النخب السودانية: ازدواج الشخصية ومقاومة التغيير … بقلم: طاهر عمر

 

واحد من هموم علي الوردي عالم الاجتماع العراقي معرفة و فهم الطبيعة البشرية لذلك اهتم علي الوردي بدراسة علم النفس حتى يعينه على سبر أغوار النفس البشرية و بالتالي معرفة طبيعة النفس البشرية و كذلك سهولة الدخول على الظواهر الاجتماعية حيث يصبح صوت الضمير هو صوت المجتمع و لم يعد صوت الله في الانسان. لذلك يقول علي الوردي أن سيجمند فرويد قد قدم خدمة جليلة للانسان بفكرة اللا شعور و عبرها يصبح الانسان في فكر علي الوردي مسير و ليس مخير و لم ينطلق علي الوردي من منطلق ديني في مسألة أن الانسان مسير أم مخير كما كان يفعل المعتزلة و الأشعرية بل كان علم علي الوردي من عمق علم النفس و دوره في كشف أغوار النفس الانسانية فعلي الوردي كعالم اجتماع يأخذ علمه من العلم الحديث و فكرة العقل الباطن ويقول أن فكرة العقل الباطن في علم النفس قد أسدت للانسان فائدة عظيمة و انقلاب كبير في الفكر البشري. 

معرفة العقل الباطن مهم جدا لمعرفة و فهم الطبيعة البشرية و مفسر جيد لسلوك الانسان لذلك نجد أن علي الوردي يضحك من المنطق الافلاطوني القديم الذي يجسده عقل رجال الدين في وعظهم و ارشادهم للانسان الذي يسلك طريق غير جيد من الناحية السلوكية و الأخلاقية فيتصدى له رجال الدين بمنطقهم الافلاطوني القديم و يمطرونه بالوعظ الأفلاطوني حتى ظهر سيغمند فرويد باكتشافه أن للانسان عقل ثاني و هو العقل الباطن أو العقل اللا شعوري أضافة الى العقل الظاهر و أعتبر أن فهم العقل الباطن مهم جدا لأنه معقل العواطف و المشاعر و بالتالي فهو موجه الرغبات و الميول.
و ما يهمنا هنا في السودان بعد انتشار الهوس الديني في الثلاثة عقود الأخيرة بسبب سيطرة الحركة الاسلامية السودانية و ثمرتها المرة الانقاذ نجد أن العقل الافلاطوني القديم قد طغى على الساحة السودانية و أزداد عدد وعاظ السلاطيين و كما يقول علي الوردي في زمن الطغاة يزداد عدد وعاظ السلاطيين بمنطقهم الافلاطوني القديم أي منطق رجال الدين و ازدادت أعداد المساجد لكي تستوعب الاعداد الكثيرة من وعاظ السلاطيين و بالمناسبة وعاظ السلاطيين و الطغاة سواسية فالطاغية يظلم الناس بأفعاله و وعاظ السلاطيين يظلمون الناس بأقوالهم و المضحك يفتخر أعضاء الحركة الاسلامية السودانية بزيادة عدد المساجد و ينسون في الوقت نفسه أنها ازدادت لكي تستوعب و عاظ السلاطيين الذين يتساون مع الطغاة فهم دائما ضد الفقراء و يزينون للطاغي عمله القبيح. و الغريب أننا في السودان مصيبتنا مركبة لم يقتصر وجود وعاظ السلاطيين في جانب الطغاة وحدهم بل نجد عقل وعاظ السلاطيين قد سيطر سيطرة تامة على عقل المعارضة بسبب سيطرة الصادق المهدي على نداء السودان فالصادق المهدي تجسيد صريح للعقل الافلاطوني بمنطقه الديني القديم و صوت وعاظ السلاطيين في جانب المعارضة فعند علي الوردي كل ما كثر الظلم الاجتماعي كثر وعاظ السلاطيين و ما أكثر الظلم الاجتماعي في زمن الحركة الاسلامية السودانية و ثمرتها المرة الانقاذ لذلك كثر في زمنها عدد المساجد و عدد وعاظ السلاطيين.
و الآن في السودان قد كثر الظلم الاجتماعي و بالتالي كثرة وعاظ السلاطيين نتيجة حتمية فنجدهم في جانب الحكومة و في جانب المعارضة و هنا يتضح سيطرة العقل الافلاطوني بمنطقه القديم منطق رجال الدين على العقل السوداني سواء كان ذلك في خطاب الحركة الاسلامية كحكومة أو في خطاب المعارضة التي يسيطر عليها الصادق المهدي لذلك نجد هنا معادلة ازدواج الشخصية و مقاومة التغيير و أوضح صور مقاومة التغيير نجدها في طرح السر سيد أحمد لفكرة منازلة الانقاذ في انتخاباتها الكاذبة و موافقة النور حمد لطرحه و كتابات الصاوي بشكل موازي لفكرهم بطريقة يغيب فيها التفسير و تظهر فيها مقاومة التغيير كنتيجة لازدواج الشخصية و هنا يتساوى أصحاب منازلة الانقاذ في انتخاباتها الكاذبة في مقاومة التغيير مع فكر الصادق المهدي مجسدين مفهوم ازدواج الشخصية.
عند علي الوردي أن مفهوم ازدواج الشخصية كما أورده في اجابته في مقابلة صحفية أن ازدواج الشخصية له مفهومان احداهما اجتماعي و الآخر نفسي أضف الى ذلك ان ازدواج الشخصية ليس أمرا شعوريا في البشر و ليس كما يظنه بعضنا من حيث كونه واعيا و هو في مفهومه النفسي مرض نادرا لا يصاب به الا عدد قليل من الناس و هو شذوذ في تكوين الشخصية حيث تتقمص المصاب به شخصية معينة تارة و يتحول عنها تارة اخرى أي تتقمصه شخصية اخرى.
أما ازدواج الشخصية في مفهومه الاجتماعي ليس مرضا نفسيا بل ظاهرة اجتماعية يتصف بها كثير من الناس في مجتمع معين اذ هم يتعرضون في نشأتهم الاجتماعية الى نظامين مختلفين في القيم فترى الواحد منهم يسلك و يفكر حسب احدى النظامين تارة و حسب النظام الآخر تارة اخرى.
ازدواج الشخصية يؤثر سلبا على البنى الفكرية للأفراد و يطمس الوعي و التفتح الثقافي فمثلا يتجسد ازدواج الشخصية في طرح فكرة منازلة الانقاذ المستبدة و في انتخاباتها و يدعون ذلك بفكرة الصبر على الديمقراطية أو طرح فكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين أو الحديث عن الديمقراطية تحت سيطرة أحزاب تقودها البيوتات الطائفية أو وجود نخب نالت ما نالت من التعليم و مازالت تقبل يد السيد الامام ولها استعداد أن تدخل مطيعة في حزبه الطائفي أو حديث بعض النخب بأن الانقاذ قد أصبحت جزء من رأس المال الاجتماعي السوداني و يجب اختزالها في مستقبل السودان.
نخبنا السودانية مصابة بازدواج الشخصية فقيم المجتمعات التقليدية و إلتقاءها مع قيم قد نالوها بسبب التعليم الحديث القادم مع الاستعمار فاصبح كل أفندي سوداني تارة تجده قروي و لايفكر الا بفكر ود البلد و تارة أخرى أفندي لا تربطه علاقة بفكر ود البلد لذلك لشخص بمثل هذه الصفات من السهل أن يتحدث عن الديمقراطية و هو في حزب طائفي أو أن يكون شيوعيا و يغازل الفكر الديني ليرضي الحركة الاسلامية السودانية و يتحدث عن الشريعة و الاستعمار و كلها مؤشرات توضح ازدواج الشخصية و تمكنها من نخبنا الفاشلة.
لذلك في ظل ازدواج الشخصية لا يزدهر غير فكر رجال الدين. و لهذا السبب قد أصبح الشعب السوداني غارقا في وحل الفكر الديني فاذا سقطت الانقاذ جاءته طائفية الامام ففي ظل ازدواج الشخصية لا تنتظر غير المواعظ الدينية و الخطب الرنانة فلا سيطرة لغير العقل الافلاطوني بمنطقة الديني القديم و لا حداثة بغير المؤالفة مع الدين كما كتب أحدهم و أن الحزب الشيوعي السوداني نفسه يوافق على الشريعة كما يفتخر أحدهم.
علي الوردي يذكر في اطلاعه على فكرة ازدواج الشخصية من مفكر امريكي و حاول أن ينقلها و يطبقها في مجتمعه العراقي يذكر أن ازدواج الشخصية تظهر في تناقض الامريكي بين قيمه المسيحية و تكالبه على جمع المال و لكن هناك مجتمعات بين ماكنة تروسها يحول علم الاجتماع و علم النفس و في غياب علم الاجتماع و النفس في مجتمعاتنا تظهر فكرة ازدواج الشخصية واضحة لذلك نجد أن علي الوردي قد أوصى الدارسين أن يهتموا بدراسة ازدواج الشخصية بدلا من دراسة الشعر و نقد الشعر و نقد النقد ففي فكر علي الوردي نجد الامشاج الأولى لفكرة النقد الثقافي لعبدالله الغذامي و فيها يدعو لفكرة التعدد الثقافي بعيدا عن فكرة البوتقة الصاهرة و أوهام الهويات القاتلة التي لم يبارحها خطاب نخبنا الذي قد تاهت خطاءه في وحل الخطاب الديني الذي تجسده الانقاذ اليوم و آمال البيوت الطائفية غدا.

taheromer86@yahoo.com
//////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً