة الحكومة و التظاهر التلقائي ضدها دون حاجة لدعوة من التجمع أو غيره من مكونات الحرية و التغيير.
يتعثر العمل في مشاريع عديدة بسبب الأعباء الجسيمة الملقاة على عاتق الوزراء و الإمتناع عن دعمهم بمجالس استشارية طوعية دون مخصصات كما سبق أن طالب بذلك المعتصمون في القيادة و غيرهم. لماذا لم يفعّل مشروع الاستشاريات الطوعية و هل هنالك معارضة لهذا التوجه ؟ و ما مصدرها ؟
و رغم كل ما سبق أو بسببه فمن المنظور أن تلاقي دعوات التظاهر كل مرةً قبولا واسعا لأنها تمثل منصّة مفتوحة للتظاهر يمكن لانصار النظام السابق و لغيرهم من الحانقين على الحكومة و التجمع اعتلاؤها.
drsiddig57@gmail.com