الهامش الهيلنسـتيني: حالة مروي (2) .. بقلم : ستانلي بروستين : ترجمة محمد السيد علي
22 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
39 زيارة
في سبعينات القرن الثاني قبل الميلاد تغير الوضع بقرار بطليموس الثاني بإطلاق حملة عسكرية واسعة النطاق في بلاد النوبة . في الواقع فإنه ليس هناك روايات باقية عن الحملة ، عدا إشارة محتملة لغارة مروية على المراكز البطلمية بالقرب من (اسوان) ولا توجد تفاصيل تخص سير الحملة . عن الحملة نفسها لا نجد بالكاد سوى إشارة (ارقاثارشيدس) إلى تجنيد بطليموس الثاني لخمسمائة من الخيالة في منطقة بحر إيجه ، مما يوحي بأن الإستعدادات كانت على درجة عالية من الأهمية . لحسن الحظ فإن الوضع كان أكثر وضوحا فيما يتعلق بأسباب الحرب ومضامينها بالنسبة للعلاقات بين مصر البطلمية ومروي في القرن الثالث قبل الميلاد . إن (ثيوقراط) الذي إحتفى بالحملة النوبية كإحدى الإنجازات الهامة في العقد الأول من حكم بطليموس طويل الأجل ، لاحظ أنّ بطليموس (إقتطع جزء من أثيوبيا السوداء) . لقد جرى تفسير هذه العبارة على إنها إشارة لضم (دوديكاشوينوس) الممتدة على ضفاف النيل بنحو (75) ميلا جنوب الشلال الأول والتي عليها بنى بطليموس الثاني معبدا جديدا لإيزيس عند (فيله) ، إضافة إلى منطقة تعدين الذهب الهامة في شرق النيل في (وادي العلاقي) والتي وصفها (اقاثارشيدس) وصفا حيا في كتابه الخامس (عن البحر الأريتري) .
من جهة أخرى فإن الدليل المتمثل في الكتابة على الجدران والعملات والميداليات ، يوحي بأن هذا التفسير كان محدودا جدا . لتأمين قبضته على (دوديكاشوينوس) ، عمد بطليموس إلى حماية قلاع المملكة الوسطى القديمة عند (بوهين) و (مرقيسا) بالقرب من الشلال الثاني ، بحيث تصبح كامل أرض النوبة السفلى من أسوان إلى الحدود الحديثة بين مصر والسودان عند وادي حلفا ، تحت سيطرته على الأقل بشكل مؤقت . لكن إن كان الحد من الطموحات المروية ذريعة لحملة بطليموس الثاني على بلاد النوبة ، فإن السبب الحقيقي لإهتمام البطالسة المتواصل بالسودان في القرن الثالث هو سبب أخر ، ألا وهو تأمين مصدر أفيال الحروب .
يمتد الإستخدام العسكري للأفيال في آسيا إلى الاف السنين وكان الأغاريق والمقدونيين قد واجهوها لأول مرة خلال حملة الأسكندر في موقعة (قاوقاميلا) في عام 331 ق م ومرة أخرى في الهند عام 326 ق م . عليه وبالرغم من السجلات المختلفة المتعلقة بالقتال ، فإن (دوديكاشوينوس) خصت بأسبقية هامة في الحصول على أفيال الحروب .
في سباق التسلح القديم هذا ، وضعت الجغرافيا البطالسة في مآزق حرج ، منذ أن سيطر منافسيهم السلوقيين على الطرق المؤدية للهند والمتعاملين معها ، لكن خلال فترة حكم بطليموس الأول لم تك تلك مشكلة حادة ، لأنه تم أسر بعضا من الأفيال الهندية الأصل والتابعة للأسكندر في موقعة غزه عام 312 ق م . لكن في سبعينات القرن الثاني قبل الميلاد تغير الوضع لأن الأفيال التي ورثها بطليموس الثاني من والده ، أصبحت متقدمة في السن ولم تعد قادرة على مواجهة الأفيال الشابة في معركته مع منافسه (انطوخيس) فجرى إستبدالها . من ثّم فإن إهتمام بطليموس الثاني ومن جاءوا بعده ببلاد النوبة بالحفاظ على وجود قوي هناك ، تبدو واضحة حتى في مصادرنا الهشة .
من جهة أخرى أصبحت العلاقات بين مصر البطلمية ومروي وثيقة بشكل غير عادي لفترة إمتدت إلى ثلاثة أرباع القرن . لقد أصبحت حملات صيد الأفيال تتكرر ، فيما كان يصل عدد الصيادين أحيانا إلى مئات الرجال ، مخترقين النوبة العليا من الشمال أو من الشرق عبر ميناء البطالسة في البحر الأحمر ، بينما كان الرحالة المستكشفون يتحركون بحرية في إقليم مروي . لقد كان نتاج ذلك ظاهرا في دقة الروايات الهيلنستية عن السودان وفي علم الآثار المروي . بناء عليه فإن مسار النيل جنوب مصر تم وصفه بشكل دقيق بالأضافة إلى روافده الرئيسية وبأسمائها المحلية . كذلك إتضحت الخريطة السياسية لشمال شرق أفريقيا . أيضا جرى التعرف على الطبيعة المتمصّرة للثقافة المروية ، كما جرى تحليل طرق الحياة التي يعيشها جيران مروي غير المتحضرين . في ذات الوقت فإن السلع الإغريقية الباذخة أصبحت جزء من الأدوات الجنائزية للملوك والملكات والنبلاء المرويين . لقد توقفت أثيوبيا من أن تصبح جزء من الأسطورة الإغريقية ، لتبقى جزء من ذاتها باقي عصورها السالفة .
—————-