جاء فى القصيدة الشهيرة للشاعر الفلسطينى توفيق زياد «على مهلى»:
وابنى للصعاليك الحياة
من الشذا والخير والعدل.
والصعلوك فى الثقافة العربية القديمة هو ذلك الإنسان الذى لفظته قبيلته بسبب الفقر أو التهميش أو اختلال موازين القوة، فصار يعيش على هامش المجتمع، معتمدا على الغزو وقطع الطريق والعنف وسيلةً للبقاء. واستدعاء هذه الصورة اليوم يبدو ملائما لوصف ما آل إليه حال السودان، حيث أخذت الدولة تتراجع لصالح المليشيات والجماعات المسلحة، حتى بدا الوطن وكأنه صار ملكا للصعاليك الجدد.
لقد بدأت الأزمة حين فرّطت دولة الإسلاميين فى احتكار العنف، وشجعت تكاثر المليشيات لتخوض الحروب بالوكالة عن المركز. ولم يكن ذلك سوى نتيجة طبيعية لتحول الدولة من مؤسسة يفترض أن تخدم المجتمع كله إلى أداة لخدمة الحزب وتمكين عضويته وإقصاء خصومه. وهكذا تبدلت الوظيفة الحديثة للدولة، فلم يعد الحزب فى خدمة الوطن، بل صار الوطن نفسه فى خدمة الحزب.
ومع ذلك، فإن اختزال الإسلاميين فى مجرد تيار رجعى يظل قراءة ناقصة. فالحركة الإسلامية السودانية نشأت وسط طلائع القوى الحديثة فى المدارس والجامعات، واستفادت من أدوات التنظيم الحديثة وآليات التعبئة السياسية المعاصرة، حتى وإن ظل خطابها الفكري يميل إلى تغليب النقل على العقل. ولذلك فهى ليست بعيدة تماما عن المجال الفكرى الذى صنع الحداثة، بل يمكن النظر إليها باعتبارها أحد تجلياتها المتناقضة.
لقد قامت الحداثة الأولى على تمجيد العقل والاعتقاد بإمكانية إخضاع الحياة الإنسانية بالكامل لمنطقه، لكنها ارتكبت خطأً جوهريا حين افترضت أن الإنسان قادر على تجاوز عواطفه وحدسه وغرائزه. فالبديهة الإنسانية لم تختف، بل ظلت تعمل متخفية خلف ستار العقلانية.
كان الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ، صاحب نظرية العقد الاجتماعى وأحد أبرز رواد الحداثة الأولى، يرى أن الدولة الحديثة نشأت أساسا لحماية احتكار قلة للمال والسلطة، وأنها أداة لقمع الإنسان واستغلاله. ثم جاء لينين ليطور هذا التصور، معتبرا الدولة مجرد أداة للقمع الطبقى ستفقد مبرر وجودها بعد انتصار المجتمع الاشتراكى وانتهاء الصراع الطبقى.
وقد أثرت هذه التصورات بعمق فى الوعى السياسى السودانى منذ فجر الاستقلال. ويكفى للتدليل على ذلك ما حدث عند حل الحزب الشيوعى وطرد نوابه من البرلمان، حين لم يُقابل انتهاك أحكام القضاء التى قضت بعدم دستورية القرار باحتجاج حقيقى يدافع عن استقلال الدولة وسيادة القانون.
فى المقابل، كان الفيلسوف الإنجليزى توماس هوبز من أوائل من نبهوا إلى أن وجود الدولة ضرورة سابقة على أى حديث عن الحرية أو العدالة. فقد شهد هوبز أهوال الحرب الأهلية الإنجليزية فى القرن السابع عشر، ورأى كيف يقود التعصب الدينى والكراهية الطائفية إلى انهيار المجتمع وتحول الإنسان إلى ذئب لأخيه الإنسان.
ورغم تصور روسو بأن الإنسان البدائى كان يعيش حياة أكثر صفاءً قبل ظهور الدولة الحديثة، فإن دراسات الآثار والأنثروبولوجيا الحديثة تكشف صورة مختلفة تماما؛ إذ أظهرت الهياكل العظمية القديمة آثار عنف وقتل واسع النطاق، بما يشير إلى أن غياب الدولة لم يكن يعنى الحرية والسعادة، بل كان يعنى الفوضى والعنف وقصر العمر الإنسانى.
إن الشرط الأول لأى مشروع إصلاحى هو وجود دولة تحتكر العنف وتحفظ النظام العام، ثم يأتى بعد ذلك النضال من أجل مزيد من العدالة والحرية والرحمة. غير أن هذا المعنى ظل غائبا عن كثير من النخب التى تأثرت بمقولات الحداثة الأولى، إلى أن جاءت تحولات فكرية لاحقة أعادت الاعتبار للمؤسسات ولأهمية الحوار الجماعى، وأقرت بأن العقل وحده لا يكفى، وأن بناء الدولة والمؤسسات هو الطريق الوحيد لترويض العنف وتنظيم الاختلافات الإنسانية.
لقد دفع السودان ثمنا باهظا لغياب هذا الوعى. فحين ضعفت الدولة وتآكل احتكارها للعنف، تمددت المليشيات، وتحولت السياسة إلى صراع قوى مسلحة لا يجمعها مشروع وطنى جامع. ولهذا يبدو السودان اليوم وكأنه وطن لا بواكى له، لأن الجميع انشغلوا بالصراع على السلطة، بينما كانت الدولة نفسها تنهار أمام أعينهم.
ملحوظة مهمة: أرجو الا يقرأ المقال فى اتجاهات عدم الاعتراف بالمظالم التاريخية لقوى الهامش او تقليل من شأن المقاومة المسلحة ضد الاسلاميين وجيشهم فى السودان .
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
