إبراهيم برسي
قرأتُ مقال الصديق الدكتور الوليد آدم مادبو باهتمام حقيقي، وأظن أن أهم ما فيه ليس فقط جرأته في الاقتراب من “الأصنام السودانية”، كما سماها، لكن أيضًا محاولته مساءلة البنية النفسية والثقافية التي جعلت قطاعات واسعة من السودانيين تستبدل النقد بالتبجيل.
أتفق معه في كثير من ملاحظاته حول مركزية الهيمنة الرمزية، وكيف ساهمت بعض النخب في إعادة إنتاج نفسها عبر اللغة والقرابة والهالة الاجتماعية أكثر من الإنجاز الفعلي. وهي قضايا شغلت عددًا من مفكرينا السودانيين، من منصور خالد إلى الخاتم عدلان، مرورًا بخالد الكِد ومحمد إبراهيم نُقد، الذين حاولوا، كلٌّ بطريقته، تفكيك أزمة النخبة السودانية وعلاقتها بالسلطة والوعي والتاريخ. كما أن مقاله يفتح بابًا ضروريًا لإعادة فحص علاقتنا بالشخصيات العامة خارج منطق القداسة.
لكنني، في الوقت نفسه، أتحفظ على بعض التعميمات القاسية، خاصة في ما يتعلق ببعض الرموز الأدبية والثقافية. فالمشكلة، في تقديري، ليست دائمًا في وجود هالة حول بعض الأسماء فقط. اذ يرتبط جانب من الأزمة أيضًا بطريقة قراءتنا نحن لهذه الشخصيات، وعجزنا عن إنتاج نقد متوازن يفصل بين القيمة الحقيقية لأي تجربة وبين الإفراط في تقديسها.
فالطيب صالح، مثلًا، يمكن الاختلاف حوله نقديًا، ويمكن تفكيك تمثلات المركز داخل نصوصه، غير أن اختزال حضوره كله في كونه “صنمًا ثقافيًا” قد يظلم جانبًا مهمًا من أثره الأدبي واللغوي والإنساني. ويكفي أن نتأمل طبقة واحدة من طبقاته السردية والرمزية حتى ندرك كم يبدو عالمه الروائي مفتوحًا على قراءات لا تنتهي، وكم أن تفكيك شفراته يحتاج إلى زمن أطول من الأحكام السريعة أو التصنيفات الجاهزة.
فـ”موسم الهجرة إلى الشمال” مثلاً، ليست مجرد رواية صنعتها الدعاية الثقافية العربية أو السودانية، لكنها أيضًا واحدة من أكثر الروايات العربية حضورًا في فضاءات الأدب المقارن ودراسات ما بعد الكولونيالية، وقد أصبحت، عبر السنوات، نصًا يُدرَّس في جامعات عربية وغربية، ضمن مقررات الأدب الأفريقي والشرق أوسطي وما بعد الاستعمار. كما دُرست في مؤسسات أكاديمية مرموقة مثل جامعة أكسفورد، وجامعة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن، وجامعة كامبريدج، إلى جانب أعمال كتّاب ومفكرين كبار مثل جوزيف كونراد وتشينوا أتشيبي وغابرييل غارسيا ماركيز وإدوارد سعيد وفرانز فانون.
كما أن أعمال الطيب صالح تُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة حول العالم، من بينها الصينية، وهو أمر يصعب تفسيره فقط عبر شبكات المركز النيلي أو عبر الاحتفاء العربي التقليدي، لأن النص لا يَعبر إلى كل هذه اللغات والجغرافيات مصادفةً، أو لمجرد الضجيج الثقافي حوله، إن لم يكن يحمل شيئًا من القدرة على ملامسة أسئلة الإنسان خارج حدوده المحلية.
كما أنني أميل إلى النظر إلى الأزمة السودانية بوصفها أكثر تعقيدًا من اختزالها في “الجلابة” وحدهم، لأن البنية التي حكمت السودان منذ الاستعمار لم تكن بنية “جلابوية”، خالصة ان صح التعبير، بقدر ما كانت، في جانب كبير منها، بنية “أفندية” صاغها المستعمر الإنجليزي بعناية، ثم ورثتها النخب السودانية بمختلف اتجاهاتها وتكويناتها الاجتماعية والعرقية، وأعادت إنتاجها داخل الدولة الحديثة. كما أن نظام الإنقاذ، خلال عقوده الطويلة، عمّق هذه البنية ورسّخها بصورة أكثر عنفًا وتنظيمًا، عبر إعادة تدوير الامتيازات وربط الولاء السياسي بالمصالح الاقتصادية والوظيفية والشبكات الاجتماعية المغلقة.
ففكرة الموظف المتعالي على مجتمعه، والمثقف الذي يرى نفسه وصيًا على الناس، والسياسي الذي يتعامل مع الدولة كإرث شخصي أو طبقي، كلها امتدادات مباشرة لذلك النموذج الأفندي الذي نشأ داخل مؤسسات الاستعمار والتعليم والإدارة المركزية.
ولهذا، ربما تكون المعضلة أوسع من صراع مركز وهامش بصورته التقليدية، لأنها تمس أيضًا طبيعة الدولة نفسها، وطريقة تكوين النخبة السودانية الحديثة، وعلاقتها باللغة والسلطة والناس. فالكثير من أبناء الهامش، بمجرد اقترابهم من المركز، أعادوا إنتاج العقلية المركزية والبيروقراطية ذاتها التي كانوا ينتقدونها، وكأن الأزمة انتقلت من الجغرافيا إلى الوعي نفسه. وربما لهذا السبب رأينا شخصيات مثل حميدتي، وجبريل إبراهيم، ومالك عقار، ومناوي، تدخل فضاء السلطة وهي تحمل، بدرجات وتجليات مختلفة، الذهنية الأفندية ذاتها التي تشكلت داخل الدولة الاستعمارية وما بعدها، حيث تتحول السلطة إلى أداة صعود اجتماعي وطبقي أكثر من كونها مشروعًا لتحرير المجال العام أو إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
ومع ذلك، يظل المقال مهمًا لأنه يحاول كسر حالة الخوف القديمة من الاقتراب من الرموز، ويدفع النقاش السوداني نحو منطقة أكثر صراحة وجرأة، وهي خطوة يحتاجها السودان بشدة، خاصة بعد كل هذا الخراب.
أعتقد أن السودان يحتاج اليوم إلى شجاعة النقد، نعم، لكنه يحتاج أيضًا إلى عدالة القراءة، حتى لا ننتقل من صناعة الأصنام إلى صناعة المقاصل.
zoolsaay@yahoo.com
