الوصاية والإنكار .. بقلم: عمر الدقير

 

يقترن مصطلح الوصاية في بعده السياسي بنظم الحكم الاستبدادية التي تمارس الحجر على وعي المحكومين باعتبارهم لم يبلغوا سِنَّ الرُّشد الذي يتيح لهم الإنتقال من طور الرعايا ليكونوا مواطنين شركاء في صياغة مصائرهم وضبط بوصلة وطنهم .. أما الإنكار، في بعده السياسي، فهو حالة نفسية تصيب الساسة الذين تأخذهم العزة بالإثم، فَيَذْهَلون عن حقيقة الواقع الغاشم الذي صنعوه، ويُسْقِطون عليه تفكيرهم الرغائبي بحيث لا يرَوْن إلَّا ما يريدون رؤيته ولا يسمعون غير صدى أصواتهم.

يغوص الوطن، أي وطن، في مستنقع الأزمات ويتدحرج نحو الهاوية عندما يتماهى النظام الحاكم مع الوطن ويستقرُّ في يقين هذا النظام أنه والوطن كيانٌ واحد أو أنهما دائرتان متطابقتان لهما مركزٌ واحد. فالنظام في هذه الحال يصادر الوعي العام وينتدب نفسه “وَصِيَّاً” على الوطن يفعل فيه وبه ما يشاء، ولا يجد حرجاً في استخدام القوة المادية لاعتقال العقل الجمعي لأبناء وبنات الوطن لينوب عنهم في التفكير والحلم وصناعة المصير ويتركهم ينوبون عنه في الشقاء والعناء، ورُبَّما في الموت لو استطاع إلى ذلك سبيلا .. إنَّ نظاماً كهذا يسجن نفسه في حلقة مغلقة من الوهم والزيف لا يسمع فيها غير صدى صوته الذي يرتدُّ إليه من المؤسسات التي صنعها هو من برلمانٍ مزور وصحافةٍ مقيدة وإعلامٍ مُضلِّل وأجهزة أمنية لكمِّ الأفواه إلى غير ذلك من مؤسسات الزور والجور .. وليست هناك من نتيجة لهذا الوضع سوى أن يكون النظام أسيراً لنهج الإقصاء والثوابت الذاتية الضيقة وعاجزاً عن توجيه بصره إلى المستقبل، وقبل ذلك إلى تحديات الحاضر، ومع كلِّ هذا يُصاب بمرض المعصومية وغياب حاسة النقد والمراجعة فلا يتعلم من درس أو يستفيد من تجربة ولا يعترف بعجزه وفشله، ومهما تراءت أمامه دلائل العجز الفشل لا يقابلها بغير المكابرة والإنكار.

إنكار النظام الحاكم للواقع المُتردِّي يصدر عادةً إما عن جهلٍ بهذا الواقع، بسبب المسافة الهائلة التي تفصل بين قصر الحكم وبيوت الطين، أو عن تجاهلٍ مسنودٍ باستراتيجية مُضلّلة تهدف إلى إيهام الناس بأنَّ السَّراب ماءً والعصا ناياً .. وإذا كان موقف ماري أنطوانيت حين سألت حاشيتها: “لماذا لا يأكل الجوعى البسكويت إذا كانوا لا يجدون الخبز؟” هو أقرب إلى الجهل بالواقع من التجاهل، فإنَّ الإنكار الذي يحتشد به خطاب نظام الإنقاذ لا يعني جهله بحقيقة الواقع المأزوم وبلوغ هذا الواقع أقصى حدود الرداءة، بقدر ما هو تجاهل متعمد مبعثه الإفتقار للوازع الأخلاقي واعتبارات الرُّشد السياسي والمسؤولية الوطنية إلى جانب طغيان المصالح الذاتية، بعد أن أوهم نفسه بأنه يستطيع استدامة سلطته – رغم تداعيات الواقع المأزوم ومشاهده المُبقَّعة بالدِّماء والدموع – عبر قمع أي حراك تغييري بترسانة القوانين القمعية وفيالق الأجهزة الأمنية، واستخدام الروادع الدينية والزواجر القَدَرية التي تختزل عجزه وفشله في محض ابتلاءات قضت بها الأقدار ولا بديل عن الصَّبر عليها.

ورغم كلِّ هذا البوار الذي خلفته تجربة ما يقارب الثلاثة عقود من الحكم العضوض، لم يفق “الإنقاذيون” من غيبوبة السلطة ولم يستبينوا النُّصح وما زالوا أسرى لعقيدة تماهي نظامهم مع الوطن وتغييب الدولة في حزبهم “الرائد”، وما زال ديدنهم الإنكار المتعمد لرداءة الواقع وبؤسه، متوهمين أنَّ المستقبل لن يكون إلَّا مجرد امتداد كمي للراهن .. ربَّما لأنَّهم يتصورون أنَّ الزمن قد توقف عندهم، أو أنَّ نهر حراك التغيير في السودان قد تحوَّل إلى مستنقعٍ راكد جراء ما راكموا في مجراه من سدودٍ وعوائق خلال فترة حكمهم الطويلة، لكنَّهم إنَّما يخدعون أنفسهم بهذا التصور البائس الذي يستخفُّ بتاريخ الحراك الإنساني الذي لا يعرف الخضوع الدائم لواقعٍ غاشم .. وقد وفَّر تاريخُ “السياسة والحكم” العديد من الذرائع لمن أرادوا خداع أنفسهم، لكنَّه انتهى بهم إلى مصائر فاجعة لم تنفع معها محاولات الاستدراك في اللحظات الأخيرة، مثلما حدث لذلك الرئيس العربي الذي جلس على سُدَّة الحكم عشرات السنين ولما جاءت تلك “اللحظة التاريخية”، لم تُسْعِفْهُ عبارته الشهيرة “الآن فهمتكم” وتلاشتْ وسط هدير الجموع التي أرادت الحياة، فكسرت القيد وراحت تنتزع حقَّها في الحرية والعدالة وسائر شروط الوجود الكريم.

*صحيفة “أخبار الوطن”، العدد الثاني – 15 أكتوبر 2017

omereldigair@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً