الوصاية وتدجين الدلائل والمفردات .. بقلم: ناجي شريف بابكر

 

من خلال مروري بمنشور لصديقة إسفيرية، ورد فيه التدليل على امكانية تطابق المعني لغة لمفردتين تحملان من التباين الكثير حتى من خلال القران نفسه.. دفعني الأمر أن أشعر كأن شيئاً من التحايل والوصاية قد شاب بعض المعاجم العربية المنشورة علي الإنترنيت، مما يستوجب الحذر في التعامل معها وإلتماس مقارنة إفاداتها بمصادر أكثر مصداقية للباحثين.. فرغم ان القرآن قد أورد صراحة انه إنما أُنزل بلسانٍ عربيٍ مبين..وبالتالي فالمداليل الصحيحة لمفردات اللغة العربية هي بمثابة مفتاح الشفرة لما استغلق فهمه عبر الأجيال والدهور، وهي المعيار للمفاضلة وفض الأشتباك، فيما بين المفارقات التي ربما يحدثها التفاوت النسبي في إستيعاب المعاني القرآنية ما بين مدرسة لأخري ومابين بالغٍ عاقلٍ مكلف وآخر.
.
لاحظت كذلك أن بعض المواقع العربية المعنية بالأدب والشعر، انها تنشر قصائد لكثير من الشعراء العرب، وفي ذلك محمدةٌ بلا شك، لكنها في الوقت نفسه تتقمص دور الشرطي، إذ تقوم بممارسة وصاية قميئة على عقل المتلقي من خلال قص بعض المضامين والمقاطع بمنشوراتها من القصأئد والقطع الأدببية، كقصائد لشعراء مرموقين كالأعشى وأبي نواس وبشار بن برد. يفعلون ذلك دون إيراد تنبيه بذلك للمتلقي..
شدَّ ما آلمني في ذلك كله التعديل المخل لقصائد الراحل بدر شاكر السياب على سبيل المثال لا الحصر، “غريب في الخليج” و”المومس العمياء”. ربما كانت تلك المقاطع التي تم قمعها وفق منظور محرري تلك المواقع، خادشة للحياء، وبالتالي فهم يخشون على جمهور المسلمين بذكائه المتواضع، من ان يضل ويشقى إذا ما تسنى له الإطلاع دون وصايتهم، على تلك النصوص وهي سافرةً في صورتها الكاملة. فان المتلقين من عوام المسلمين، في عيون أولئك الوعاظ ليسوا سوى مجتمع مترامي الأطراف من القاصرين والسوقة وضيقي الأفق. قطيع من خراف الرب الشبقة، يلزم تعميتها ريثما تقوم الساعة، حتى لو إستدعى الأمر إلهاءها عن غرائزها والتعتيم على سوءاتها، بل حتى لو استدعى الحفاظ عليها كخصيان، حتى لا تتنكب طريقها إلي السماء.
.
بالتالى ومن خلال مفهوم الوصاية نفسه، بدا لي أن واضعي النسخ المُحدَّثةِ من المعاجم العربية، حرصا منهم كخيرين، على حماية النصوص القرانية مما يرون انه قد يحمل قصورا في الدلالة أو إنحرافا فيها، (حاشا لكلام الله من قصور وانحراف في الدلالة).. قاموا بتطويع المعاني المرجعية للمفردات اللغوية لتتماهى ولتستقيم مع تصوراتهم العقلية لكلام الله وما يرون انه الفهم الصحيح لآيات القران..
.
فكما ورد في المنشور المعني، فإن معجم المعاني قد أورد فيما أورد بموقعه الإسفيري أن الظن لغة يعني اليقين، وذلك التفسير الذي تولاه معجم المعاني تستقيم فيه الدلالات في الايات المعنية مع تصورات العلماء والمفسرين وقراءاتهم لبعض المواقع التي يرد فيها الظن، بما يوحي بأن المقصود بالمفردة هناك إنما هو اليقين أكثر منه الظن في ذاته، والآيات هي:

الاية 46 من سورة البقرة
“الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”
.
الآية 246 من سورة البقرة:
“فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ”
.
إن عقلنا الباطن ربما تقتضي رؤيته القاصرة في أن يتطابق اللفظ أو العبارة القرآنية، مع الدلالات أي المفاهيم القرآنية المنعكسة لدينا.. ألا وهي الصور التي كونها العقل الإنساني إزاء مقاصد القرآن ومراميه. فحينما ندرك أن العبارة القرآنية هي كلام الله المتنزل في ماعونه اللغوي، وهو القالب المتاخم للقرآن في صورته المطلقة التي لا إحاطة لبشر بكنهها.. بينما التصورات العقلية لمعاني القرآن ومدلولاته هي تنزل آخر للقران في كونها كسب إنساني مقيد بمقدرات الإنسانية وسعاتها اللحظية من الحكمة والعلم وتفاوتها فيهما بمقدار كسبها ونفاذها عبر الأطر والحواجز الزمانية.. لعله من العبث أن نسعى لإسقاط المقيد من المفاهيم والدلالات على مواعينها الأكثر إطلاقا، أن نحاول بلا جدوى أن نقيد المطلق بالنسبي، أن نخلط مابين المثال والتطبيق.. فإننا بذلك إنما نرتكب جنحة ومفارقة فادحة لا يمكن تلافيها.
.
إذن كيف يتطابق مفهومان يحملان ذلك القدر من التباين والمفاضلة، كيف يتطابقان في المداليل وقد وردت كلمة الظن في مواطن أخري متعددة في القران، بما لا يحتمل عند إستيعابه الدلالة نفسها .. على سبيل المثال لا الحصر أورد الايات:

الاية 28 سورة النجم “ومالهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا”.
.
الآية 116 سورة الأنعام “وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون”
.
الآية 66 سورة يونس “ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون”.
.
ربما كان هناك تفاوت في درجات الظن تجعله يتأرجح وفق منوال متدرج ومتناهي ينطلق عند نقطة في أدناها يتطابق فيها الظن مع الشك على إطلاقه.. ثم يتدرج إستيقانا حتي يتلاشى المنوال وينقطع عند أدنى درجات الشك، هناك حيث الظن وقد بلغ قمة مآلاته، في مكان ما قبل إنطلاق اليقين في أدنى درجاته وأوهاها، لكن المنوالين قطعا لا يتسنى لهما أن يتطابقا، أن يتماسا، ولا أن يتقاطعا في نقطة تجمعهما إحداثياتها معا.
.
رغم محدودية إطلاعي وضحالة إستيثاقي، فلست هنا إلا باحثا عن ضالة أنشدها ما حييت، لكنني أجد أن عقلي يتمرد تماما عن الإيقان والتسليم لمثل هذه المفارقة الصاخبة.. فهل درج العرب في صحيح لغتهم وحتى في دارجها، ان يتطابق لديهم المدلول اللغوي للفظين متغايرين، بينما انهما في واقع الحال وفق وثائق ومخطوطات الأدب الجاهلي وماكتبه القدماء، وحتى في القران نفسه، قد استخدما للتدليل علي مفهومين يكادان يكونان من شدة تضادهما، الأكثر تناقضا في كل تاريخ المعرفة الإنسانية.. ألا وهما مدلولا الشك واليقين.
.

.

http://nagibabiker.blogspot.com

nagibabiker@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً