كان «الولاء قبل الكفاءة» أحد الشعارات العملية التي طبقتها الإنقاذ بحذافيرها، بهدف تمكين عضويتها في مختلف مفاصل الدولة، فتحولت البلاد تدريجياً إلى جهاز لخدمة التنظيم وأعضائه، بدلاً من أن يكون التنظيم وسيلة لخدمة الدولة والمجتمع.
ولا تبدو هذه الظاهرة حكراً على السودان. فقد اهتم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بدرجات متفاوتة، بتعيين أشخاص يضمن ولاءهم الشخصي والسياسي له في مواقع الإدارة والاستشارة. وهذا يكشف أن نزعة الحاكم إلى إحاطة نفسه بأشخاص يثق في ولائهم ليست ظاهرة سودانية أو إسلاموية بحد ذاتها، وإنما هي جزء من طبيعة السلطة حين يصبح الولاء الشخصي أهم من الكفاءة والاستقلالية.
لكن الفارق الجوهري هو أن المجتمع الأمريكي يمتلك مؤسسات ودستوراً وقضاءً مستقلاً وآليات للمساءلة تستطيع، بدرجات متفاوتة، مقاومة هذا الميل الشخصي للسلطة والحد من آثاره. أما في السودان، فقد أضعفت تجربة انقلاب الإسلاميين واحتكارهم للسلطة منذ عام 1989 هذه الآليات بصورة عميقة، وأصبح الولاء للتنظيم في كثير من الأحيان معياراً للتقدم داخل الدولة.
ومع ذلك، فإن اختزال المشكلة في الإسلاميين وحدهم قد يقودنا إلى خطأ آخر. فإذا كان الإسلاميون قد مثلوا صورة شديدة التركيز لبعض سلبيات المجتمع ــ من الأنانية والحسد والكراهية وحب الشهرة والمال والسلطة ــ فإن هذه القابليات ليست غريبة عن المجتمع نفسه، وإنما توجد فيه بدرجات متفاوتة.
ولعل جذور بعضها أقدم بكثير من السياسة الحديثة.
فالنميمة والطاعة الجماعية، على سبيل المثال، يمكن فهم بعض جوانبهما في ضوء التاريخ التطوري للإنسان. فقد عاش الإنسان عشرات الآلاف من السنين داخل جماعات صغيرة، وكان بقاء الفرد مرتبطاً ببقاء المجموعة. ولذلك كان الدفاع عن الجماعة، في كثير من الظروف، دفاعاً عن الذات.
في المجتمعات الصغيرة القديمة، كان تداول المعلومات عن سلوك الآخرين يمكن أن يؤدي وظيفة اجتماعية مهمة في حماية الجماعة من بعض الأفراد الذين يهددون تماسكها، كما كانت الطاعة والانضباط ضروريين في مواجهة الأخطار الخارجية. أي أن بعض السلوكيات التي نراها اليوم سلبية ربما أدت، في ظروف تاريخية معينة، وظيفة تكيفية ساعدت الإنسان على البقاء.
لكن ما كان مفيداً في مرحلة معينة من تاريخ الإنسان يمكن أن يتحول، في ظروف مختلفة، إلى عائق أمام تطوره.
فالنميمة يمكن أن تتحول من وسيلة لحماية الجماعة إلى أداة للغيرة والإقصاء وتشويه الآخرين، والطاعة التي كانت ضرورية لبقاء المجموعة يمكن أن تتحول إلى طاعة عمياء للزعيم أو التنظيم.
وهنا نصل إلى التوتر بين اليقين والشك، وبين الطاعة والعقل النقدي.
فالإنسان يميل بطبيعته إلى البحث عن اليقين والانتماء والطاعة، لأنها تمنحه شعوراً بالأمان داخل الجماعة. لكن العلم والحياة الحديثة والمؤسسات الديمقراطية تحتاج إلى شيء مختلف: الشك المنهجي، والمراجعة المستمرة، والقدرة على مساءلة السلطة، حتى عندما تكون السلطة التي ننتمي إليها ونثق بها.
ولهذا نحتاج، في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر به السودان، إلى قدر كبير من القدرة على النقد الذاتي ومواجهة القصور في العمل السياسي. غير أن عقلية الولاء للجماعة ما زالت حاضرة بقوة.
ومن الطبيعي أن تكون للمجموعات المعارضة المختلفة قيادات، وأن يكون هناك قدر من الولاء والانضباط لهذه القيادات؛ فبدون قدر من التنظيم لا يمكن لأي جماعة سياسية أن تعمل بفاعلية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الولاء إلى عدسة تمنع رؤية الواقع كما هو، وعندما يصبح نقد القيادة خيانة، والاختلاف معها خروجاً على الجماعة.
وهنا تحضر تجربة خليج الخنازير مثالاً بالغ الدلالة.
فقد اتسمت عملية غزو خليج الخنازير في كوبا عام 1961 بالتسرع وسوء التقدير، وانتهت بفشل كارثي. والمفارقة أن الرئيس جون كينيدي كان معروفاً بذكائه السياسي وقدرته على التفكير العميق. ولذلك ظل السؤال الذي شغل الباحثين والدوائر الأكاديمية هو: كيف استطاع رئيس يتمتع بكل هذه الصفات أن يتخذ قراراً بهذه الدرجة من سوء التقدير؟
أحد التفسيرات المهمة التي ظهرت في دراسة التجربة هو أن المشكلة لم تكن في غياب الذكاء داخل الإدارة الأمريكية، بل في ديناميكية المجموعة نفسها. فقد كان حضور كينيدي الكاريزمي قوياً إلى درجة جعلت النقاش الجماعي أقل قدرة على تحدي الافتراضات الأساسية التي قام عليها القرار. وهكذا لم يكن نقص المعلومات هو المشكلة الأساسية، وإنما عجز المجموعة عن استخدام المعلومات المتاحة لمراجعة القرار نقدياً.
وهنا تكمن المفارقة: يمكن لمجموعة أن تضم أذكى الأشخاص، ومع ذلك تتخذ قراراً غبياً إذا أصبح الولاء للشخص أو الجماعة أقوى من القدرة على نقد الفكرة.
وهذا ما يجعلني أخشى أن تكون بعض القوى المدنية السودانية قد وقعت، بدرجات مختلفة، في مأزق مشابه: ليس لأنها تفتقر إلى الكفاءات أو النوايا الحسنة، وإنما لأن تأثير الولاء للجماعة أو القيادة قد يضعف القدرة على رؤية الواقع من خارجه، ويحد من الفائدة التي يفترض أن توفرها الحوارات الجماعية.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى قيادات تمتلك الشرعية أو الشعبية، وإنما يحتاج إلى بيئة سياسية تستطيع فيها القيادات أن تسمع ما لا تريد سماعه، وأن تواجه نفسها بأسئلة صعبة، وأن تسمح لأتباعها ومؤيديها بالاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى خيانة.
ففي مواجهة الحرب والتشرد والجوع والانهيار، قد لا تكون المشكلة في غياب الرغبة في الوصول إلى الحل، وإنما في أن الولاء أحياناً يحجب الواقع الذي نحتاج إلى رؤيته حتى نتمكن من الوصول إلى الحل.
طلعت محمد الطيب
