الثورة هي قيام الشعب بتغيير النظام السياسي الحاكم في بلد ما بالقوة وتبديله بنظام آخر لتحقيق أهداف التغيير، سلمية كانت هذه القوة أو مسلّحة. هذا ليس تعريفي وإنما هو تعريف العديد من المراجع الأكاديمية، تختلف العبارات ويظل المضمون واحد. عطفاً على هذا التعريف، فإن كل الثورات السودانية لم تحقق التغيير المنشود، لننظر إذن في الدهليز الذي أتاح للفريق البرهان أن يتسلل عبره وينفّذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، وبذلك أوقف حتى الآن عوامل نجاح الثورة. ثم إذا كان ممكناً أن نبحث في إمكانية الحلول المنطقية والواقعية. 

يقول الأبرياء بعفوية أن خلافات السياسيين هي السبب، وأن العسكريين دائماً متفقون وكلمتهم واحدة، هذا حديث مع الاحترام، فطير ويفتقد عمق النظر إلى المبادئ الأساسية التي تحكم طبيعة منهج العمل لدى الطرفين. فالمؤسسات العسكرية ونظراً لطبيعة عملها، تقوم على التراتبية العسكرية وتعمل على مبدأ إصدار الأوامر من أعلى وتنفيذها، لا مجال للحديث عن رأي في العمل العسكري، ناهيك عن أن يتصور البعض أن هناك رأي ورأي آخر، لهذا لدى كل الشعوب المُدرِكة لمناهج عمل هذه المؤسسات، تُبعَد المؤسسات العسكرية عن العمل السياسي حتى لا تفسده بمبدأ الأوامر والتنفيذ الذي يتم بغض النظر عن النتائج، كما من أجل أن لا يُفسِدها العمل السياسي بمنهج عمله القائم على الرأي والرأي الآخر، فيؤثر ذلك على تفكير العسكريين وأدائهم خلال إدارة المعارك فتفشل، والمعارك الحربية لا تحتمل مشاكسات الرأي التي هي ديدن العمل السياسي.
الرفض الذي يترجمه شعار “لا لحكم العسكر” إذن مَعنيٌ به إبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة وليس العسكريين كأشخاص، حيث أنه يمكن لكل عسكري بعد التخلّي عن وظيفته في المؤسسة العسكرية، أن يمارس العمل السياسي مثله ومثل أي مواطن آخر، سواء بتأسيس حزب أو الانضمام إلى حزب سياسي قائم أو العمل باستقلالية، وبالطبع يملك حق الترشح لكل المناصب الدستورية، وهناك في الأحزاب وعلى مر تاريخ العمل السياسي السوداني، عدد من العسكريين السابقين الذين كانوا قيادات معروفة وبعضهم ما زالوا، بدءً بالسيد عبد الله خليل بك، رئيس الوزراء الأسبق وفي الحاضر اللواء فضل الله برمة والفريق صديق إسماعيل، نواب رئيس حزب الأمة وغيرهم كثر. طبيعة منهج العمل الحزبي يحتم أن تكون هناك اختلافات في الرأي والرؤى والبرامج من حزب لآخر، لأن قادة التنظيمات السياسية المتعددة ليس بينهم تراتبية وأمر وتنفيذه كما هو الحال في المؤسسة العسكرية، ومن هنا لا بد أن يكون هناك رأي ورأي آخر، وذلك هو ما يقود إلى الوصول إلى ما هو أفضل من سياسات، وفي ذات الوقت يثري وينمّي مساحة الإدراك لدى المواطن ويمهّد له ليتمكن من تحديد موقفه من الرؤى والآراء المتعددة للأحزاب عند منح صوته في الانتخابات. لا يمكن الخلط بين الأمور، فمعالجة أي ضعف في الأداء الحزبي أو في قدرات القيادات السياسية وممارساتهم، ليس باستيلاء القيادات العسكرية للسلطة السياسية عبر استخدام قوة المؤسسة العسكرية وممارستها، هم بذلك يخوضون المعركة الخاطئة في المعترك الخاطئ بآليات ووسائل ومعارف تم تزويدهم بها لكنها لا تفيد في هذه المعركة، وذلك يعني أن الوطن حينها سيفتقد الاثنتين، السياسة والعسكرية معاً.
قبل أن نتناول عمق مشهدنا، دعونا نأخذ بعض الأمثلة للثورات الناجحة في التاريخ، سنذكر بالطبع في مقدّمتها أم الثورات، الثورة الفرنسية والتي أحدثت ذلك التغيير الذي انتزع قدراً أكبر من السلطة من الاحتكار الملكي إلى عموم الشعب، ونرى كيف أن تلك النتائج قد تراكمت في تصاعدها وتمثلت اليوم في إرساء الجمهورية الفرنسية المتطورة. لا بد أن نتساءل، ما هو العامل الحاسم في نجاح الثورة الفرنسية؟ لن تكون الإجابة بالطبع خارج السياق الزمني الذي حدثت فيه تلك الثورة، كما أن الإجابة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بماهية الأسباب التي قادت إلى اندلاع تلك الثورة والمتمثّلة في احتكار الطبقة الملكية الحاكمة والأرستقراطيين للسلطة والثروة بما مكّنهما من التحكّم في مصير عامة الشعب واستخدامها في غير رفاهيته، ولكن حتى لا نتبّحر أعمق، نختزل الإجابة في أن الشعب الفرنسي الذي ثار، اجتثّ لحظياً الأسباب والمتسببين معاً، فكان الثمن باهظاً لكن العزاء في نجاح الثورة والحاضر المشرق الذي يعيشه الفرنسيون الآن. بإسقاط الأسباب وعامل النجاح الحاسم للثورة الفرنسية على الثورات السودانية الثلاث، أكتوبر 1964م، وأبريل 1985م وديسمبر 2018م، نجد أن الأسباب تنطبق لكن عامل النجاح لا ينطبق، وبالتالي فالثورات السودانية دائماً تقف عند العتبة قبل الأخيرة، فهي تُحدث هزة عنيفة قد تُسقِط جزءاً من الجدار لكنها لا تقتلعه من الأساس لتحدث التغيير لأن المتسببين المحتملين للدكتاتورية المقبلة يقفون على العتبة الأخيرة ويتشبثون بجسد الثورة ويدفعونها في الاتجاه المعاكس.
لنأخذ مثالاً آخر من الأمثلة التي تنطبق بعض أو كل أسبابها مع حالة الأوضاع السودانية ما قبل الثورات، ولكنها تميزت بإنتاج عوامل النجاح فنجحت، بينما كان الفشل هو سيد الموقف في الحالة السودانية. ثورة الألف ميل وهي الثورة التي قادها ماوتسي تونج في الصين، لست هنا لأناقش الأيديولوجية التي جعلها ماوتسي تونج دافعاً فكرياً للثورة، وإنما أركّز فقط على عامل النجاح لأنه العامل الذي تفتقده دائماً ثوراتنا. تشير العديد من المصادر البحثية إلى أن أسباب الثورة الصينية المعنية تمثّلت في خضوع الحكومة الصينية قبل الثورة للابتزاز الامبريالي من الغرب واليابان، مما انعكس على حياة الشعب الصيني الذي حوّلوه إلى فاقة وانكسار وخضوع وانغماس في المخدّرات وتيه، والنتيجة هي التي أعنيها بتشابهها مع الحالة السودانية، فقامت الثورة الصينية المسلّحة بقيادة ماو وانتصرت في النهاية باجتثاث الأسباب والمتسببين معاً، حيث نرى الصين اليوم هي إحدى الدول العظمى بنتائج نجاح تلك الثورة. هل تنطبق الأسباب وعوامل النجاح على الثورات السودانية؟ تنطبق الأسباب، ولكن عوامل النجاح لا تنطبق، فلم تبلغ أي ثورة سودانية سلمية كانت أو مسلّحة نجاحاً في التغيير بدءً بأكتوبر والجبهة الوطنية مروراً بأبريل والتجمّع الوطني الديموقراطي وانتهاءً بكل حركات الكفاح المسلّح وديسمبر التي تنافح للحفاظ على رمقها الذي يقبض الانقلابيون على تلابيبه.
ومثال ثالث هي الثورة الرومانية التي أطاحت بالدكتاتور نيكولاي شاوشيسكو، معلوم أسباب تلك الثورة والتي إلى حد كبير كانت رغبة الشعب في الحرية من الحكم الشمولي وآثاره. اندلعت الثورة سلمية في مختلف المدن والأرياف وتمددت بقدر عنفوانها السلمي، بينما قابلها النظام الحاكم بكل صنوف القمع إلى درجة سحق الشعب تحت جنازير الدبابات، لكن ذلك لم يُثني الشعب الذي مضى في ثورته وانتصر واجتث الأسباب والمتسببين معاً وكانت نهاية الطاغية وحكمه كما وثّق التاريخ تلك الأحداث، وما زالت رومانيا تتطور إلى يومنا هذا. هل تنطبق الأسباب وعوامل النجاح في الثورات السودانية؟ تنطبق الأسباب لكن لا تنطبق عوامل النجاح، حيث نجحوا وفشلنا في اجتثاث بعض الأسباب وكل المتسببين، وكعهدها توقفت الثورات السودانية عند العتبة قبل الأخيرة.
مثال رابع هو في الفلبين في سنة 1986م، حيث هب الشعب الفلبيني في ثورة عارمة فيما عًرِفَ حينها بقوة الشعب Power of people وتم خلع الدكتاتور فيرديناد ماركوس الذي كان مدعوماً من قادة الجيش الفلبيني وجهاز الأمن وقادة الشرطة، في مقابل الشعب وقيادته المتمثلة في ثلاث قوى سياسية هي (المنظّمة القومية الديموقراطية، الحزب الديموقراطي الاجتماعي والحزب الليبرالي)، وانتهت الثورة بالانتصار باجتثاث الأسباب والمتسببين معاً، ووضعت الفلبين على المسار الديموقراطي حتى اليوم، وهي تتطور وتنمو باضطراد كما تتطور فيها الديموقراطية بتراكم الممارسة. هل تنطبق الأسباب وعوامل النجاح على الثورات السودانية؟ نعم تنطبق الأسباب لكن لا تنطبق عوامل النجاح لأن الثورات السودانية كما قلنا تتوقف عند العتبة قبل الأخيرة.
هناك أمثلة كثيرة يمكننا ذكرها، لكن دعونا نكتفي بهذه النماذج الأربعة والتي فيها جميعاً نجد أن الأسباب تنطبق على الثورات السودانية لكن عوامل النجاح فيها لا تنطبق لأنها في تلك الثورات اجتثت الثورة الأسباب والمتسببين على السواء، فكان جزاء المتسببين من أعدِم منهم ومن سُجن أبدياً ومن فر بجلده إلى خارج البلاد أو تم نفيه، أي أنه تم تنفيذ عدالة مكافئة إلى حد ما للتضحيات التي قدّمتها تلك الشعوب، مع النظر في ذات الوقت إلى الحفاظ على الأوطان ووحدة الشعوب بمنع الانتقام والتشفّي وبتفعيل العدالة الانتقالية بعد أن توفير معاييرها بمعاونة العديد من المتسببين، بينما في الثورات السودانية يقف المتسببون على العتبة الأخيرة ويدفعون من فوقها الثورات السودانية إلى العتبات الدنيا من جديد، لا يُحاسبون على أي شيء ولا يعترفون هم بأي أخطاء ولا يتعاونوا حتى يتيحوا مساحة لتفعيل أي رغبة في تحقيق العدالة الانتقالية، بل يكابروا ويفتخروا بما فعلوه من منكرات، فلا تتحقق أي عدالة مكافئة للتضحيات وهكذا يتشجّع مغامرون آخرون وتدور الدورة في السودان من انقلاب إلى ثورة فتضحيات ثم انقلاب.
