من المزاعم المغلوطة التي يسوّق لها الانفصاليون، أن عهد دارفور بالسودان بدأ العام 1916 حين قتل البريطانيون السلطان علي دينار ثم أعادوها الى حظيرة المستعمر، بعد أن عاشت سبعة عشر عامًا حرة مستقلة كسلطنة لها علمها وجيشها وعملتها وعلاقاتها الخارجية، وبعد أن لعبت دوراً مناوئاً للحلفاء في الحرب العالمية الأولى، حقد عليها البريطانيون وما يزالون، فهي من المؤسسين للدولة الوطنية الأولى التي تمثلها جغرافيا سودان اليوم الذي نقاتل من أجل وحدته، بعد الثورة الوطنية الكبرى المندلعة في العام 1881، التي أعقبها تأسيس الدولة بعد تحرير الخرطوم 1885، ذلك التحرير الذي كان لدارفور فيه قصب السبق، باعتبار أن نائب رئيس الدولة آنذاك ( الخليفة عبد الله) قادم منها من منطقة أم دافوق بجنوبها، وكان صاحب أكبر راية انضوى تحت لوائها أكبر عدد من المقاتلين الأشداء، الذين من بينهم الجندي الذي نال شرف ضرب عنق غردون الضابط الإنجليزي المتغطرس صاحب الغليون الحاكم العام داخل القصر، القصر الذي هرب منه الجنرال البرهان، وما عاد إليه إلا بعد استخدام الكيماوي، فانظر لبؤس وجبن القائد (الوطني) واقدام وتضحية القائد الأجنبي المحتل (غردون)، ففي الوقت الذي يهرب فيه ابن البلد من قصره يموت الضابط البريطاني دفاعاً عن تاج الإمبراطورية العظمى، يا للمفارقة، دارفور لم ترتبط بالسودان عام 1916، وإنّما ساهمت بنصيب الأسد في بناء السودان في العام 1885، لهذا تراها الأكثر حرصاً على وحدة السودان وسلامة أراضيه على مر العصور والأزمنة.
لقد ساق الانفصاليون عدد من المبررات الطفولية الساذجة التي اقنعوا بها عدد من السذج من أبناء النهر، والتي لا تنطلي على عقل من سبر اغوار التاريخ القريب ناهيك عن البعيد، من بين المزاعم أنهم سوف يجنون فوائد جمّة من فك ارتباطهم بدارفور والهوامش، وبطبيعة الحال يقصدون بالهوامش كل من جنوبي كردفان والنيل الأزرق، دون أن يذكروا الهامش الشرقي لأن به المنفذ البحري، كيف لا وهم الجلابة (التجار) الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، أولى الفوائد التي زعموا أنهم سيتخلصون منها هي الخلاص من الحركات المطلبية التي اوجعت رؤوسهم، على الرغم من أن من قال حقي غلب، لكنهم جبلوا على الظلم لذلك يزعجهم الذي يطالب بحقه، حتى سارت مقولة جبانة بين اوساطهم حين يسمعون هذه المطالب يقول الفرد من هؤلاء الانفصاليين( بيعوا الوطن واعطوني نصيبي)، هي عبارة شعبية شائعة لا تسمعها الا من هذه الشريحة من المجتمعات السودانية المتماهية مع الأنظمة العسكرية، فتخيل عزيزي القارئ كيف لفرد بهذا الوجدان المشروخ أن يبني وطناً، أقول لهم أن الذي يتضجر من إعطاء كل ذي حق حقه سوف لن يقدر على ايفاء ذوي قرباه نفس الحق، فهب أن الله حقق الأماني السندسية لهؤلاء الانفصاليين وخلص لهم نهرهم وبحرهم، هل يقدرون على حمل عبء مطالب المهمشين في الشرق؟، من دواء للسل وبنيان بديل لبيوت الحطب وتعليم مجاني كما زعموا؟.
أيضاً من المزاعم التي يسوق لها الانفصاليون ويبنون عليها حججهم الواهية حول ضرورة الخلاص من امتداد دارفور الاجتماعي في السودان النهري، أن الانفصال سيقيهم شر جرائم القتل والسرقة والتسول في إشارة لا أخلاقية لأن هذه الجرائم لا تصدر إلّا من مجتمع دارفور الذي يفرخ المجرمين، في هروب ممنهج من المسئولية ظلت تمارسه الحكومات (الوطنية) منذ قيام دولة ما بعد الاستعمار، لعمري أن هذا أحط سقوط أخلاقي تمارسه هذه المنظمة المنحرفة (منظمة النهر والبحر)، كيف للجريمة أن تلصق بمجتمع بعينه؟، إنّ أولى خطوات هذا السقوط هو زعمهم صفوية وملائكية المجتمعات النهرية، التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وإسقاط إخفاقاتهم وخيباتهم على الامتدادات الاجتماعية لدارفور بوسط وشمال السودان، نقول لهم أن الإنسان هو الإنسان سواء كان في شرق الأرض أو مغربها، والحكومات هي المسئول الأول والأخير عن المآلات التي سوف يؤول إليها هذا الانسان، ونقولها بصريح العبارة أيها النهريون، أنتم عنصريون وقحون، لا تملكون مسوغاً أخلاقياً لبناء قرية ناهيك عن الطموح الكبير في بناء الدولة، فالدول لا تبنى على إزكاء الكراهية والفرز المناطقي، وبمثل خطابكم هذا ما الذي يضمن لأهل الشرق أن لا تنقلبوا عليهم يوماً ما وتصفونهم بما لم يصف به مالك الخمر؟. سوف تبقى دارفور صمام أمان السودان ولو كره الانفصاليون.
Ismail Abdallah
Email : ismeel1@hotmail.com
إسماعيل عبدالله
