بقلم أبشر الحاج
قال سفيان الثوري: “من تبسم في وجه ظالم أو أخذ من عطائه فقد نقض عرى الإسلام، وكتب من جملة أعوان الظلمة”.
تكمن خطورة هذه المقولة في كشفها إحدى أعمق المعضلات الأخلاقية: أن يصبح الإنسان خصم للظلم في خطابه، وشريكا في استمراره بسلوكه؛ يلعنه حين يحرم من منافعه، ويلتمس له الأعذار حين يصبح بابا لمصلحته. فالظلم لا يستمد قوته من بطش أصحابه وحدهم، بل أيضا من أولئك الذين يمنحونه القبول الاجتماعي، ويطبعون وجوده بالمجاملة و(الصمت) والتبرير.
وفي الواقع السوداني، تبرز ظاهرة تستحق المواجهة الفكرية الصريحة: التلون بحسب موازين القوة، والارتهان للمصلحة، والقدرة على ارتداء الأقنعة المتناقضة دون اكتراث بالتناقض الأخلاقي. فهناك من يتقن الوقوف في جميع الجهات، ويتحدث لكل جماعة باللغة التي تستميلها، ويحتفظ لنفسه بمخرج من كل موقف، كأنما المبادئ خيارات مؤقتة، تستدعى حين تخدم المصلحة وتهمل حين تعترض طريقها.
إنها عقلية تحول الانتهازية إلى مهارة، والتملق إلى دبلوماسية، والتناقض إلى فطنة، و(الصمت) عن (الباطل) إلى حكمة؛ حيث تفقد المبادئ قيمتها الحاكمة وتتحول المصلحة إلى المعيار الوحيد لتشكيل المواقف. وهنا تبدأ المعضلة الأعمق حين يفقد الإنسان استقلاله الأخلاقي وقدرته على تسمية الأشياء بأسمائها؛ فيرى التواطؤ حيادا والانتهازية مرونة، ويتحول العقل لديه من أداة للبحث عن الحقيقة إلى محام بارع يبرر التنازلات وينسج حولها خطابا مزيفا يحمي صورته أمام نفسه. عندها لا يعود السؤال الحاكم: ما الموقف الصحيح؟ بل: ما الموقف الأقل كلفة والأكثر منفعة؟ وهكذا يتآكل الضمير بالتدريج، لا لجهل بالحق والباطل، بل لبراعة في اختراع الأعذار التي تسوغ مناقضة القناعات. والأخطر، أن المجتمع قد يكرس هذا الانحراف حين يكافئ المتلون ويخذل صاحب الموقف، ويصف الانتهازي بالذكي، والمتمسك بمبدئه بالساذج الذي لا يفهم قواعد الحياة. ولعل أشد صور هذا الانحراف قسوة تظهر في النفاق الاجتماعي تجاه الأشخاص؛ إذ يمارس البعض ازدراء وتهميشا بحق الإنسان الذي يبدو لهم بسيطا رغم صدقه، مستخفين به وبتمسكه بأصالته وقيمه التقليدية ومستصغرين شأنه في حياته، حتى إذا ما غيبه الموت، سارع أولئك أنفسهم إلى ارتداء أقنعة الحزن الباكي، وتعديد مآثره، والإشادة بخصاله التي كانوا بالأمس يزدرونها
كما يتجلى هذا القهر الأخلاقي في أعتى صوره حين يغدر الإنسان وتسلب حقوقه وأمواله على يد أصحاب الجاه والنفوذ؛ فبدلا من أن يجد المظلوم نصرة أو تعاطفا من المحيط الاجتماعي أو أقرباء الظالم، يصطدم بجدار من التواطؤ والتبرير، حيث يقاس الحق بالمال والسلطة لا بالعدل. بل إن الوقاحة الاجتماعية تصل ذروتها حين ينقل الاتهام من الجاني إلى الضحية، فيُسأل المظلوم باستنكار وشكوك: “من أين لك هذه الأموال التي سلمتها له؟”، وكأن الجريمة ليست في الخيانة والسرقة، بل في تجرؤ الضعيف على امتلاك ما يطمع فيه الأقوياء.
عندها لا يعود التلون سلوكا فرديا معزولا، بل يتحول إلى ثقافة اجتماعية تعيد تعريف النجاح باعتباره القدرة على الإفلات من المسؤولية، لا الشجاعة على تحمل تبعات الموقف.
وقد جعلت الحرب السودانية هذه المعضلة أكثر إيلاما؛ ففي الوقت الذي دفع فيه الناس أثمانا باهظة من أرواحهم وبيوتهم وأمانهم، وجد بعضهم في المأساة فرصة لإعادة ترتيب مصالحهم وتبديل ولاءاتهم والتقرب من مراكز القوة. يتابعون اتجاه الريح، ويتحسسون مواقع النفوذ، ثم يعيدون تشكيل خطابهم وفق الجهة التي يرجحون أنها ستنتصر، وكأن المأساة العامة مجرد سوق للمصالح الشخصية.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين الانتهازية والاضطرار، واستحضار مقولة سفيان الثوري ليس دعوة لإدانة الجميع أو مطالبة الأفراد بمواجهة قوى تفوق قدرتهم. فليس كل صامت متواطئا، وثمة فرق جوهري بين من تفرض عليه القوة الصمت خوفا أو مناورة لإنقاذ أسرته، ومن يمنحها صوته طمعا في عطائها واستثمارا في معاناة الناس؛ فالضرورة قد تفرض سلوكا نفعيا اضطراريا، أما الانتهازية فتحوله إلى قناعة وتطالب الآخرين باحترامه كحكمة. المساءلة الحقيقية إذن هي للعلاقة بين الموقف والمنفعة: هل يعجز الإنسان عن مقاومة الظلم لقهره، أم يتحول إلى مدافع عنه لأنه ينتفع من بقائه؟
والسؤال الذي ينبغي أن يواجه المجتمع السوداني بجرأة هو: هل نريد وطنا تحكمه المبادئ، أم وطنا يعيد أبناؤه تعريف المبادئ كلما تغيرت موازين القوة؟ لا يمكن بناء دولة عادلة بعقلية ترى في كل سلطة فرصة، وفي كل مأساة مجالا للانتفاع، وفي كل قيمة قابلة للتفاوض. كما لا يمكن استعادة الثقة في الحياة العامة ما دام النجاح يقاس بقدرة المرء على تغيير مواقفه، لا بقدرته على الالتزام بمعيار أخلاقي واحد، مهما اختلفت هوية الفاعل.
إن أزمة السودان ليست سياسية واقتصادية فحسب؛ إنها أيضا أزمة مسؤولية أخلاقية، تتجلى حين تتقدم المصلحة الشخصية على الحقيقة، وحين يصبح الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للمبادئ، وحين يدان الظلم بحسب هوية مرتكبه لا بحسب طبيعة فعله. ولا يبدأ الإصلاح الحقيقي بتغيير الوجوه في مواقع السلطة وحده، بل باستعادة المعيار الذي يجعل الظلم مرفوضا أيا كان مصدره، والعدالة واجبة أيا كان المستفيد منها.
إن المأساة الحقيقية ليست في مسايرة واقع قاهر للنجاة، بل في بيع الابتسامة والصمت ثم الضمير للظلم، وتحويل التنازل إلى خسارة تدريجية للذات؛ فالأوطان لا يهدمها الظالمون وحدهم، بل يشاركهم من يمنحون الظلم غطاء أخلاقيا ويستفيدون منه. ويبقى السؤال الأخير الذي يحدد مصيرنا: كم تبقى من مبادئنا وأخلاقنا بعد كل مرة ادعينا فيها أننا نغير مواقفنا لمجرد النجاة؟!
