hishamissa.issa50@gmail.com
بقلم: هشام الحلو
ليس أقسى على المرء من أن يقف أمام أطلال ذاكرته؛ تلك التي ظن يوماً أنها بمنأى عن عوادي الزمن وتقلبات المصائر. فحين عدتُ إلى بيتي، لم أكن أبحث عن جدرانٍ تأوي الجسد أو أثاثٍ يملأ الفراغ، بل كان قلبي معلقاً بتلك الرفوف التي احتضنت عصارة فكرٍ وتاريخٍ جمعته ورقةً ورقة، وكتاباً وكتاباً؛ لكنني وجدتُ بدلاً منها صمتاً متفحماً، ورماداً كان يوماً ما حواراً حياً يضج بالحياة بيني وبين التاريخ.
إن هذا المشهد الجنائزي لاحتراق المكتبات الشخصية، وما تبعه من تضرر موجع لمؤسساتنا المرجعية الكبرى كدار الوثائق السودانية، يتجاوز كونه خسارة مادية عابرة؛ إنه يمثل “ثقباً أسود” في الذاكرة الوطنية الجمعية. فالوثيقة السودانية ليست مجرد قرطاس، والمكتبة ليست مستودعاً للورق، بل هما “السجل المدني” لهويتنا الثقافية، والحبل السري الذي يربط غابرنا بمستقبلنا.
إن المحافظة على الأدب والفكر السوداني من الضياع هي معركة وجودية تتطلب منا الانتقال من مربع الرثاء إلى رحاب الاستعادة الواعية. فكيف لنا أن نتخيل وجداننا دون أن نتحسس بين أيدينا “طبقات ود ضيف الله” التي أرّخت لروحانية السودان؟ أو “السودان عبر القرون” لمكي شبيكه الذي رسم ملامحنا الجغرافية والسياسية والتاريخيه من التاريخ القديم للسودان حتي عام ١٩٣٩، إن ضياع هذه المراجع، ومعها دراسات رصينة مثل “الشعر الحديث في السودان” لمحمد إبراهيم الشوش، أو “ديوان العباسي” لمحمد سعيد العباسي الذي صاغ كبرياءنا شعراً، يعني أننا نفقد البوصلة التي تهدي الأجيال القادمة.
وكيف لنا أن نسقط من حساباتنا عبقرية معاوية نور في “خواطره” النقدية التي سبقت زمانها، أو تنظيرات جمال عبد الملك (ابن خلدون) في “مسائل في الإبداع والتصور”؟ إن استعادة الذاكرة تقتضي أيضاً الالتفات لجماليات حياتنا الاجتماعية التي خلدها حسن نجيله في “ذكرياتي في البادية”، والوقوف بإجلال أمام موسوعية عبد الله الطيب في “المرشد لفهم أشعار العرب”، ذلك السفر الذي طاف بنا في آفاق اللغة والجمال. وعلي المك في كتابه التوثيقي” مختارات من الأدب السوداني الحديث” إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لصون ما تركه لنا الطيب محمد الطيب في “الإنداية” كمرجع أنثروبولوجي فريد، والتمسك بـ “قاموس اللهجة العامية السودانية” للبروفيسور عون الشريف قاسم، الذي حفظ أنساب كلماتنا من الاندثار، واستعادة دور المنابر التي شكلت وعينا الحديث، مثل مجلة “القصة” لصاحبها عثمان علي النور.
ومن وسط هذا الركام، نمد اليد نحو دور النشر السودانية والعربية بقلبٍ يملؤه الرجاء، أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في إعادة طباعة هذا الإرث وبث الروح في كلاسيكياتنا التي صارت اليوم نهباً للنار أو الشتات؛ بدءاً من كتاب “تاريخ حياتي” لبابكر بدري الذي لخص تجربته في عهد الثورة المهدية، وصولاً إلى درر الأدب المعاصر. إن الناشر اليوم ليس تاجراً فحسب، بل هو ضامنٌ لبقاء الفكر. وكذلك هي دعوة ملحة لرفاق القلم والمبدعين، أن يستعيدوا ذاكرتنا بالكتابة والتوثيق، فكل مقال يُكتب عن نصٍ مفقود من أعمال الطيب صالح أو ابراهيم إسحق أو إشراقات التجاني يوسف بشير، هو استردادٌ لجزءٍ من روحنا السليبة.
إننا لا نوثق لمجرد التوثيق، بل لنؤكد أن هذا الإرث هو ملكٌ مشاع للأجيال التي لم تولد بعد، وأمانة في أعناقنا يجب ألا تضيع تحت وطأة المرارات. فالكلمة التي تُبنى على المعرفة هي وحدها التي تملك مقومات الصمود؛ والكتب وإن احترقت، والمباني وإن انهارت، فإن الروح التي أنتجت تلك الحضارة تظل حية في وعي من يقدّرون قيمة الكلمة. وسنظل نحرس هذا الكنز الوطني، نجمع شتات ذاكرتنا المبعثرة، لكي لا تستيقظ الأجيال القادمة وتجد نفسها غريبة في وطن بلا تاريخ موثق. فالتوثيق اليوم هو عهدنا بأننا باقون، وبأن ذاكرتنا أقوى من كل محاولات المحو.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم