الوعي مؤازرا للقصيدة: تأملات وخواطر عن قصيدة الشاعر صالح علي صالح .. بقلم: جابر حسين
(الورقة الرابعة)
عند بداية نظري إليها، كنت، كما هي عادتي، استحضر أمامي ما أحب من أمثولات، أو لنقل مقولات في شأن الشعر. يقول درويش:( الإيقاع ليس الوزن، بل هو طريقة تنفس الشاعر وموسيقاه الداخلية، الأمر ليس حكرا علي الوزن، وقد يتأتي من العلاقات بين الحروف والكلمات والدلالات حتي في نص نثري، ولكن، أيضا، ما الشعر في آخر الأمر؟
بعضا من ملامح قصيدته.
لن نقول بجواب قاطع هنا، فليس الشكل الشعري مهما، المهم هنا أن يوجد ويكون الشعر، الشعر يجب أن يكون موجودا وبكثافة في الحالتين، في الشكل أو اللأشكل، هنا بالضبط ينبغي أن يكون وجوده. جميعنا يعلم، لا شك أن هنالك علاقة معقدة للشعر مع ( السياسة ) التي تحاصره وتفرض عليه أنواعا شتي من القمع والقهر تهدف كلها لتصفيته. ونلاحظ هنا، بملاحظة نرجو أن تكون موضوعية، أن ما يحدث الآن من بعض مثقفين وشعراء لا يتعدي أن يكون سياسيا، أراها في عديد وجوهها محاولة البعض الحفاظ علي مكانته الأدبية القديمة، والبعض الآخر يسعي للحفاظ علي مكانته التي حظي بها عبر إنغماسه، غير الحميد، في السياسي الذي هو في السلطة. أكثر من ذلك، أري أن هنالك خلطا أحيانا بين ما علينا فعله تجاه ما يجري في الشارع، ما علينا فعله تجاه مشهد ثقافي معقد ويسعي للنهوض وللجديد، وهنا تنشأ، بوعي وليس تلقائيا، تيارات ثقافية ومحاولات فردية تهدف كلها كي تعيد إلي الشأن الثقافي قيمته الطبيعية. ويمكننا أن نلاحظ أيضا، فوق ذلك كله، أن المشهد الثقافي، والشعري أيضا، يحتاج إلي ( رئة ) ثقافية من أجل التنفس. ولربما كان هذا ( التنفس ) في وعي ومخيلة محجوب شريف في آخريات أيامه فجعله يكتب كلماته البديعات في حق الرئة، وهو الذي أصيبت منه الرئة، وكيف كان أن ( يتنفس ) بدونها؟!
نريد، وليس ذلك تمنيا طوباويا علي أية حال، من القصيدة أن تكون ( منخرطة ) في مسار حداثة شعرية، مأمولة وطالعة، بدأت ملامحها وأنساقها ( تتنفس )، من تلقاء حريتها، في المشهد الشعري عندنا، وعند غيرنا أيضا، وهي، من ذات وجودها، التي تدعونا لكتابة نص نقدي جديد، يستخدم أدوات نقدية جديدة، ومعاول مختلفة ومبتكرة للحفر عميقا في تلك النصوص الجديدة، في الحساسية الطالعة التي تبدو للبعض، غريبة ووحيدة، بينما هي، في جوهر حقيقتها تجهد أن تكون بديلا، موضوعيا وإبداعيا، للنسقية الشعرية السائدة. تري هل أستطيع أن أقول بأننا نحتاج إلي ( عينا سحرية لنطل عبرها علي تلك الحساسيات المتنوعة) كما قالت به الشاعرة التونسية أمامة الزاير! في ظني أننا نحتاج بالفعل، وللضرورة الملحة، إلي إبتداع مصطلحات نقدية جديدة تكون متسقة، بل أقول منسجمة ومتصالحة، مع حراك النصوص الشعرية الجديدة. نريد وعيا نقديا بحجم هذا المولود الجديد، أليس النص هو في الوجود أولا. نعم، ولست، أقسم، بأنني لا أشتط ولا أتجني، لكنني أري، ونحن ننظر في شأن النقد الجديد، أن نترك جانبا تاريخا نقديا لا يزال يمسك بأعناقنا، بدءا بقدامة بن جعفر وأبن رشيق القيرواني مرورا بمحمد بنيس وحاتم الصكر وباشلار وجون كوهين وجاك دريدا وهنري ميشونيك وغيرهم وغيرهم، تلك مناهج ورؤي نقدية لم تعد بمستطاعها مساعدتنا في فهم النص والحساسية الشعرية الجديدة. نريد ناقدا جديدا يعلم، وهو ينظر إلي النص الجديد، أنه يأتي بفعل جديد وخطر، وإذ هو يفعل ذلك، يعلم أيضا، أنه يدخل ويتجول في دغل كثيف، معتم ووعر ولا يخلو من الألغام.
( لا يناسبني أن أكون قدوة لأحد
مرة طلب سهيل إدريس صاحب مجلة ( الآداب ) البيروتية، بتمن، علي أمل أن يكتب للمجلة مقالات في نقد الشعر أو رؤاه حوله، رد أمل عليه بصرامة، لآ يا مولاي، لا كتابة إلا الشعر!
لا توجد تعليقات
