الهامش الهيلنستيني: حالة مروي (1) .. بقلم: ستانلي بروستين : ترجمة محمد السيد علي
21 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
———————
يعتبر التفاعل بين الثقافة الإغريقية والثقافات غير الإغريقية من ثوابت التاريخ الإغريقي ، غير أنه لم يكن بأي حال أكثر كثافة مما كان عليه في الحقبة الهيلنستينية . لقد إقتفت الجموع نصيحة (ثيوقراط) وسعت لتبحث عن حظوظها في الممالك المقدونية الجديدة التي برزت بعد إنهيار إمبراطورية الأسكندر . إن تجاربهم وتجارب رعية الملوك المقدونيين الذيت إستقروا بينهم ، أصبحت مادة للعديد من الدراسات . مع ذلك إستطاعت شعوب أخرى على تخوم الممالك الهيلنستية أن تحافظ على إستقلالها ، غير أن مصيرها تداخل مع مصير شعوب الممالك المقدونية . لقد كان هناك أغاريق وغير أغاريق ، تلاقوا وتلاقت ثقافاتهم على نحو متساوي وليس بمنظور حاكم ومحكوم . إن الهدف من هذه الدراسة هو بحث واحدة من نتائج هذه المواجهات ، مثل تلك التي بين مصر البطلمية ومملكة مروي في وسط السودان . إن العلاقات بين مصر البلطمية وجيرانها الجنوبيين ، لم تشغل سوى حيز بسيط من التاريخ الهيلنستي . إن كثر من هذا الإهمال ناجم من الطبيعة الهشة للمصادر المتبقية ، مما إلحق الضرر بكافة الدراسات الهيلنستية . كانت الأدلة الإغريقية والمروية القديمة ذات مرة متوفرة معا على نحو واسع . فقد أورد بليني الأكبر أسماء ستة أشخاص سافروا إلى إقليم مروي في الحقبة الهيلنستية وكتبوا روايات عن تجاربهم ، منهم : (داليون) الذي ذهب مستكشفا جنوبي البلاد ، و (سيمونيدس) الأصغر الذي عاش في مروي خمسة سنوات ، كما كان هناك موظفون بطالسة مثل (بيثاغوراس) العامل تحت بطليموس الثاني ولم يبق من عمله الذي قام به سوى أجزاء صغيرة وهناك (إيراتوسثينيس) القيرواني صاحب مؤلف (الجغرافيا) والمؤرخ (أقاثارشيدس) صاحب مؤلفي (عن الشئون في آسيا) و (على البحر الأريتري) في القرن الثاني قبل الميلاد .
من جهة اخرى فإن الأدلة المروية قد عانت بالمثل من خسائر فادحة ، فقد توقفت كتابة النقوش التاريخية النوبية باللغة المصرية بشكل فعلي مع حكم (ناستاسين) في الربع الثالث من القرن الرابع قبل الميلاد ، بينما كانت تلك المكتوبة باللغة المروية والتي لم تفك شفرتها بعد ، قليلة وهي التي بدأ العمل بها في القرن الثاني قبل الميلاد . إن الأسوأ من ذلك كله ، أن كثيرمن الأدلة الزاخرة التي كانت مضّمنة في المدافن الملكية ومدافن النبلاء الضخمة بالقرب من مروي ، تعرضت إلى الفقدان بسبب النهب في الماضي وبسبب طرق الحفريات غير المتقنة التي قام بها عالم الآثار (السير جون قارستانق) والذي قام بحفرياته في المدينة الملكية في الفترة ما بين 1909 – 1914 م .
إن القصور في مصادرنا ليس وحده كافيا لتفسير إهمال تاريخ مروي الهيلينستية ، فطبيعة المنطقة المحيطة بمروي تحمل ذات الأهمية الجغرافية والسياسية بشكل متساوي . من جهة أخرى يزعم الملوك المرويين أنهم بسطوا سلطتهم على كامل بلاد النوبة ، من الشلال الأول في الشمال إلى سنار في الجنوب ، غير أن الواقع مختلف فقلب مروي يقع في جزيرة مروي المشهورة ، عند المثلث الذي يشكله إلتقاء نهر النيل مع أنهار عطبره التي تبعد نحو ستمائة ميل جنوب مصر ويفصلها عنها أرض قاحلة ووادي النيل في النوبة السفلى بمنحدراته المائية التي تعرف بالشلالات . كان يمكن التغلب على هذه العوائق بجهود كافية مثلما أرادت الأسرتين الثامنة والتاسعة عشر ، غير أن معظم الأسر المصرية الحاكمة وفي مواجهة هذه العوائق ، عملت على إتباع سياسات أقل عدائية تجاه جيرانها الجنوبيين ، معززين من الوضع الدفاعي الحصين لحدود مصر الجنوبية ، فيما إعتمدوا على الروابط الدبلوماسية مع النخب المتمصّرة المتزايدة في مروي ، لتأمين موارد ثابتة من المنتجات النوبية المختلفة مثل : العاج ، خشب الأبنوس ، الحيوانات المجلوبة وجلودها والتي يرغبها المصريون.
غير أنه حتى وإن كانت مصادرنا كاملة ، فإن تاريخ علاقات مصر مع بلاد النوبة سوف يظل طارئا في طبيعته فهو تاريخ مرّ بفترات طويلة من السلام النسبي الذي تتقطعه تدخلات عسكرية طارئة بواسطة مصر أو بلاد النوبة ، متى ما أتاحت الظروف فرصة الحصول على ميزة مؤقتة وهو الذي كان عليه الأمر ذاته في العلاقات خلال الحقبة الهلينستية . إن قصة الإتصال الإغريقي ببلاد النوبة قبل بداية القرن الثالث قبل الميلاد ، جرى تناولها بشكل متعجل . لقد زعم (اقاثارشيدس) في كتابه الثاني (عن الشئون في آسيا) والذي قدم فيه إستطرادا طويلا عن النيل ومن خلال رواية إغريقية أصبحت نموذجية عن مروي ، زعم أنه قبل حكم بطليموس الثاني كان وادي النيل جنوب مصر لصيقا بالأغاريق . مع أن ذلك ليس صحيحا ، إلا أن مبالغة (اقاثارشيدس) يمكن تفهمها ، فالإتصال قبل الحقبة الهيلنستية قبل بين الإغريق ووادي النيل الأعلى هو أمر مشهود عليه ، غير أنه كان متقطعا وغير ذي أهمية . تشهد النحوتات على تمثال رمسيس الثاني الضخم في (أبي سمبل) مشاركة المرتزقة الأغاريق في الحملة النوبية لبسماتيك الثاني في عام 593 ق م ، كما أن الدليل الهيروغلوفي يؤكد إستمرار خدمتهم في الحامية المصرية بأسوان . إن إختراق الاغاريق للسودان الأوسط كان يعوزه الدليل على مدى ثلاثة قرون .
مثل أسلافه المصريين والفرس ، تمركز الأسكندر بحاميته في (الفنتين) وهو الإجراء المتعقل الوحيد على ضوء المحاولات التي جرت ووثقت في النقوش الهيروغلوفية في القرن الرابع قبل الميلاد . في المقابل عمد الحكام المرويين إلى إستغلال الضعف المصري لمد نفوذهم إلى النوبة السفلى . إن محاولتي لتصديق نشاط الأسكندر في بلاد النوبة ، بناء على إشارة في المصادر الهيلنستية والرومانية إلى حملة أثيوبية فادها (كاليسثينين) ، لم تجد سوى قليل من المؤيدين ولم أجد من حاول تأهيل إشارة (أريان) لإثيوبي أبتعث كسفارة مروية للأسكندر في عام 324 ق م مثلما حدث للسفارة الرومانية. إن مضامين الأدلة المروية متشابهة . كذلك فإن المكتشفات الإغريقية في المواقع المروية الهيلينستية غير معروفة تقريبا ، عدا (مزهرية) عثر عليها في المدفنة (إس 24) في المدفنة الجنوبية لمروي وهي الأثر الوحيد المعروف وهي المعروضة اليوم في متحف الفنون الجميلة ببوسطن ، مما يوحي بأن القليل الذي وصل مروي قد جرى تقييمه بدقة ن بسبب ندرتها وطبيعتها الدخيلة .
msaidway@gmail.com