من حرفته كبناء محترٍفٍ يشيد البيوت وكل ما يعمُر تحته الناس، جاء لقب “المُعلم”، فهو حازق في صنع الزاوية وماهر في رص الطوب بانتظام واحدة بعد أخرى بسرعة فائقة مدماكاً بعد مدماك من الأساس حتى يستوي بناءً يسر الناظرين، اكسبته مهنة أبي الانبياء الصبر والمثابرة، وعلمته أن لا شيء في الحياة يتم بغير تخطيط وحكمة في التصرف الموزون والتنفيذ بدقة متناهية حتى لا يميل مثل البنيان فيسقط وينهار، وعليه لم يكن هناك فاصل بين تفكيره المهني والحياتي اليومي في مسرى الساعات بعد انتهاء العمل، فتداخلا في حالة ذهنية ترجمها لأفعال سهلة في ترميم نفوس الناس من حوله او بناء جسور مودة بينه وبين الناس وبين كل معارفه فأصبح نقطة الالتقاء مثل مغنطيس بشري، لذا نحن- أبناؤه وبناته واصدقاؤه الذين حظينا بقربه، كنا نطلق عليه هذا لقب “الُمُعلم””Guru ” ليس لارتباطه المهني بل لحكمته الثاقبة في الحياة، التي عنوانه فيها الابتسام، ومسكنه الدائم فيها المحبة.
عندما تجي ابتسامته امامه تفتح له كل الأبواب فيطل عليك بجلبابه الأبيض الناصع مثل روحه المصقولة بالبريق والندى، لا تنس أن ذاك الجلباب المميز الذي يرتديه في كل الاوقات ويٌلبس بالوجهين، وتلك الطاقية ” الانصارية” التي تكاد ان تثقب الفراغ بتطاولها الصاروخي إلى اعلى، ثم “العِمّه” التوتال مزخرفة الحواف بخيوط فضية يحكم لفها جيداً ثم يترك “العزبة” تتهادى برشاقة انيقة تتدلى على كتفه. فهو مهدوي حتى النخاع، يجاهر بحبه لآل المهدي، وحزب الأمة القومي هو بوابته للوطن الذي ظل يحلم ان يراه يوماً ما بخير وفير ينعم بالديمقراطية والسلام والتنمية المستدامة، وبالطبع على حسب تقديره ان يتولى أنصار المهدي رأس “جلكاية” التغيير مثل ابطالهم في التاريخ.
عندما هاتفته من الساحل الغربي الأسترالي وهو في القاهرة في اليوم الثاني بعد اول جرعة من العلاج الكيميائي سألته عن صحته عن أي تغيرات حدثت له، جاءني صوته منطلقاً ممراحاً ضاحكاً كما هي عادته قائلا:
ـ آأفو، نحنا بخوفنا بالجمر، نحنا “أنصار” نأكل النار!!
يحفظ تاريخاً للمهدية غير المكتوب في الكتب، في لحظات صفاءه معنا يعيد الكثير من الحكايات الشيقة كأنه كان حاضراً لها، خاصة عن بطله المفضل ” عبد القادر ود حبوبه” يحفظ كل الاشعار التي تمجده، لا يتوانى لحظة في أي مكان عندما يسمع الفنان بادي محمد الطيب يشدو بـ:
” بتريد اللطام اسد الكداد الزام
هزيت البلد من اليمن للشام
سيفك للفِقر قلام”
تتهلل ملامحه بالإشراق ويزور دمع شفيف عينيه و يرفع يده مبشراً ويصيح صيحات اعجاب وتقدير لهذا البطل الهمام.
في يناير ٢٠١٨م عندما التقطت عدسة الناشط خالد بابكر صورة السيد يعقوب محمد مصطفى عضو المكتب السياسي لحزب الأمة القومي وهو يسخر من آلة دولة الاخوان المسلمين لقمع الاحتجاجات السلمية عندما سقطت قنبلة للغاز المسيل للدموع تحت اقدامه فقام بهدوء بوضع علبة البمبان الحارقة في جيبه وسار في عمق سحابة من الدخان الخانق والحارق رافعاً يديه الاثنين مواصلا الهتاف ضد القهر والقمع والجوع، تحولت تلك الصورة لأيقونة ثورية في كل نشرات الاخبار العالمية وبين مواقع التواصل الاجتماعي؛ فأرسلتها له عندما اتصلت عليه سألته عنها وجدت شقيقي عاطف قد سبقني بإيصالها فقال بصوته متهدج :
ـ هلا.. هلا! نحنا منتظرين “أب سروالاً حديد”ـ يقصد السيد الصادق المهدي ـ يدينا الإشارة، الله أكبر ولله الحمد، نحنا انصار باقي كَتله، يمين لو الامام ادانا الاذن، الخرطوم دي ندخلا كرررر الضحى الأعلى!!! وكررررر ونحررها في ساعات!! ما بنقيف إلا في فلسطين نحرر ليكم القدس هوادة فوق البيعة. يمين لو كنت في الخرطوم الايام دي كنت بقيت يعقوب تاني!
بتلك الروح الوثابة استطاع أن يقاوم المرض اللعين وادهش طبيبه المتابع من التطور المستمر في صحته عاد النخاع ينتج كرويات متوازية إلى حد ما، وتوقف غسيل الكلى تماماً بعد الشهر الاول واصبحت كليتاه تعملان بكفاءة عالية، فبصق مرارة اوجاعه على تصريح وزير الصحة الاتحادي “بحر أبو قردة” للصحف الذي صادف تلك الايام، الذي جاء فيه:
” الحكومة بتصرف قروش كثيرة جداً على مرضى السرطان وهم في النهاية يموتوا”!!
مثل هذا التصريح الخالي من أي حساسية إنسانية يثبت أن حكومة الاخوان المسلمين تريد للشعب السوداني الموت البطيء! وهم في الأصل دعاة موت وخراب، أو لا يدرك مثل هذا الوزير بأن كل كنوز الأرض لا تعادل لحظة أن تكون سليم الروح والبدن.
اسمه إسماعيل عبد الرزاق إبراهيم، الشهير “بالمُعلم” والد كل من عاطف، وعاكف، وعفيف وسناء، وعارف، وعمار وعامر، وعمرو، وعزت وعلاء الدين الذي غالب باكراً عن هذه الحياة ثم آخر العنقود سارا.
من خلال تراتبية حزب الأمة القومي صار الأحباب من حوله ينادونه بالأمير، تيمناً بمواقفه التي تشبه ذاك الجسور الأمير نقد الله، وصارت تطربه أكثر مناداة اصدقائه له بالأمير أبو الأمراء، وهو أميرُ بحق؛ عادل في مملكة بيتنا وديمقراطياً حتى النخاع المصاب الذي نخرته الاوجاع، عندما انتمى أبنه الأكبر عاطف للحزب الشيوعي السوداني في منتصف السبعينيات من القرن الماضي بارك الأمر بسماحته المعهودة، لأنه يثق في أن اختياره دائماً يكون فيما ينفع الناس، ثم تبعت اكبرنا الذي علمنا حب الوطن والجسارة في الثمانينات للانتماء لحزب عبد الخالق وجوزيف ومحجوب شريف، لم يتأخر عنا عاكف كثيراً فصار الناس في أيام الديمقراطية الثالثة يسمون بيتنا “موسكو”، عندما انضم اصغر ابنائه “عزت” لحزب الطبقة العاملة السودانية قال لي:
ـ ما تخلو لي واحد فيكم يقرى معاي الراتب! والله بعد دا إلا اطلب لجوء سياسي للجزيرة أبا ولا ود نوباوي!!
في فترة في عقد الثمانينات اخبرته بأن الحزب وفر لي فرصة للدراسة بألمانيا الديمقراطية، تلون وجهه بفرح مشبوب بالخوف ثم تمالك نفسه سريعاً وقال:
ـ مبروك، والله حزبكم دا ما ساهل نحنا نربي وهو يعلم ويشيل، شغالين تحت تحت زي المويه مع السد، تقرقر تقرقر لامن تفوت بهناك، آها ح تدرس شنو هندسة ولا قانون ؟
ـ فلسفة ماركسية
اتكأ باتجاهي وأرخى اذنه اليمنى جيداً وسأل مستفسراً لمزيد من الايضاح:
ـ ح تدرس شنو؟
فرددت عليه بصوت عالٍ:
ـ فلسفة ماركسية.
صفق بيديه الاثنتين وهو يقول:
ـ الزمن دا كلو انت ما قريت الفلسفة القشرية دي يا عفيف وحفظتها؟ نحنا راتب الامام دا بنحفظوا صَم في يوم واحد بس!! طيب فوق كم نقتكم انت اصحابك الكتار البجوك يبيتوا معاك كل يوم خميس ديل، والكتب الحمرا الفي شنطهم ما تديك الدرب يمكن تعمل معرض عديل، شايلين الليل كلو ماركس قال، فلتكان ترك! ولينين فعل، وعبد الظمبار انقسم، والله حكاية، دا كلو و لسه انت ما قريت الفلسفة الماركسية!! انتو دروبكم دي مافي زول بعرفا غيركم، يا زول أقول ليك الله يهون عليك، بس ما تلقى ليك خواجية ماركسية عيونا حمر تقوم تعرسا هناك تقعد قبلك وتنسانا بي هِنا، لازم تجي راجع بعد ما تخلص.
ـ دا تكليف يا مُعلم أكثر مما هو دراسة، لازم ارجع.
وعدت بعد انهيار جدار برلين الذي تعلمت منه اهم الدروس بأن الشعوب لابد ان تعيش حره ولن تبدل توقها لهذه الحرية بجنة اشتراكية عرضها مجانية العلاج والتعليم واحياناً الطعام، وتوفر للإنسان حقوقا كثيرة لكن ينتفي فيها حق الاختيار البسيط، وايقنت بأن مواثيق حقوق الانسان هي انجيلي المبجل، وكل من يخالفها لابد ان أقف في الجهة الأخرى منه.
في صبيحة اليوم الثاني لوصولي من المانيا سرت برفقة المُعلم راجلاً لتلبية نداء الواجب لتقديم العزاء لبعض الأقارب واهل الحصاحيصا، وكعهده بذات الاناقة، الجلباب الذي يُلبس بالوجهين، والطاقية الصاروخية، وتلك العمة مزخرفة الحواف مُحكمة اللفة التي تتدلى “عزبتها” برشاقة على كتفه، وخطواته صارت أيضا أكثر رشاقة وخفة مما تركته وصرت أحيانا الهث خلفه فقلت له:
ـ يا مُعلم يبدو انك نقصت ليك زي خمس سنين كدا، هسع انا أطول منك وانت ماشي اسرع مني!!
ـ تعرف يا عفيف المداومة على الصلاة فيها فوائد كثيرة، فكل حركة فيها بركة كبيره وبتحرك عضله معينة، عندما تنتهي من ركعة واحدة بتكون مرنت كل عضلات جسمك، كأنك عملت تمرين كامل بتاع سويدي جاري قدامك من المدربين ود الريس ولا عباس احيمر ولا هاشم كبير ولا زمبا، انت عارف المهدي عليه السلام كان أطول منك كدا، وجسمو مليان ورياضي، شدة ماهو ضخم يدو بس تقول طالوش!! مافي زول بقدر يضمها بكفتو، واذا سلم عليك وعصرك بيها ممكن تقعد في الواطة، دا اذا ما عملت حاجات تانية، كان قوي يشبح شبحة واحدة والزول المعاهو يخب تلات خطوات من وراهو. خطوتو الواحدة زي متر وواحد وخمسين سنت ونص!
ـ هيى يا مُعلم انت حضرتو وكنت شايل مترك معاك ولا شنو؟!
يضحك بصفاء ثم يقول:
ـ كدا خلينا من الفات، هسع الفلسفة القشرية القريتا عند اهلها دي ح تشتغل بها وين وشنو؟؟ فالبلد دي بقت مجروس عندو دقن !!
ـ ح أبقى مُعلم زيك، مُعلم ماركسية في الحزب، لكن ما تخاف درست برضو تصوير فوتوغرافي وح القى بيهو شغل.
المجروس والدقن والكذبة الفاسدون الذين سرقوا قميص ابن يعقوب كانوا قد تمكنوا في أرض كوش، تم رهنها بالكامل لكل أطماع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين وحلمهم بإقامة دولة الخلافة الراشدة وارجعوها قروناً ماحقةً إلى الوراء، ولا مجال للعمل ما لم تكن من المقربين، بعد اقل من عام صرت زبوناً دائماً لمعتقلاتهم بمعدل مرة او مرتين في العام، وفي كل مرة افقد عملي، كان قلب المُعلم أبينا الذي علمنا حب الحياة والوطن ينزف أكثر عندما يطال الاعتقال شقيقي الأكبر وصديقي ورفيقي في الحزب عاكف، لقد ترافقنا لخمسة اعتقالات من جملة أربعة وعشرين اعتقال بالنسبة لي في زنازين جبروت الإخوان المسلمين وبيوت الاشباح اللعينة.
حكت لي امي، عند كل اعتقال ينقلب حال المُعلم ويصير متجهماً وسريع الغضب عكس طبعه المتسامح يلزم مصلايته مسبحاً معظم الليل، ولا يجامل من تسببوا في الاذى له وللوطن ولكما. يحكي سكان حي اركويت بجنوب الحصاحيصا عنه- اثناء اعتقال لنا أنا و عاكف عام ١٩٩٥، تم ترحيلنا إلى خارج المدينة، إنه دخل إلى الجامع لصلاة المغرب فوجد أحد اذناب النظام بالحي، وهو الذي كان أرشد كتيبة الأمن لبيتي الذي لا يبعد كثيراً عن منزل العائلة، يؤم الصلاة لغياب الامام، فخرج المُعلم بعد إقامة الصلاة من بين الصفوف وصلى المغرب منفرداً، عندما اكمل المصلون صلاتهم حاولوا بالطيبة السودانية ان يخففوا من احتقان الموقف فأجابهم بحزم :”بانه لا يمكن ان يصلي خلف فتان نمام يبع الباطل ويجيد الخداع والتدليس و يخون العِشرة والجيرة والملح والملاح”.
ولد المُعلم بقرية “ود أبشام” في حضن بطانة “أب علي وحسان” وارضها الخصيبة الطيبة، لذلك علمنا كل اسرار الزراعة المطرية ومعرفة عينات المطر من العصا العطشانة حتى العوا والسماك، وايضاً معرفة قدومه قبل ساعات من موعده وقراءات تقلبات الطقس بعلامات في الطبيعة، وأيضا علامات الخريف ان صحَ او كان فاشلاً، كنا نقضي اجازاتنا المدرسية أحيانا في ” الكديب” وتنظيف الأرض واحيانا أخرى في الحصاد وجمع محصول الذرة الذي يشكل لنا مؤنة العام ويفيض لكل من له حظ ونصيبه، بجانب قدر معلوم من ” القنقر” و “الويكة” ” وام تكشو” اللتين تنموان “بروس” ومعهما “الموليته”، توحد عشقه بارض ” ود أبشام” يذهب إليها في كل المناسبات الاجتماعية، و لأي فرد في القرية ، وأيضا بلا مناسبات عندما يشتد به الحنين ليتكرف انفاس الأرض الطيبة التي يحب، برغم انه فارقها باكراً عندما تعلق قلبه ببنت خاله عبد الله خير السيد بالحصاحيصا، وكان بالكاد فوق العشرين عاماً.
عندما قرر الزواج بأمي، كانت صغيرة السن كعادة اهل ذاك الزمان، وهو ايضاً تخطى عتبات المراهقة بقليل.
يُحكى عن تلك الليلة بان “السيرة” عبرت النيل الأزرق من مشرع رفاعة إلى الحصاحيصا وتحركت راجلة تسبقها الزغاريد والدفوف فخرج لها كل اهل الحي الاوسط حتى وصلت بيت جدي عبد الله خير السيد، وكان العريس صبياً نحيلاً تجلط شعره بالضريرة ويتلامع الهلال الذهبي فوق جبينة ويهرج حرير البنفسج بيده اليسرى و يهز بيمينه سيفاً لامعاً، منتشياً مبتسماً تزاحم الخلوق كي يروا العريس الذي يبدو لصغر سنه كأنه احد أصدقاء العريس مما حدى بإحدى جارات جدتي “آمنة الجمل” بطلولها الفارع الممتلئ قائلة وهي تشهق استغرابا:
ـ آجي يا بنات أمي!! يا اخواني عريس الشَرِق دا ما شويفع ساكت!! هسع عليكم الله دا عريس ولا ود طهور!! و اقسم بالله العظيم ممكن اشيلوا في صفحتي دي!!!
اطل عاطف أكبرنا واجملنا إلى الحياة أولا فاستحق عن جدارة لقب الفرحة الاولي والأبن البكر، بمتوالية ثابتة لا تعرفها جداول حبوب التنظيم جاء عاكف بعده بعامين ثم تبعت عاكف بعد عامين ايضاً، وبعد عامين من الانتظار الملهوف جاءت الأميرة المنتظرة “سناء”، لتكسر حدة التسميات التي تبدأ بحرف العين، برغم إنها حرمتني من دفء أمي باكراً لكننا صرنا كما التيمان في التلازم والمحبة، وكثير من الناس كانوا أهل المدينة ينادونها عفاف، وأحبها المُعلم بعمق مختلف عن حبه لنا، وكنا نلحظ ذلك طيلة عمره عندما يدخل البيت لا ينادي احداً غيرها، واحيانا كثيرة يلهج باسمها قبل ان يفتح الباب.
للمُعلم تقاليد ثابتة قبل النوم والصحو المبكر، لا ينام إلا بعد ان يقرأ سورة “الواقعة” يقول دائما بان البيت الذي تقرأ فيه سورة الواقعة ليلاً لا يَعدم قوت غده، وبعد صلاة الصبح يتلو بصوته الرخيم احدى سور القصص القرآنية، ثم راتب الامام، أظن ذلك ما حفز مخيلتي باكراً لعشق الحروف النورانية وتنمية ملكة السرد والكتابة والتعلم من هذا الإرث العظيم وتأمله باستمرار.
ايضاً كان منفتحاً في القراءات المتعددة، عندما كان عمري تسع سنوات كان يعمل مع المقاول المرحوم محمد الأمين من قرية ” التميد” الحلاوين، كان قد وقع له عطاء لتشيد مدارس عديدة بالجزيرة في اول السبعينيات ، كانت طبيعة العمل تتطلب غيابه لمدة أسبوعين عن الحصاحيصا، وكان بجانب زاد الجسد حريصاً على زاد الروح، مثلما فتح لنا حساباً لشراء احتياجات البيت عند دكان المرحوم عثمان طه على الناصية المقابلة لبيتنا الاول بالحي الاوسط، كذلك فتح لنا حساباً بمكتبة النور بسوق الحصاحيصا، كان يأخذ منها زاده وتعلمنا منه ايضاً تلك الغبطة النادرة التي لا زالت تلازمني حتى الآن عند اقتناء الكُتب الجديدة، وقرأت في مكتبته كل كلاسيكيات الادب الفرنسي في بواكير الصبى، لذلك عندما كنت اصرف كل ما معي من مال في شراء الكتب يعلق قائلاً:
ــ قروش تعبك دي كلها مكملها في شراء الكتب دي!!
كنت أرد له:
– ” دي ما بذرتك يا مُعلم”.
أظنه اختار الاغتراب لسنوات بليبيا ليس فقط لان خالي محمد عبد الله قد سهل له الطريق إلى هناك وكان خير يد عون لصهره، بل للعلاقة الطيبة التي تجمع القذافي بالسيد الصادق المهدي دائماً كانت محل حديثه وافتتانه ويذكر تفاصيل كثيرة كم مرة تتدخل “أب سروالاً حديد” لحل مشاكل السودانيين العالقين بالكفرة أو كلما تسوء العلاقة بين الدكتاتورين القذافي ونميري.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم