بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
عن زمن التفاهة احدثكم
زمن تداس فيه هامات الكرام ويُسحل فيه العفيف صاحب الخلق القويم ويُتوج فيه التافه على عروش الزيف ويُصفق لماسح الجوخ ولص المال الحرام وتُوزع له الابتسامات الصفراء. كذب في كذب ونفاق في نفاق حتى صار الباطل اصلا والحق شذوذا.
في هذا الزمن يتجسد قول الغوث احمد واقعا نبكيه دما:
اذا رايت ابن الكرام ذليلا ومقامه بين الناس صار قليلا
ورايت للؤماء قدرا عاليا وقصائد المديح لا تنتهي تطبيلا
ويصدق فينا قول الشاعر: اذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة اهل البيت كلهم الرقص
فالمروءة سلبت والضمائر قتلت ولا هم الا لاشباع النفس الامارة بالسوء. ومن نكباته ان بعضهم لا يستحي من المعروف بل يمن به ويتاجر فان اسدى اليك معروفا طالبك به كاملا غير منقوص. ذاك هو العري الاخلاقي في ابشع صوره.
فاعلموا ان الدهر قد انتكس وتبدلت الموازين تبديلا. لم تتغير الايام بل نحن الذين هوينا الى الحضيض. صار ميزان الرجال السيارة والبرستيج والبدلة والنفاق. فهذا سيدي لكرسيه وذاك صاحب السيادة لماله وهذا ابن فلان لاسمه لا لفعله. الكل نفاق وتزلف وكذب مبين والميزان اليوم مصلحة عمياء صماء الا من رحم الله وقليل ما هم. ما دامت لك عنده حاجة فهو الملاك الطاهر النقي فاذا قضيتها انقلب وحشا كاسرا ولوجه كالح كانه ضب نافق.او ان شئت قل ضب ميت
وسئل الامام علي كرم الله وجهه: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم الى اللئيم ثم يرده خائبا. وسئل عن الذل؟ قال: وقوف الشريف الابي على باب الدنيء. وهذا والله سهم الزمان المسموم.
انه ليس زمن المادة فحسب بل هو زمن القبح والدناءة والانحطاط. زمن الاستيحاش والاستجحاش والاستئساد والاستحمار.. زمن التفاهة بامتياز. يُحترم الجاهل السافل الفاسق اذا كان ذا مال او جاه او سلطان ويُبصق على الشريف التقي النقي لانه لا يملك الا شرفه.
لقد فُرضت منظومة كاملة للتفاهة ترفع السطحي وتكافئه وتقصي العميق وتدفنه. عصر تتراجع فيه الاخلاق وتتقدم الشعارات وتُستعار فيه القيم لتغطية مصالح سلطوية او خاصة.
هذا ليس زمن الشرفاء بل زمن الاوغاد والسفلة. ليس زمن العلماء بل زمن الرويبضات والحمقى ومدعي المعرفة قلي البضاعة. ليس زمن الصادقين بل زمن الكذابين الاشرين وتجار الكلام اصحاب العقول الجوفاء. ليس زمن الاصلاء بل زمن المهجنين المزورين الممسوخين.
وقد صدق المتنبي اذ وصفنا قبل الف عام كانه بيننا:
ومن نكد الدنيا على الحر ان يرى عدوا له ما من
فمتى ينقشع هذا الليل البهيم شديد الظلام ؟ انقلبت القيم وانتكست الفطر وفسدت المقاييس حتى صار الحليم حيرانا والكريم يتمنى بطن الارض ويكره ظهرها. وصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: سيأتي على الناس زمان يكون بطن الارض خيرا لهم من ظهرها.
في زمننا يُصفق للباطل حتى يدوي التصفيق وتُكسر اقلام الحق. يُوزن المرء بمنصبه لا بمروءته وبسيارته لا بشهامته.وبشكله لا بعلمه. يُقدم الارعن على الحكيم والمنافق على الصادق وضيف القدرات قليل الخبرات على العالم والوصولي على صاحب المبدأ. تُباع الذمم في المزاد العلني وتُشترى الكرامة بدراهم معدودة. يُهتف للصعلوك اذا ارتقى ويُدفن الشريف اذا جاع. صار الصدق تهمة والعفاف تخلفا والكرامة حماقة . يلبس اللئيم عباءة الوعظ ويخطب الاحمق في الدين والدين منه براء واختلط الحابل بالنابل وضاع المعروف في مستنقع النفاق.
ولكن اعلموا يقينا.. مهما انتفخ الباطل فمصيره الى زوال والحق وان جُرح وان طُعن فهو الباقي. ومهما كثر الدخيل فثمة رجال كالغيث اينما حلوا نفعوا لا يبدلهم مال ولا يغيرهم جاه.
وعلينا ان نأخذ العزة من الله وحده كما قال الامام الشافعي:
لا تخضعن لمخلوق على طمع فان ذلك نقص منك في الدين
لن يقدر العبد ان يعطيك خردلة الا باذن الذي سواك من طين
فلا تصاحب غنيا تستعز به وكن عفيفا وعظم حرمة الدين
واسترزق الله مما في خزائنه فان رزقك بين الكاف والنون
واستغن بالله عن الدنيا كلها كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
واختم بقول الشافعي الذي يجلدنا بسياط الحقيقة:
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا
لم اكتب هذا يأسا ولا قنوطا بل كتبته غيرة على ما تبقى من شرف وصرخة في وجه الضياع.
هذا واقع يراه كل حر ابي كريم.
والله المستعان وعليه التكلان
murtadaasgad@gmail.com