بالنظر إلى نماذج الديكتاتوريات في العديد من دول العالم التي تخلّصت منها، نجد أن تلك الدكتاتوريات برغم مصادرتها للحريات وانطوائها على قدر من الفساد والقهر، إلا أنها تبني بالمقابل أوطانها بقدر من التنمية والخدمات، (أندونيسيا، ليبيا، يوغسلافيا، العراق، مصر، سوريا قبل حربها الحالية) أمثلة لدول بنى الدكتاتوريون فيها قدراً من التنمية والخدمات وأوضاعاً معيشية مقبولة، وعندما يتم اسقاطهم، تجد أنه وبرغم أنهم تركوا البلاد من حيث التطور المادي والخدمات في حالة جيدة، ومع ذلك يُحاسب الدكتاتوريون فيها على جريرة استئثارهم بالسلطة بالقوة ومصادرتهم للحريات وعلى القدر الذي ارتكبوه من قهر وفساد. في الحالة السودانية الأمر معاكس تماماً، عندما يسقط النظام الديكتاتوري، يكون قد عاد بالبلاد القهقري في التنمية التي كانت قائمة ودهورة الخدمات إلى دمار شامل وسوء مطلق في الحالة المعيشية، ويكون النظام قد بلغ من الفساد المالي أقصاه، أما فيما يتعلق بحقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب فحدث ولا حرج، يُعَذّب ويُقْتل مئات الآلاف، ويُشَرّد الملايين وتُحَوّل أموال الدولة إلى أملاك خاصة تظهر نعمها على رعاة تلك الدكتاتورية، ثم عندما يتم اسقاط النظام الدكتاتوري، تجد قادته مُرحّب بهم في المجتمع، وتُفسح لهم المجالس في المناسبات وكأن شيئاً لم يكن، ولا يمضي وقت طويل قبل أن يبدأ نفس الأشخاص برفع أصواتهم من جديد في محاولة لقيادة الناس من جديد، لم لا طالما هذا الشعب بهذا التسيّب. يُسمّي البعض ذلك بسذاجة أنها قيمة التسامح عند السودانيين، وفي ذلك سخرية ساطعة لأن القيمة التي يزدريها المجرمون ويلتزم بها الضحايا لا يمكن أن تكون قيمة يُعتد بها في أي مجتمع إنساني سوي. إذن فالحالة السودانية شاذة ومناقضة للفطرة الإنسانية لأنه ليس لها مثيل في العالم.
في كل نماذج الدكتاتوريات، يحاولون استمالة آلية القمع والقهر المتمثلة في الجيش والشرطة والأمن للحفاظ على السلطة، فإذا ما استطاعوا تطويع هذه الأجهزة وليس في ذلك عناء لوجود مبدأ الأوامر وتنفيذها، استخدموها إلى حد الإفراط، لكن المفارقة في اختلاف الحالة السودانية عن غيرها أنه عند الشعوب الأخرى بمجرد سقوط الدكتاتور، تتخلى عنه تلك المؤسسات ليتحمل الوزر بنفسه ولا تسعى إلى احتوائه وتحميل الوزر للمؤسسة. وتعود تلك المؤسسات وتعتبر مرحلة الدكتاتور قفزة في الظلام فترجع إلى الالتزام بدورها الدستوري والانضباط والائتمار بسلطة الشعب الجديدة، والتي في أغلبها سلطة سياسية مدنية، فهي تُدرك أنه حتى سلطة إعلان الحرب ووقفها، هي اختصاص السلطة السياسية، وهي أي المؤسسة العسكرية مناط بها إدارة المعارك عند تعرّض الوطن لغزو خارجي، ولأنها تلتزم بتلك المهمة التي يعلو فيها قدر التضحية، ينظر إليها الشعب والسلطة السياسية بعين التقدير المميز ويكرّمونها بلسان التبجيل ويرصّعون صدور قادتها وأفرادها بالأنواط والنياشين. لكن الحالة السودانية كما قلنا معاكسة، إذ عند سقوط الدكتاتور، يحاول حيث يلفظ نظامه أنفاسه الأخيرة، أن يحبس المؤسسات العسكرية رهينة لحمايته ويسعى إلى أن يُحمّلها كل أوزاره ثم يورّثها سوءته لتستمر في نفس الطريق وكأنه ينتقم منها ومن القيادات التي يلونه، فيستجيب من أولئك القادة الذين يعتقدون أنهم الورثة المُحتَمَلون للدكتاتورية الجديدة وبذا يستخدمون مبدأ الأمر والتنفيذ لأسر المؤسسة لصالح الاحتفاظ بالسلطة أو وأد الحكومات الديموقراطية قبل أن تترسّخ في ممارساتها. هذه الحالة نراها بوضوح في السودان وفي مينمار (بورما)، صحيح قبلها كانت إلى حد كبير في بعض دول أمريكا اللاتينية حيث غالب الثورات التي اندلعت في مواجهتها كانت أيديولوجية مسلّحة، لكن تعافت دول القارة ومضت بثبات على طريق الديموقراطية وترسيخها.
اليوم، تقف ثورة ديسمبر عند العتبة قبل الأخيرة، والمتسببون بالانقلاب الذي حدث في الخامس والعشرين من أكتوبر، يدفعونها إلى أسفل، ولكن هناك إصرار من الشعب على مقاومة الدفع المعاكس، أي أن هناك إرادة شعبية لبلوغ العتبة الأخيرة، وأن هذه الإرادة تحتاج إلى عمل استراتيجي عميق للنجاح بتحقيق التغيير، وهو ما يفرض على الأحزاب والسياسيين الحفاظ على زخم الطاقات الشبابية التي قاومت وتحمّلت قمع النظام السابق لأربعة أشهر متواصلة، وما زالت حاضرة بعنفوانها السلمي وجاهزة للمزيد من المقاومة، وتحويل تلك الطاقة إلى عمل استراتيجي حقيقي يقود إلى التغيير المنشود. ومن ثم فإن كل الدعوات التي تنادي بإبعاد الأحزاب والسياسيين هي دعوات مع الاحترام لقائليها، دعوات عفوية، نعم دافعها وطني لكن زاويتها في النظر حادة وقاصرة، بينما نحن في مرحلة تحتاج بعد النظر من زاوية منفرجة لرؤية كل المشاهد التي تقتضيها الحاجة إلى نسج سياسي متكامل.
إن أكثر ما يخافه القادة العسكريون الذين يريدون استخدام المؤسسة العسكرية للاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها، إنما يخافون الأحزاب والسياسيين، لذلك هم أول من يتم اعتقالهم في كل الانقلابات، لتحييدهم عن توجيه الشعب وتنظيم وتوجيه المقاومة لتحقق افشال الانقلابات. الدعوة الصحيحة والممارسة الصحيحة التي يجب على الشعب أن يتبعها هي معاقبة الأحزاب والسياسيين على قصورهم وضعف برامجهم وأدائهم، بإسقاطهم في الانتخابات. الفترة الانتقالية الحالية وحتى توصلنا إلى مرحلة التعددية السياسية والانتخابات والتبادل السلمي للسلطة والممارسة الديموقراطية وثباتها، تحتاج إلى حكومة سياسية بامتياز، تطبيق شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة، تحتاج إلى عمل سياسي ولكن معطون بثورية، وهذا يفرض وجود ممثلين للجان المقاومة في مركزية الحرية والتغيير، وحتى يحدث ذلك، مطلوب من لجان المقاومة أن تشكّل تنسيقاتها لتتمكن من اختيار ممثليها لتدفع بهم إلى مركزية الحرية والتغيير فضلاً عن قيام مجلس تشريعي انتقالي متمكّن يدعم مرحلة الانتقال بسن القوانين الضرورية ويراقب عمل الحكومة، ولكن كل ذلك يجب أن يسبقه العمل الاستراتيجي على كل الصعد لتنفيس الانقلاب.
ما هو المطلوب إذن لتغيير الحالة السودانية لتتسق مع الواقع الإنساني في كل مكان لتتشابه ثوراته مع الثورات الأخرى في عوامل النجاح، ومن ثم تمكين الثورة من الارتقاء إلى العتبة الأخيرة بدءً بهزيمة هذا الانقلاب واجتثاث الأسباب والمتسببين؟ للإجابة على هذا التساؤل، لا بد من الوقوف على نتائج التجارب المماثلة في النماذج التي كانت فيها الثورات سلمية وبلغت نهاياتها بتحقيق أهدافها، لأن الثورات الشعبية السودانية التي بلغت العتبة قبل الأخيرة كلها كانت من النسخ السلمية، وفي كل مرة يدفع الشعب فيها أثمان غالية من الأرواح ثم تصعد إلى العتبة ما قبل الأخيرة وتتوقّف. كيف يمكن منع المتسببين أو الدكتاتوريين المحتملين مستقبلاً من الثبات على العتبة الأخيرة ودفع الثورة إلى أسفل السلّم؟، هذا هو بيت القصيد، وهو ما يجب أن تنكفئ في التفكير فيه غُرفة عمليات المقاومة الموحّدة الآن إن وُجِدت، إذا أردنا لثوراتنا أن تبلغ غاياتها وتحقق أهدافها بالوصول إلى مرحلة الدولة الديموقراطية التي عبرها يستطيع الشعب أن يستلهم حياة الرفاهية.
عبد الجبار دوسة
6 نوفمبر 2021م
jabdosa@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم