الموت بشجرة الديمقراطية (1): أصابع الأنقلوساكسون بين الخرطوم وأديس .. بقلم: مازن سخاروف

الموت بشجرة الديمقراطية (1): أصابع الأنقلوساكسون بين الخرطوم وأديس
مازن سخاروف, 13 نوفمبر 2021
كتبت منذ أسبوع سلسلة مقالات بعنوان “ديمقراطيات إنفجارية”, حتى الآن سبع مقالات 1, صفر ألف, وباء, ثم 2 إلى 5.  جوهر المقالات الأصابع الأنقلوساكسونية في ربما أهم الحلقات هي الخامسة في الترتيب والمرقمة (3): “ديمقراطيات إنفجارية, بعد إنقلاب الانقلوساكسون يأتي الإبتزاز وشق الشارع”.  يلاحظ أن المبعوث فلتمان “رجل الإنقلاب” غادر الخرطوم صباح الإنقلاب ذاته في صدفة “والله وحكاية”* ربما لم تحدث من قبل في تاريخ الإستيلاء على السلطة, حتى بمقاييس وكالة المخابرات المركزية.  صدفة مثل الرسالة الشهيرة التي كان التلاميذ الكسالى الساعين إلى تحقيق شهرة رخيصة في مواضع الإنشاء المدرسية يسرقونها جملة فينسبوها إلى أنفسهم (“أكتب إليك رسالة لو مرت على الجبال لسيّرته ..”, إلخ).
الملاحظ والمدهش أن المبعوث الخاص جِفري فِلتمان لم يعاود مسرح الجريمة مُذ فارقه قبل أسبوعين خلت, ولم يدخر وسعا في نفي الإشاعات عن زيارة مزعومة جديدة له إلى الخرطوم تناقلتها بعد وسائط الإعلام بعد الإنقلاب.  لكن كل من طرح التساؤل “أهه, جيت ولا حتجي تاني السودان متين يا جفري؟” لن يجد من جفري سوى رسالة مسجلة, “القدم ليهو رافع”!  إختفاء جفري من سماوات الخرطوم المثقلة بالهموم هو في تقديري الحدث الأكثر رمادية منذ وقوع الإنقلاب قبل أسبوعين, رغم أنه “حايم” ومسجل حضورا بالجوار في دول أخرى من القرن الأفريقي مثل أثيوبيا وكينيا.  وكما قيل من قبل, فِلتمان حين تظهر له تغريدة إنابة عنه على حساب مكتب الشؤون الأفريقية (فالرجل لا يبدو أنه يتجرأ ليصدر الإفادات من حساب شخصي على تويتر), أو يظهر له لقاء مسجل يتيح عمل تعليقات, فإنه يأخذ على أم رأسه من جماهير  وسائل التواصل التي له بالمرصاد.  من كان لأحدكم ذرة من إيمان “فليشقطه بدِسْلايك”.
الخرطوم تلعق جراحها: مجددا وثانيا وثالثا وعاشرا: بينما تعرب الألسنة المشقوقة عن أسفها مسلسل إراقة الدماء السودانية بغير حساب إستمر أثناء حراك جماهير الشارع اليوم السبت 13 نوفمبر, مات من مات وجُرح من جُرح.  في المساء خرجت تغريدة على صفحة حساب مكتب الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية الأمريكية, إقتباس:
“قلقون جدا من الوفيات والإصابات خلال إحتجاجات اليوم.  نستمر في الوقوف مع الساعين لإعادة إنتقال البلاد إلى الديمقراطية.” (1)
إن المشكلة الأنقلوساكسونية تكمن في أن الأنقلوساكسون يعتقدون أنهم مناديب الله في الأرض: ” يبدو أن الطبيعة تشاء أن تجعل من الإنجليز عرق الضباط, لقيادة وإرشاد العمالة الرخيصة من شعوب المشرق”
المصدر: أورده سخاروف في “الديمقراطية والتحيز” نقلا عن تشارلز وِنتـْوَث ديلكه, بريطانيا العظمى: أسفار رحلة في دول لغتها الإنجليزية, 1869.
بعد إعطاء إشارة إنقلاب الخرطوم, جِفري يؤجج النيران في أديس
قبل ثلاثة أيام عملت بِكي أندرسون, مقدمة البرامج بقناة سي إن إن لقاء مع بيلين سيْيوم, المسؤول الإعلامي بمكتب رئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد.  اللقاء (2) يمكن أن يكون حالة دراسية في شخصنة ولاإحترافية المهنية الصحافية من قِبِل البريطانية مقدمة البرامج بالقناة الأمريكية.  فقد بدت متنمرة (كانها تتحدث مع تلميذة) وسطحية وفاقدة تماما للإقناع.  أما ضيفتها الإثيوبية فقد بدت هادئة ومقدمة لإجابات مفحمة وقادرة على لجم مقدمة البرنامج مرة تلو المرة.  الضيفة أحرجت المضيفة باقتراح بأن القنوات الغربية متحيزة ومتواطئة في بروباقاندا إعلامية ضد أثيوبيا.  أكتفي بنقل هذه الجزئية من الحوار, و(مابين الأقواس, إضافتي):
=====================
بِكي أندرسون: أنتم تخسرون شراكة إقتصادية من الحيوية بمكان.  المسؤولون (الأثيوبيون) مواجهون بعقوبات. كيف سيكون وقع ذلك على الإقتصاد الأثيوبي, مع احترامي وعلى الشعب الأثيوبي؟  أوَلـَيْسَ من الأفضل العمل على وقف لإطلاق النار, ولإعادة النظام إلى هذه الفوضى؟  ما هو ردك؟
بيلين سيْيوم: وقف إطلاق النار لاعتبارات انسانية تم طرحه مسبقا؛ تذكري أن جبهة تحرير شعب التقراي تعاملت معه كنكتة, فلا أدري عمّ تتحدثين الآن أكثر من هذا (الذي سبق شرحه) 🙂
===============================
دق طبول الحرب: المروّض والكلب البوليسي
هيئة الدعاية البريطانية, أو إسمها الأشهر بي بي سي نشرت قبل يومين تسجيلا تلفزيونيا إفتتاحيته استعراض لطائرات عسكرية في سماوات إحدى دول القرن الأفريقي (كما يبدو) وعنوانا مثيرا في بداية الفيديو هو “أمريكا وحلفاؤها في القرن الأفريقي يستعرضون عتادهم .. الحرب المستمرة في الجارة أثيوبيا عرّضت المنطقة لـ لاإستقرار مستمر”.  تضمن الفيديو حوارا مع الجنرال الأمريكي وليام زانا**  الذي أدلى بتصريح لمراسلة هيئة الدعاية البريطانية كرر فيه عنوان الفيديو وملخص الحوار من فم الجنرال أن “ستان يا مان, أمريكا في الميدان, الكيكة خلاص حتتقطع والسكاكين معانا”.
كل هذا على خلفية خطاب الوعيد الذي ألقاه جِفري فلتمان  المبعوث الهارب (من السودان) أمام ما يسمى بمعهد السلام الأمريكي في 2 نوفمبر 2021, والذي أظهر فيه القليل من جزرة السياسة الأمريكية والكثير من عصاها (4).   كيف سقط رئيس الوزراء أبي أحمد في نظر الأنقلوساكسون من رجل دولة حائز على جائزة نوبل للسلام إلى مغامر, دكتاتور ورئيس لدولة فاشلة في أقل من سنتين؟ إن ما يبدو من إجماع ممن يهمهم الأمر على قمة الجهاز التنفيذي في أثيوبيا على تواطؤ الإعلام الغربي ضد أثيوبيا (كما سبقت الإشارة إليه على لسان المتحدثة الإعلامية لمكتب رئيس الوزراء) إن دل على شيئ فيدل على تفاقم الصراع بين أثيوبيا وحلفاء الأمس القريب.  لعل الإجابة الأقصر لهواة الملخصات, هو السياسة القديمة للإمبراطورية, أي ” الدورة الثلاثية المتكررة: التحالف المؤقت, الحصار ثم الحرب” في “متلازمة السياسة البريطانية”.  ومن لديه نَفَس لإجابة أطول فهذا تذكير بفقرة من إفتتاحية مقالات “ديمقراطيات إنفجارية:
“الزيت:
من هنا, فسواء السلطة المدنية العميلة, أو الإنقلابات والتآمر, فهما وجهان لنفس العملة الأنقلوساكسونية, وسلطة القمع و”قوانين منع الشغب” (إرهاب الدولة), والبطش والتنكيل بالجماهير عن طريق “الخونة الداخليين”.  الإنقلابات عن طريق الطابور الخامس إختراع أنقلوساكسوني تم تطبيقه في الجزر البريطانية قبل نشره في بقية أنحاء الكرة الأرضية (ما يسمى بالثورة الفرنسية: الحرب ضد البولشفيك؛ الحروب ضد محاولة إستقلال الولايات المتحدة: الحرب الأهلية الأسبانية ضد الحكومة الشرعية؛ الخ). هناك مراجع أكاديمية تشهد على ما أقول.  ومن يريد الدليل, فكل ما عليه هو أن “يقول عوك”.
وأي إستثناء أو إنقلاب لا يحظى بدعم الأنقلوساكسون, ناهيك عن أن يشكل تهديدا لمصالحهم (مثل الثورة البلشفية في روسيا) أكد بما لا يدع مجالا للشك أنه سيتعرض إلى متلازمة السياسة البريطانية المرتكزة على “توازن القوى”, أي الدورة الثلاثية المتكررة: التحالف المؤقت, الحصار ثم الحرب.  وإنقلاب البرهان كذلك, فمن ورائه ذات الأيادي الأنقلوساكسونية المولعة بالخيانة ذات المحاضر الوهمية لإلهاء الجماهير عن التوثيق الحقيقي للإنقلاب وذراع البلاط الطويلة من خلفه.” (5)
 أنهِ الإقتباس. السؤال هو, هل فعلا بدأ تقطيع أفريقيا فعلا بالسكاكين وأن ما يجري في أثيوبيا بداية لتدخل عسكري أنقلوساكسوني من هندسة مروّض الكلاب البوليسية الذي مقره لندن؟  لا أدري رأي القراء, لكن رأيي أن الولايات المضطهدة ليست سوى محطة عسكرية لبريطانيا. “قلت بس أحدسكم”.
——————-
* تحريفي مع كامل التقدير لشاعر أغنية “حد يشعر بالسعادة”, ومغنيها المرحوم الفنان أحمد الجابري
(1) المصدر على موقع تويتر:
https://twitter.com/AsstSecStateAF/status/1459646917475020803
(2)  الفيديو بتاريخ الثلاثاء 9 نوفمبر 2021 على صفحة قناة سي إن إن بموقع يوتيوب:
CNN’s Becky Anderson speaks W/Billene Seyoum, press secretary of Ethiopia’s PM -FULL INTERVIEW
مشباك فيديو الحوار:
https://www.youtube.com/watch?v=kyr_C1mAp_E
(3) لقاء ترجمة عنوانه, الولايات المتحدة “جاهزة للإستجابة” للأزمة الأثيوبية – بي بي سي أفريقيا بتاريخ الأمس 12 نوفمبر  2021 (أكتب هذه المقالة مساء السبت 13 نوفمبر). مشباك الفيديو بيوتيوب:
https://www.youtube.com/watch?v=f4Kc_xA8nVk
US force ‘ready to respond’ to Ethiopia crisis – BBC Africa
** Commander of Joint Task Force Headquarters, Horn of Africa
(4) عن خطاب فِلتمان أمام ما يسمى بالمعهد الأمريكي للسلام قبل عدة أيام, راجع مقالة منفصلة على هامش سلسلة المقالات المشار إليها أعلاه, بعنوان
(Jammin’: Feltman came to the Horn) تأملات في محنة فِلتمان المبعوث الأقل شعبية
مشباك المقالة:
https://sudanile.com/jammin-feltman-came-to-the-horn-%D8%AA%D8%A3%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D9%86%D8%A9-%D9%81%D9%90%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%B9%D9%88/
(5) ديمقراطيات إنفجارية (1): الخوازيق, الأنقلوساكسون, الإنقلابات ولعبة فترة الإنتقال
مشباك المقالة:
https://sudanile.com/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D9%82/
==
مازن سخاروف
jsmtaz2014@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً