الهامش الهيلنسـتيني: حالة مروي (2) .. بقلم : ستانلي بروستين : ترجمة محمد السيد علي

 

في سبعينات القرن الثاني قبل الميلاد تغير الوضع بقرار بطليموس الثاني بإطلاق حملة عسكرية واسعة النطاق في بلاد النوبة . في الواقع فإنه ليس هناك روايات باقية عن الحملة ، عدا إشارة محتملة لغارة مروية على المراكز البطلمية بالقرب من (اسوان) ولا توجد تفاصيل تخص سير الحملة . عن الحملة نفسها لا نجد بالكاد سوى إشارة (ارقاثارشيدس) إلى تجنيد بطليموس الثاني لخمسمائة من الخيالة في منطقة بحر إيجه ، مما يوحي بأن الإستعدادات كانت على درجة عالية من الأهمية . لحسن الحظ فإن الوضع كان أكثر وضوحا فيما يتعلق بأسباب الحرب ومضامينها بالنسبة للعلاقات بين مصر البطلمية ومروي في القرن الثالث قبل الميلاد . إن (ثيوقراط) الذي إحتفى بالحملة النوبية كإحدى الإنجازات الهامة في العقد الأول من حكم بطليموس طويل الأجل ، لاحظ أنّ بطليموس (إقتطع جزء من أثيوبيا السوداء) . لقد جرى تفسير هذه العبارة على إنها إشارة لضم (دوديكاشوينوس) الممتدة على ضفاف النيل بنحو (75) ميلا جنوب الشلال الأول والتي عليها بنى بطليموس الثاني معبدا جديدا لإيزيس عند (فيله) ، إضافة إلى منطقة تعدين الذهب الهامة في شرق النيل في (وادي العلاقي) والتي وصفها (اقاثارشيدس) وصفا حيا في كتابه الخامس (عن البحر الأريتري) .

من جهة أخرى فإن الدليل المتمثل في الكتابة على الجدران والعملات والميداليات ، يوحي بأن هذا التفسير كان محدودا جدا . لتأمين قبضته على (دوديكاشوينوس) ، عمد بطليموس إلى حماية قلاع المملكة الوسطى القديمة عند (بوهين) و (مرقيسا) بالقرب من الشلال الثاني ، بحيث تصبح كامل أرض النوبة السفلى من أسوان إلى الحدود الحديثة بين مصر والسودان عند وادي حلفا ، تحت سيطرته على الأقل بشكل مؤقت . لكن إن كان الحد من الطموحات المروية ذريعة لحملة بطليموس الثاني على بلاد النوبة ، فإن السبب الحقيقي لإهتمام البطالسة المتواصل بالسودان في القرن الثالث هو سبب أخر ، ألا وهو تأمين مصدر أفيال الحروب .
يمتد الإستخدام العسكري للأفيال في آسيا إلى الاف السنين وكان الأغاريق والمقدونيين قد واجهوها لأول مرة خلال حملة الأسكندر في موقعة (قاوقاميلا) في عام 331 ق م ومرة أخرى في الهند عام 326 ق م . عليه وبالرغم من السجلات المختلفة المتعلقة بالقتال ، فإن (دوديكاشوينوس) خصت بأسبقية هامة في الحصول على أفيال الحروب .

في سباق التسلح القديم هذا ، وضعت الجغرافيا البطالسة في مآزق حرج ، منذ أن سيطر منافسيهم السلوقيين على الطرق المؤدية للهند والمتعاملين معها ، لكن خلال فترة حكم بطليموس الأول لم تك تلك مشكلة حادة ، لأنه تم أسر بعضا من الأفيال الهندية الأصل والتابعة للأسكندر في موقعة غزه عام 312 ق م . لكن في سبعينات القرن الثاني قبل الميلاد تغير الوضع لأن الأفيال التي ورثها بطليموس الثاني من والده ، أصبحت متقدمة في السن ولم تعد قادرة على مواجهة الأفيال الشابة في معركته مع منافسه (انطوخيس) فجرى إستبدالها . من ثّم فإن إهتمام بطليموس الثاني ومن جاءوا بعده ببلاد النوبة بالحفاظ على وجود قوي هناك ، تبدو واضحة حتى في مصادرنا الهشة .

من جهة أخرى أصبحت العلاقات بين مصر البطلمية ومروي وثيقة بشكل غير عادي لفترة إمتدت إلى ثلاثة أرباع القرن . لقد أصبحت حملات صيد الأفيال تتكرر ، فيما كان يصل عدد الصيادين أحيانا إلى مئات الرجال ، مخترقين النوبة العليا من الشمال أو من الشرق عبر ميناء البطالسة في البحر الأحمر ، بينما كان الرحالة المستكشفون يتحركون بحرية في إقليم مروي . لقد كان نتاج ذلك ظاهرا في دقة الروايات الهيلنستية عن السودان وفي علم الآثار المروي . بناء عليه فإن مسار النيل جنوب مصر تم وصفه بشكل دقيق بالأضافة إلى روافده الرئيسية وبأسمائها المحلية . كذلك إتضحت الخريطة السياسية لشمال شرق أفريقيا . أيضا جرى التعرف على الطبيعة المتمصّرة للثقافة المروية ، كما جرى تحليل طرق الحياة التي يعيشها جيران مروي غير المتحضرين . في ذات الوقت فإن السلع الإغريقية الباذخة أصبحت جزء من الأدوات الجنائزية للملوك والملكات والنبلاء المرويين . لقد توقفت أثيوبيا من أن تصبح جزء من الأسطورة الإغريقية ، لتبقى جزء من ذاتها باقي عصورها السالفة .

—————-

المصدر : https://publishing.cdlib.org/ucpressebooks/view?docId=ft0000035f&chunk.id=ch2&toc.id=ch2&brand=ucpress
Mohammad Ali <msaidway@gmail.com>;
/////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً