في هذا المقال يقصد بـ “حروب دولة” الفلول، سلسلة الانقلابات العسكرية التي نفذها الاسلامويون، أصالةً أو وكالةً، والتي تتكون من انقلاب 30/6/1989م الذي أطاحوا به بالحكومة الشرعية، و استولوا على الحكم و فرضوا حكمهم بحد السيف، و الانقلابات التي تلته ونفذت للمحافظة على الحكم الذي انتزعه الانقلابيين غلاباً واغتصاباً. و من بينها بالطبع انقلاب 25 أكتوبر 2021م، الذي قاده الفريق البرهان، كحلقة في سلسلة انقلابات “دولة الفلول” بل ـ إن شئنا الدقة ـ فهو النسخة الخامسة من انقلابات الاسلامويين، وذلك بحسبان أن النسخة الرابعة من تلك الانقلابات كانت هي: ” مجزرة فض الاعتصام في 3 يونيو 2019م”، التي قصد بها عسكر اللجنة الأمنية توجيه الضربة قاصمة الظهر و الحاسمة للثورة المجيدة و الكفيلة في نظرهم (بهزيمتها و القضاء عليها قضاءً مبرماً) لتحقيق “صيغة منتهى اشتهاء”، العسكر ومعهم فلول نظام البشير و هي الغاية التي عجز عن بلوغها “مزدوج” انقلاب الفريقين عوض بن عوف و عبد الفتاح البرهان “فيلمين في برنامج واحد” (الطبعتين الثانية والثالثة حروب دولة الفلول).
و لم يكن المؤتمر الوطني منذ تأسيسه و طوال عمره سوى قناع “Mask” يختفي خلفه الحاكم الفعلي وهو جهاز الأمن و المخابرات. و لانتفاء وجوده كفاعل حقيقي وحيوي في الحياة و انعدام تأثيره السياسي والاجتماعي على الناس فإن حلول عسكر اللجنة الأمنية للنظام محل تنظيم الاسلامويين في معركة مواجهات معارضيه من الخصوم الفكريين والسياسيين في ديسمبر 2019م وقبلها في سبتمبر 2013م، لم تكن مصادفة أو حدثاً مستغرباً.
وهكذا فإن تنظيم الاسلامويين الذي ظل على الدوام يدع و يباهى كذباً بالصفوية و يلهيه التكاثر والتفاخر بعدد حملة الاجازات الأكاديمية العليا بين عضويته قد أحل بكل سهولة ويسر وسلاسة العسكريين محل المدنيين في قيادة التنظيم. وعليه فلا غرو أن ظل عسكر اللجنة الأمنية هم رأس الرمح الذي يتصدى لمعارضي النظام وخصومه منذ 30 يونيو 1989م، كما لا غرابة أيضاً أنهم يقودون اليوم حلف القوى المضادة لثورة 19 ديسمبر 2018م المجيدة والذي يشمل الفلول ونقصد بهم منتسبي (أحزاب المؤتمرين الوطني والشعبي والاصلاح الآن) ومعهم حلفاءهم في حركات صفقة جوبا “التجارية” وقوى اعتصام القصر المدفوع الأجر بالموز و الأحزاب المستأجرة “كشقق مفروشة” لفلول النظام من الباطن و قوى التخذيل والردة والهبوط الناعم داخل وخارج قوى الحرية والتغيير.
و في تقديرنا المتواضع أن إحلال العسكر محل المدنيين في تنظيم الاسلامويين السياسي لينهض دليلاً على استهانتهم بدور الحزب السياسي وبضرورة نشاطه السياسي معاً. و يؤكِد كل ذلك أن التنظيم لا يعدوا في نظرهم كونه محض أداة و وسيلة للوصول إلي الحكم، تفقد جدوى وجودها وبقائها “في نظرهم القاصر” بمجرَد تحقيقهم تلك الغاية. وهذا النظر هو ما طبقه حرفياً الدكتور الترابي ٌرحمه الله وغفر له” بمسارعته بحل تنظيمه وتسريح قادته بمجرَد وصولهم للسلطة (عبر انقلاب)، وذلك في مشهد درامي مذل لقادته وكادره الذين استفزهم و أحزنهم أن يجمعهم شيخهم و يشكرهم على حسن خدماتهم و يصرف لكل واحد منهم مصحفاً كـ “مكافأة ما بعد الخدمة” و لزوم تجويد التلاوة بعد أداء الواجب. و كل ذلك في إشارة واضحة إلي الاستغناء عنهم و إلي أن دور التنظيم قد انتهى. وكم ساءهم “كما عبر بعضهم” أن قام شيخهم بـ “تحرير شهادة وفاة تنظيمهم” بخط يده و ذيله بتوقيعه.
و نماذج استهانتهم بالتنظيم تكاد لا تحصى و لا تعد و منها ما حكاه الراحل الأستاذ يس عمر الإمام ” أحد قيادات التنظيم التاريخية” إذا قال: أنه و في مبادرة منه لرأب الصدع في التنظيم بعد مفاصلة 1999م كان قد حاور البشير و اتفق معه على أن يستنير بآراء بعض قياداته التنظيم. و لما اتضح له فيما بعد أنه فلم يفعل، استفسر يس عمر البشير عن السبب، فقال الأخير للأول أنه يعتبر الحزب لا أهمية له “أي كلام بعبارة البشير” وأن المهم جهاز الدولة ” مستودع القوة والسلاح وجهاز القمع”.
و النموذج الآخر هو استغناء البشير “عملياً” عن المدنيين و إحلال العسكر محلهم في الحزب والدولة (بكري و ابن عوف) تدريجياً بعد هبة سبتمبر 2013م، وبعدها خاصة عندما أحس بدنو أجل نظامه وقرب ساعة مواجهته مع الشعب. وعموماً كانت وجهة الاسلامويين بعد استيلائهم على الحكم هي اهمال التنظيم و ركزوا كثيراً على فرض سيطرتهم وهيمنتهم الكاملة على قيادة المؤسسة العسكرية، و ترتب على تركيزهم على السيطرة على المؤسسة العسكرية بناءهم جهاز الأمن والمخابرات، الذي راح يكبر و يتوسع حتى ابتلع التنظيم ودولته. فانطبق على قادة الاسلامويين بيت الشعر:
ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده تصيده الضرغام فيما تصيدا.
و إلي ذلك أشار بعض أخلص أبناء الحركة الاسلاموية و أكثرهم إسهاماً في مجال الفكر والتنظير منهم الدكتور طيب زين العابدين و الدكتور عبد الوهاب الأفندي و الدكتور التجاني عبد القادر والأستاذ المحبوب عبد السلام…… إلخ. و قد هالهم أن استحال الحزب الذي أفنوا زهرة شبابهم في صفوفه و أسهموا في بنائه بعطاء أنضر أيام أعمارهم في خاتمة المطاف إلي جهاز أمني قابض قام بابتلاع التنظيم والدولة معاً. و اجمعوا على أن مصير تنظيمهم “الصفوي افتراضاً و بالأحرى توهماً” على يد “عسكر” جهاز الأمن والمخابرات لم يكن أفضل، بأي حال من الأحوال، ممن جعل الضرغام بازاً لصيده من حيث بؤس المصير وسوء المنقلب المضمر في نص بيت الشعر أعلاه.
و قد تم اختيار البشير لعسكر اللجنة الأمنية لنظامه في ظل حملة محمومة لتصفية وجود أي شخص مشكوك في ولائه للنظام في جهاز الدولة “بشقيه المدني والعسكري” اختار البشير عسكر اللجنة الأمنية وصعدهم لقمة هرم المؤسسة العسكرية ليمثلوا رأس الرمح في آلية ومنظومة الدفاع عن النظام وحمايته. و لا شك أن اختيارهم لم يكن اعتباطاً بل تم في سياق مراجعة شاملة و فحص دقيق بغرض تقريب العناصر الموالية وتصعيدها و تصفية العناصر غير الموالية وابعادها من المؤسسة العسكرية وتقريب العناصر الموالية و ذلك في إطار عملية إعادة بناء الدولة الثيوقراطية ذات التكوين الحزبي و الأيديولوجي. و إذا كان ذلك كذلك، فمن الطبيعي و المنطقي جداً، أن يحل عسكر اللجنة محل التنظيم في الدفاع عنه و أن يطمع ، من ثم، في خلافة المخلوع و وراثته في الحكم، و عليه فلا غرو أن يصارعوا و يقاتلوا من ثم لأجل تحقيق أحلامهم أو بالأحرى أطماعهم. وهي أطماع قد تحققت لهم بقوة السلاح فحكموا (منفردين) من (11 /4/ 2019م وحتى أغسطس 2019م)، باسم المجلس العسكري الانتقالي، ثم شاركوا في مكونات الحكم الانتقالي، منذئذٍ وحتى 25 /10/2021م باسم المكون العسكري بالمجلس السيادي، ثم انفردوا أخيراً بالحكم بعد استيلائهم على السلطة بانقلاب 25 أكتوبر 2021م. وهو انفراد أكَدت الدلائل والبراهين على أن الفلول أصالةً ( وهم أعضاء التنظيم من المدنيين) و الفلول وكالةً ( وهم منسوبيه من العسكر و حلفائهم) قد سعوا إليه تباعاً وبإصرار محموم منذ انقلابهم في 11 إبريل 2019م.
و لذلك إذا كان سلوك وتصرف قادة نظام الاسلامويين منذ 1989م و حتى سقوط رأس نظامهم تجاه معارضيهم قد اتسم بالغلو و الإسراف في القمع البطش والتنكيل والقتل واسترخاص حياة المتظاهرين والمحتجين السلميينفلا غرابة أن يتسم سلوك وتصرف فلولهم، بعد سقوط البشيرو حتى اليوم ضد الثوار بنفس الغلو و الإسراف في القمع البطش والدموية. وسبب ذلك هو أن الفلول أصالةً و و كالةً كانوا قد راهنوا ” وما زال يراهنون” على قدرتهم على قمع معارضيهم وخصومهم و البطش والتنكيل بهم لإخضاعهم عنوةً وجبراً لحكمهم. و ما يحدث الآن من قِبَلْ تحالف عسكر الانقلاب والفلول هو الوجه الآخر لاعتماده على هذا الرهان المعول أصلاً على إمكانية ضرب و زعزعة تماسك وصمود الثوار وكسر شوكتهم و هزيمتهم بالعنف الدموي و الوحشي المفرط.
و نخلص من كل ذلك إلي أن اللجنة الأمنية و بصفتها رأس الرمح في ترسانة الدفاع عن النظام والزود عن بقائه، كانت قد أشرفت على كل معارك النظام المخلوع (رأسه) في مواجهة معارضيه في أي زمان ومكان بين 1989م و 25 أكتوبر 2021م وحتى الآن. وبعبارة أخرى فقد أنابت اللجنة عن نظام حكم الاسلامويين في إدارة الصراع ضد خصومه وبذلك تكون هي المسئولة عن تنفيذ كل عمليات العنف الدموي الفالت ضد المتظاهرين والمحتجين والمعتصمين. وما لا شك فيه هو أن اللجنة الأمنية قد أبدت في تصديها لمعارضي النظام بالعنف الدموي الوحشي أقصى درجات حرصها لتحقيق رغبة النظام وهي الإجهاز على أي تحرك أو إسكات صوت أي محتج أو إخماد أنفاسه بكل السبل ومنها تدريب وتجهيز قناصي مليشيات الفلول وكتائب الظل على اطلاق الذخيرة الحية على رؤوس وصدور المحتجين والمعارضين و أردائهم قتلى ومضرجين في دمائهم. و هو ما فعلته مليشيات وكتائب أمن النظام في كل الهبات والانتفاضات الشعبية ونذكر منها، مثالاً دون حصر، انتفاضة سبتمبر 2013م وثورة ديسمبر 2018م و مجزرة فض الاعتصام يونيو 2019م حيث تولت اللجنة الأمنية للنظام ادارة المعارك في مواجهة الثوار ميدانياً فانتهت في انتفاضة 2013م مثالاً دون حصر، بمصرع أكثر من مئتين من الشباب من الجنسين سقطوا صرعى برصاص القناصين في الشوارع. سئل المخلوع البشير عن كيف تمكن من إخماد هبة سبتمبر 2013م فذكر (مباهياً) أنهم جربوا مع المتظاهرين والمحتجين الخطة “أ” فلما لم تحقق نجاحاً قابلوهم بالخطة “ب”. فقال: فتمكنا من ردعهم و اسكات أصواتهم وأخلاء الشوارع في زمن وجيز فلم يبق فيها ـ على حد زعمه ـ هناك محتج واحد. وتؤكد كل الوقائع والمعطيات وقرائن الأحول و الأقوال بأن نظام الاسلامويين قد اعتمد منذ ذلك الوقت الخطة “ب” التي طبقها المخلوع البشير ضد المتظاهرين في هبة سبتمبر 2013م واستمر من آل إليهم الحكم بعد 11 إبريل 2019م في اعتماد وتطبيق نفس الخطة “ب” و أنهم ما زالوا يطبقونها الآن في الفترة ما بين الانقلابين (2019م ـ 2021م) وبعدها.
وبما أن اختيار عسكر اللجنة الأمنية للنظام وتصعيدهم، كان في سياق بناء قيادة المنظومة الأمنية للدولة الثيوقراطية ذات التكوين الحزبي و الأيديولوجي، كما أسلفنا القول، فإن اللجنة الأمنية قد شكلت جزءً هاماً من جهاز دولتهم، وعليه فلا شك أن عسكرهم لم يكونوا بمعزل عن صراع القوى على كراسي الحكم داخل التنظيم و الدولة. و هذا ما عبَرت عنه قيادات نافذة في الأجهزة الأمنية سابقاً لبداية الزلزال و علامات التضعضع والانهيار في التنظيم و الدولة حيث جاهرت برغباتها في الحلول “بالتضامن أو بالانفراد” محل البشير، و منهم “قوش و ود إبراهيم وآخرين”. و لا شك أن هذه الرغبات قد عاودت وظهرت لتداعب خيالات الكثيرين من عسكر اللجنة الأمنية، لا سيما بعد أن تأكد لهم أن شمس النظام قد بدأت في الغروب، وأن المخلوع البشير بالذات قد أصبح “كرتاً” محروقاً وأن استمراره في الحكم قد أصبح من سابع المستحيلات.
ونخلص من كل ما تقدَم ذكره أن رغبة العسكر في الحلول محل البشير في الحكم هي التي تفسر استيلائهم على الحكم في 11/4/2019م وليس زعمهم الباطل والكذوب والخيدع بأنهم قد انحازوا لخيار الشعب. فمن ينحاز إلي الثوار لا يقف موقف الغريم والمنافس والعدو الألد لممثليهم و لا يسعى للاستيلاء على الحكم و الانفراد به طوال مدة الفترة الانتقالية. و لا يعقل أصلاً أن ينحاز لخيار الثوار من كان رأس رمح في حماية النظام المخلوع والدفاع عنه!!! كما لا يعقل أصلاً أن ينحاز لجانب قوى الحرية وللتغيير من كان في موجهتهم يدافع عن النظام!!..
وتؤكِد مواقف عسكر اللجنة الأمنية العملية أن انحيازهم كان لفلول النظام الذي أسقطوه!!. بل أن سعي العسكر كان و لا زال الاستجابة لمطالب فلول النظام المعلنة: وهي: تدخل الجيش والاستيلاء على الحكم و اقصاء الثوار وممثليهم من دوائره و حياضه. علاوةً على ذلك فقد أفصحت “قرارات بيان انقلاب ابن عوف و بديله البرهان” عن نوايا عسكر اللجنة المصممة خصيصاً لتحقيق غرض واحد هو تجريد الشعب يومها من سلاحه الوحيد الذي كان يحارب ويقاتل به نظام البشير لإسقاطه!! فماذا يبقى للشعب من سلاح يحارب به النظام بعد حرمانه بموجب إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال وأوامر اعتقال من يخالف أمر الحظر ؟؟!!.
و لا يختلف اثنان “و لا تنطح عنزتان” على أن عسكر اللجنة الأمنية قد أجالوا أبصارهم فرأوا نظامهم يتهاوى ويتداعى و قد ضيق عليه الثوار الخناق أحكموا عليه حصارهم من كل جانب فتيقنوا أنه ساقط ومنهار لا محالة فلم يجدوا أمامهم خيار آخر سوى اللجوء إلي سناريو انقلابهم واستيلائهم على الحكم باعتباره الحل الوحيد المتبقي لهم ليحاولوا إنقاذ ما يمكن انقاذه من النظام علهم يحولون دون سقوطه الشامل و التفكيك التام تحت ضربات معاول التغيير وثورة الشباب ” من شفاتة وكنداكات”. وهذه هي الحقيقة الساطعة التي تفسِر قرار العسكر تنحية البشير و ايقافه و التحفظ عليه “في مكان آمن” كما ورد في البيان!!. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن اللجنة الأمنية لم تفعل ما فعلت إلا بنية حلولها محل المخلوع في الحكم؟؟؟!! علها تفلح في المحافظة على بقاء جهاز “دولة الأيديولوجيا” بمكوناته وتشريعاته و سياساته كما هو دون المساس به مع إجراء تعديلات شكلية لا تغير في جوهره، مثل: إحلال الكادر غير المكشوف محل كادره المكشوف، في جهاز الدولة “بشقيه المدني والعسكري”، و البحث عن مشاركة قوى سياسية حليفة في الحكم بدعوى توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام … إلخ، مع التشبث قدر المستطاع بالمحافظة على جهاز دولة حزب الأيديولوجية و الشمولية الذي بناه النظام المخلوع طوال ثلاث عقود عليه مع الابقاء عليه على ما كان عليه دون أدنى تغيير يذكر. و المعلوم أن هذا الخيار هو المعروف ” بالهبوط الناعم ” و الذي تتبناه حرفياً قوى مضادة للثورة تتكون من أحزاب و حركات مسلحة و مدعومة من أقطاب دولية غربية و قوى إقليمية بقيادة مصر وحلفائها.
و لأجل المحافظة على المؤسسة العسكرية على ما كانت عليه ودون تغيير رفض عسكر اللجنة الأمنية تبعية وزارتي الدفاع والداخلية لسلطة رئيس الوزراء المدني و ناهضوا عملياً فكرة اصلاح المؤسسة العسكرية مناهضة قوية و اصروا إصراراً شديداً على الحفاظ عليها دون مساس واستماتوا منذ 11 إبريل 2019م و حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021م للإبقاء عليها كما هي. وما لا شك فيه هو أنه لو لا فلاح العسكر في الابقاء على المؤسسة العسكرية على ما كانت عليه في عهد المخلوع دون تغيير ـ بكامل آثار تمكين الاسلامويين منها و هيمنتهم عليها ـ لما كان تنفيذ انقلاب البرهان نفسه ممكناً.
حروب (دولة الفلول) هي في حقيقتها عملية واحدة متشابكة ولها هدف نهائي واحد تضافرت لتحقيقه سلسلة من أحداث تبدو متفرقة و متباعدة ومتباينة، لا رابط بينها ظاهرياً، ولكنها واقعياً وعملياً، مترابطة و متداخلة و متشابهة بل تكاد تكون متطابقة و متماثلة الخطوط الرئيسية في كثير من أجزائها. ولذا تجد أن بيان انقلاب 11/4/ 2019م و خطاب ما بعد مجزرة فض الاعتصام ثم بيان انقلاب 25/10/2021م تشترك كلها بل تتطابق تقريباً في الملامح والسمات الأساسية و تتلخص في إعلان عسكر اللجنة الأمنية رغبتهم في الانفراد الحكم ومن ثم إضمارهم العداء والخصومة لقوى الحرية والتغيير والتدافع الشديد لمزاحمتها ومنافستها (كخصم وغريم). و في المحصلة نجد أن رغبة العسكر التي تستبطن خصومة للثوار تدفعهم بالضرورة لهزيمة الثوار تحقيقا لمصلحتها في اجهاض شعارات و برنامج الثورة عملياً. و لذا فإن إنكار مجاهرة العسكر قيادة قوى الحرية والتغيير للثورة و جحدهم و عدم اعترافهم بدورها في الاطاحة برأس النظام هو صراع سياسي بين قوتين متنافستين. و بمحاولتهم فرض لجنتهم لقيادة الفترة الانتقالية “و لو جبراً”، فإن عسكر يقصدون إجبار الثوار على قبول إحلال حكم عسكري شمولي جديد “بقيادة العسكر” محل حكم النظام المخلوع الذي أسقطه الثوار، حتى ينطبق عليهم المثل: ” و كأننا يا زيد لا رحنا و لا جينا”.
و في المحصلة نجد أن بياني 11/4/2019م و 25/10/2021م قد أوقفا العمل بالدستور الانتقالي لسنة 2005م، أو جمدا بعض أحكام الوثيقة الدستورية و أعلنا حالة الطوارئ في عموم البلاد وفرضا حظر التجول… إلخ. وهي نفس محصلة قرارات المخلوع البشير في أيام حكمه الأخيرة من سنوات. أي أن البيانين لا يعدوان كونهما اعادة انتاج لقرارات واجراءات نظام البشير في أيامه الأخيرة.
فماذا ـ يا ترى ـ كان يحلم حاكم تحاصره جموع المحتجين الغاضبين من كل جانب غير إعلان حالة الطوارئ و حظر التجول ومنع التجمع. إن البيانين قد مثلا تجريداً عملياً للشعب من سلاحه الوحيد الذي يحاب به. و لا شك أن ذلك قد مثل صيغة منتهى اشتهاء الحاكم دون أدنى شك!!. ويقيني أن المخلوع البشير نفسه وقتها لو استقبل من يومه ما استدبر لما اشتهى أكثر مما أعلنه ابن عوف و البرهان في بياني انقلابيهما!! كيف لا وقد أبطلا بإيقافهم و تعطيلهم حقوق التجمهر والتعبير و التظاهر و الاحتجاج و المطالبة بإسقاط الطغاة والفاسدين … إلخ مفعول سلاح المعارضة الوحيد.
وصفوة القول أن اللجنة الأمنية لنظام البشير قد بلغت بانقلابها في 25 أكتوبر 2021م لما كانت تخطط له هي والفلول في صراعها الطويل في مواجهة قوى الحرية والتغيير، منذ 11 إبريل 2019م و هو إقصاء قوى الحرية والتغيير “ممثلة الثوار” من المشهد السياسي وانفرادها هي بالحكم أصالةً أو وكالةً، وتوطئة لإعادة فلول النظام المخلوع، إلي الحكم من جديد.
فات على عسكر اللجنة الأمنية أن الميول الأيديولوجي و التعاطف السياسي تكشفه وتفضحه المواقف العملية عند احتداد الصراع و احتدام المعركة بين الكتل السياسية المتنافسة. و واهم من يراهن في أتون مثل هذه الصراعات على قدرته في إخفاء ولائه السياسي أو مدارات تعاطفه ميوله الأيديولوجية. و واهم و مخطئ أيضاً من يعتقد منهم أن مجرَد انتمائه للمؤسسة العسكرية كافٍ لإقناع الناس بحياده وعدم تحزبه. فالبشير وصحبه لم يأتوا إلينا من منتزه هايد بارك، بل جاءوا من الجيش كما يخطئ أيضاً من يتوهم صعوبة أو استحالة تمييز أفعاله وتصرفاته ذات الحمولات الأيديولوجية و المدلولات السياسية الظاهرة الميول، وهي في كثيرٍ من الحالات ميول تكاد تقرع بأجراسها الآذان “كما يقال”. ونذكر أدناه بعض نماذجها التي عكستها وسائط الميديا:
– فهناك مثلاً شريط فيديو مسجل صورة صوت لأحد قيادات الدعم السريع قال صاحبه، ان الاعتصام أمام قيادة العامة يجب أن يفض لأن ما يحدث فيه مخالف للقانون و أشار أيضاً أن ميدان الاعتصام فيه خمور و مخدرات.
– وهناك أيضاً تسجيل صوتي (فقط) دون صورة متداول في الأسافير، (يرجِح الناس أنهم قد تعرفوا على نبرات صوت صاحبه المألوفة لديهم). و قال فيه صاحب الصوت: ان الاعتصام أمام قيادة العامة يجب أن يفض بأي أسلوب بما في ذلك القوة. وقال صاحب الصوت “المحفوظة والمألوفة نبراته”: “قشوهم ما تجاملوهم” لأن الذين يشاركون فيه صعاليك. و نسبت المادة الصوتية إلي أحد أعضاء المجلس العسكري الانتقالي باسمه. ومن المرجح أن تكون نسبة صاحب الصوت إلي عسكر اللجنة صحيحاً بدليل أن صاحبه كان يأمر مرؤوسيه من العساكر بفض الاعتصام بالقوة و كان يزجر ويوبخ من أبدوا تعاطفاً منهم مع المعتصمين قائلاً: ” ما تقولوا ديل اخوانا وأولادنا، لو سمحتم لأخونكم وأبناءكم، المشاركة في الاعتصام أنتو ذاتكم صعاليك زيهم”. ثم استنكر بلهجة حادة هتاف المعتصمين “سقطت ما سقطت صابنها” و “مدنياووو” فقال: “أنتم لا تمثلون الشعب و لا تحددون له ما يريده!! و”إنتو مين ومين الفوضكم” “وعلى كيفكم انتو يا علمانيين و شيوعيين ملاحدة”. “و أنتم معكم في ميدان الاعتصام كل الخمور و المخدرات و أضاف صاحب التسجيل الصوتي أن معهم (عاهرات) واستخدم اللفظة السوقية”.
و نخلص من ذلك إلي أن مناوئة عسكر اللجنة الأمنية للثورة و الثوار ليس موقفاً طارئاً أو مستحدثا أو انفعالياً وقتياً بل هو عداء معلن ومستحكم و قديم و يقابله انحيازهم الواضح و الجهير لفلول النظام و حلفائه بل أن كلا الموقفين مدعومين “من العسكر” بأسباب و أسانيد فكرية و نظرية “الأيديولوجية” مبررة ومسوغة لاختصام قوى الحرية والتغيير. و سنضيف أدناه بعض الأمثلة الموضحة لعداء عسكر اللجنة الأمنية للثوار و موالاتهم للفلول و انحيازهم لهم:
– في الثلث الأخير من إبريل 2019م عقد (عضو المجلس العسكري الانتقالي وقتها) الفريق عمر زين العابدين اجتماعاً مع ممثلين للفلول منهم: عبد الحي يوسف” هيئة علماء السودان”، و معه ممثلين للمؤتمر الوطني، و المؤتمر الشعبي، والاتحادي الديمقراطي و أحزاب الفكة (التي شاركت البشير و نظامه في الحكم حتى لحظة سقوطه). و في اجتماعهم مع الفريق عمر وصف أكثر من متحدث ممن شاركوا في الاجتماع الثوار المحتجين و “المعتصمين وقتها أمام القيادة العامة” بأنهم من العلمانيين والشيوعيين دعاة شرب الخمر والرذيلة. “موقع صحيفة الراكوبة الالكتروني 23/4/2019”. و انتهى اجتماع الفلول إلي تفوَيض عسكر اللجنة الأمنية، باسم هيئاتهم وأحزابهم بعدم تسليم السلطة لليسار العلماني والشيوعي المعروف بقوى الحرية و التغيير (مهما حصل) وطالبوا (أخيهم في الله) الفريق زين العابدين بتكوين حكومة من التكنوقراط تقود البلاد بحماية الجيش.
من لم يلحظ التطابق الحرفي التام بين لغة دعاية الفلول أصالةً ولغة الفلول وكالةً ليس مصاباً بالحول السياسي فحسب بل بالعمى!!.
ـ و لكن و لأسباب خارجة عن إرادة عسكر اللجنة الأمنية أخفقوا في الوفاء بوعدهم لفلول النظام المخلوع في صفقاتهم السرية معهم بعدم تسليم الحكم لقوى الحرية والتغيير. و كشف ذلك وفضحه بكاء و نحيب و ولولة فلول النظام المخلوع وشقهم الجيوب ولطمهم الخدود بدعوى خيانة المجلس العسكري الانتقالي تعهده لهم بعدم تسليمه السلطة لقوى الحرية والتغيير، وذلك عند توقيع مندوب المجلس العسكري الوثيقة الدستورية الاتفاق السياسي التي منحت بموجبهما قوى الحرية والتغيير حق تكوين كامل مجلس الوزراء و المشاركة بأعضاء في المجلس السيادي و تشكيل أغلبية المجلس التشريعي تمثل (67%) من عضويته. و هنا جاهر و كشف عبد الحي يوسف و محمد علي الجزولي و محمد عبد الكريم الأمين و محمد ناجي (دباب المؤتمر الوطني) تعهد المجلس العسكري لهم بعدم تسليم الحكم لقوى الحرية والتغيير. فأعلن المذكورون أن المجلس العسكري بتسليمه الحكم لقوى الحرية والتغيير قد خان أمانة الله و خالف وعده و حنث بعهده لهم بعدم تسليمه السلطة لمن وصفوهم بدعاة العلمانية و سدنة الالحاد و الكفر الذين يريدون إطفاء نور الله و اشاعة الفاحشة و شرب الخمر.
ولا شك مطلقاً، في أن وحدة قوى الثورة و تراص صفوف الثوار على أيام اعتصامهم أمام القيادة العامة وتمسكهم بمكتسباتهم و حقوقهم بقوة، و مقاومتهم الشرسة لمخططات خصومهم هو الذي هزم نية عسكر اللجنة الأمنية في الايفاء بوعدهم للفلول و اضطرهم مرغمين و مكرهين للإقرار (بعد طول جحد وانكار) بدور قوى الحرية والتغيير في الاطاحة برأس النظام وقادته و بحقها بالتالي في تكوين أجهزة الحكم الانتقالي الواردة في الوثيقة الانتقالية. و دليلنا على ذلك هو أن العسكر قد عادوا الجحد والانكار إلي من جديد بعيد فض الاعتصام مباشرة وقرروا إيقاف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير وإلغاء كل ما تم الاتفاق عليه معها والانفراد بالحكم وإجراء انتخابات بعد تسع أشهر، كما عادوا أيضاً بعد انقلاب 25 أكتوبر 2012م.
– وفي شريط فيديو آخر متداول في الشبكة العنكبوتية خاطب الفريق ياسر العطا (بصفته عضواً في المجلس السيادي) جمعاً من المواطنين كرَس جزءاً مقدراً منه في ذم وهجاء ومهاجمة تنظيم سياسي عضو في قوى الحرية والتغيير و سعى بكل ما يملك و “ما لا يملك” إلي تأليب من خاطبهم على ذلك التنظيم. فأثني و بأسلوب التعريض والهمز واللمز “المعلوم” على كل أحزاب قوى الحرية والتغيير عدا الحزب المراد التأليب ضده فمدحها بالإشارة إلي تاريخها الناصع مما يفهم منه بمفهوم المخالفة أن تاريخ الحزب المقصود بالهجاء و محل الهجوم ليس ناصعا ومشرفاً. و انتهى للقول بأن وصفه بأنه حزب صغير الوزن الجماهيري و أستنكر أن تكون عضويته مسيطرة و مهيمنة على أغلبية مقاعد تجمع المهنيين. ” و يبدو أننا في هذا الزمن الأغبر نحتاج أن نبيِن لبعض من رمى بهم حظ السودان العاثر في ميادين العمل العام أن السيطرة على مقاعد تنظيمات المهنيين لا تتم بالدبابات والبنادق والمدافع بل بنيل ثقة وأصوات المهنيين”. كما نحتاج حتماً لتوضيح أنه يمتنع على ضباط المؤسسة العسكرية الخوض في السياسة و في شئون من يقود النقابات المهنية كما يمتنع عليهم إبداء مثل هذا الموقف المنحاز سياسياً لجهة بعينها والمطابق لمواقفها و المضاد في ذات الوقت لجهة أخرى.. لأنهم إذا فعلوا ذلك قد أصبحوا سياسيين واقتحموا ميدان الصراع السياسي والاجتماعي و أصبحوا بالتالي عرضة للنقد والهجوم و يمتنع عليهم عندها الاحتماء بالبزة أو الرتبة او الوظيفة العسكرية لادعاء الحياد.
– و ثالثة الأثافي هي أن من يعلنون الحرب على قوى الثورة عامةً، ويخصون بعضها بصفات مثل مثيري الفتنة و غير الراغبين في الاستقرار و الأمن والمهددين للمرحلة الانتقالية … إلخ انما يفعلون ذلك بصفاتهم الدستورية كأعضاء في المجلس السيادي. ومنهم رئيس مجلس السيادة الانقلابي ونائبُه، وفي هذا استغلال لوظائفهم الدستورية و تحويلها الي منبر تستخدم لتصفية الخصومات السياسي، ومع ذلك يتوهم هؤلاء حصانة أرآهم ومواقفهم السياسية البحتة. ويبدو أن عسكر اللجنة الأمنية بفعلهم هذا يحاولون تحقيق المستحيل وهو :أن “تحاحي الطير وتشرك له” في نفس الوقت كما يقول المثل العامي.
ميز هجوم الفريق العطا على عدوه وضوح هدفه فهو لم يكن هجوماً على خصم مجهول. و رغم عدم ذكره تصريحاً فقد ألمح إليه تلميحا أغناه عن التصريح.” و كأني به وقد قال: ” أنا لن أذكر اسم الحزب الذي أهاجمه ولكنه له مقر بالخرطوم اثنين و “الحرف الأول” من اسم سكرتيره السياسي هو محمد مختار الخطيب!!. و هكذا على طريقة ” بضبحوه في العيد وبقول باع!!!!”.
وإذ يحاول عسكر الجنة الأمنية عبثاً إخفاء انحيازهم الواضح للفول و غش الثوار بإبداء تعاطفهم الكاذب والمخادع لهمر فإنهم يخلطون الحابل بالنابل وهم يخوضون فيما لا ينبغي لهم الخوض فيه فيبدو الواحد منهم و كأنه “يغطي وجهه و سوأته مكشوفة”!!!.: والعبارة هي ترجمة لمثل نوبي نصه الحرفي هو:” أوسور ويرجافين كونجنقا تيقى” و معناه المجازي أو مفاده تساؤل استنكاري مقصود به السخرية بمن يغطي وجهه وسوأته مكشوفة صيغته هي: “ما جدوى تغطية وجهك إذا كنت سوأتك مكشوفة وفي السهلة”؟؟!!!. و ذلك بقرينة أن السوأة هي الأولى بالستر لا الوجه!!. ونوجه هذا التساؤل بدورنا لعسكر اللجنة الأمنية؟؟!!!
إذن فقولنا بأن عسكر اللجنة الأمنية “بالتضامن والانفراد” موالون لفلول والنظام المخلوع ليس افتئاتاً أو تجنياً على أحد أو رمياً للقول على عواهنه، ودليلنا على ذلك هو رصدنا بعاليه من أقوال وأفعال عسكر اللجنة الأمنية المعادية تماماً لشعارات ومبادئ الثورة والبرنامج السياسي لقوى الحرية والتغيير و المطابقة تماما للخط الدعائي للفلول و حلفائهم بل أن قول: ” الفريق العطا” بسيطرة فصيل معين على تجمع المهنيين و قوى الحرية والتغيير هو لواك وتكرار لذات الخط الدعائي للاسلامويين و حلفائهم منذ حكومة جبهة الهيئات أكتوبر 1964م وحتى اليوم”.
ولأن منهجهما الفكري و السياسي هو نفس منهج قادة النظام فإن عسكر اللجنة الأمنية وفلول النظام إنما يشتركون أيضاً في تسمية الأشياء بغير أسمائها. ومن ذلك اصرار الفريق البرهان حتى اليوم على أن ما فعله في 25 اكتوبر 2021م ليس انقلاباً بل هو تصحيح للمرحلة الانتقالية. و من عجب أن يدعي قائد الانقلاب ان عمله تصحيح أو إصلاح شيء قام في الأساس ضده و كان هو خصمه الرئيس في الميدان!! و يعرف راعي الضأن في الخلاء أن اللجنة الأمنية لا علاقة لها بالثورة، ليس هذا فحسب بل كانت هي عدوها الرئيس كما أوضحنا آنفاً. و على أي حال فلئن أنكر عسكر اللجنة الأمنية كون ما قاموا به انقلاب و زعموا أنه تصحيح مسار فإنهم لم يأتوا بجديد بل أعادوا انتاج مسرحية: “أذهب أنت إلي القصر رئيساً وأذهب أنا إلي السجن حبيساً “. إذن فليعلموا ألا أحد يصدقهم كما لم يصدق أحد سابقيهم من أولياء نعمتهم الذين توهموا أنهم خدعوا الشعب وغشوه.
انقلاب الفلول و ألاعيب جحا!!!.
بقلم/ أمين محمد إبراهيم.
يحكى أن جحا كان قد ادعى قدرته على تطبيب المرضى و أعلن استعداده لاستقبالهم ومعالجتهم. فأقبل على عيادته مرضى كثر. فأجرى جحا الفحص، على أول مرضاه، و قال له: أن كل ما يحتاج إليه ليشفى هو أن يغيِر اسمه. و برر وصفته العلاجية، بأن المريض بمجرَد تغيير اسمه لن يكون مريضاً بل سيكون المريض شخص آخر غيره!!!!.
و يبدو أن جحا السوداني قد أخذ بنصيحة جحا العربي “الطبيب” حرفياً. فبدا له أن كل ما احتاجه ليقنع الناس بأن الانقلاب هو مجرد تصحيح مسار واجراءات عادية ” لاغبار عليها” هو تغييره اسم فعله الانقلابي المكون من تخطيط وتنفيذ وتحريك قوات بليل والسيطرة على مقرات الجيش والجسور واعتقال قيادات تنفيذية وسياسية وحزبية و وضعها في الحبس وحل الحكومة بمجلسيها و تجميد العمل ببعض أحكام الوثيقة الدستورية و إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول وانفراد قائد الجيش القائم على كل هذه التدابير الاستبدادية والتسلطية بإرادته المنفردة و بسلطة حكم الفرد المطلق، إسوة بقائده المخلوع. وهكذا وبتغيير اسم الانقلاب يتحول إلي محض تصحيح مسار و إجراءات أسلس و أحلى من كريم كراميلا أو حلاوة شيكلاته أو مخلوط المنقة بالوروارة!!!. والوروارة هي الخلاطة الكهربائية في نطق بعض القرويين.
و تأسيساً على أنه أقنعنا “بالضربة القاضية غير الفنية” بأن ما قام به ليس انقلاباً بل تصحيح مسار انتقالي وديمقراطي “ديمقراطية سرجي مرجي كمان كان عجبكم؟؟!!” قال الفريق البرهان: “لا تراجع عما اتخذناه من قرارات في 25 اكتوبر 2021م”.(موقع الراكوبة 15 ديسمبر 2021م).
و هكذا يستطيع جحا السوداني أن يشير إلي انقلابه على الثورة والثوار والديمقراطية التي فداها أبناء وبنات الشعب بالأرواح والمهج الطاهرة والدماء الزكية بعبارة “قرارات 25 أكتوبر”. و لا يعني هذا سوى أن “أب دقنا تحت الكاب” مصر مرةً أخرى على المضي في الطبعة الخامسة من انقلاب 30 يونيو 1989م و الثالثة بعد انقلاب 11 إبريل 2019م. وأنه مصمم على فرض وصايته الفردية باسم الجيش على الشعب كما ردد أكثر من مرة هو وردد قوله بوقه الموصوف بمستشاره الاعلامي. وهذا المستشار الاعلامي ظاهرة غريبة وخارجة عن المألوف لا تقل غرابةً عن ظاهرة الأبواق المدفوعة الأجر التي استبدلت دفاعها عن نظام البشير قبل سقوطه بالدفاع عن اللجنة الأمنية في الفضائيات تحت مسمى خبراء (إصطراطيجيين) بينما هم في الواقع ضباط جهاز أمن ومخابرات البشير بعضهم متقاعد و الآخر لا يزال في الخدمة. و ما يلفت النظر في ظاهرة المستشتار الإعلامي هو أنه قد ظهر في بادئ الأمر بوصفه مستشاراً اعلامياً لرئيس المجلس السيادي. ثم عند حل قائد الجيش للمجلس الذي ترأسه تحول لمستشار إعلامي لقائد الجيش ثم عاد مؤخرا مستشارا لرئيس المجلس السيادي بعد اعادة تشكيله الانقلابي. و المعلوم أن المجلس السيادي، حسب فقه دستور النظام البرلماني المطبق في السودان اليوم، هو محض هيئة سيادية بسلطات اسمية تشريفية وليس له أية صلاحيات تنفيذية كما أن رئيسه كفرد ـ وهذا هو الأهم ـ ليست له ـ وفق أحكام الوثيقة الدستورية ـ أية مهام أو سلطات أو صلاحية ولا صفة له سوى أنه رئيس ذلك المجلس المختص بإدارة اجتماعاته وتنظيم مداولاته. و ذلك بقرينة أن الوثيقة الدستورية قد منحت السلطات والصلاحيات للمجلس بكامل عضويته “كهيئة” لا لرئيسه كفرد. وعليه فإن رئيس المجلس السيادي، سواء كان الفرد عسكريا أو مدنياً أو ملكاً أو سلطاناً أو “جناً أحمراً”، لا يحق له كفرد اتخاذ حاشية من المستشارين والمساعدين والموظفين كما كان يفعل سلفه البشير، والذي كان يشترى ولاء الأتباع و المؤيدين السياسيين بالرشاء والوظائف والامتيازات خصماً على الخزينة العامة ودافع الضرائب. و نخلص من ذلك إلي أن رئيس مجلس السيادة لا يجوز له تعيين مستشار إعلامي خاص به شخصياً كما لا يجوز لقائد الجيش اتخاذ مستشار إعلامي خاص به لأن الجيش فيه قسم كامل يعرف بالتوجيه المعنوي هو الناطق الإعلامي باسمه.
أما قول مستشار الفريق البرهان بأن الجيش لم يعتد في تاريخه تسليم السلطة لحكومة غير منتخبة، فهو كلام غريب جداً!! و لعله لا يدري أن الجنرال إبراهيم عبود كان قد سلم الحكم ” بأمر الشعب” لوزارة جبهة الهيئات برئاسة سر الختم الخليفة بعيد ثورة أكتوبر 1964م ولم تكن منتخبة. كما أن مجالس السيادة كلها على مدار تاريخ السودان الحديث كانت من مدنيين بل من رجال خدمة مدنية مرموقين وعلماء بارزين وليسوا ضباط جيش!!. و لا أدري إن كان المستشار الاعلامي ـ الذي يزعم بمسئولية الجيش عن تسليم أو عدم تسليم السلطة لحكومة منتخبة ـ قد سأل نفسه عن ماهية علاقة الجيش بالسلطة أصلا؟؟ وما علاقته بالحكم ابتداءً حتى تكون له سلطة توزيعه لغيره؟؟ و هل يعلم المستشار المذكور ألا أحد غير الجيش ينفذ الانقلابات العسكرية التي تأتي بالطغاة و الحكام العساكر، الذين يمثلون النفي التام لإرادة الشعب مصدر السلطات؟؟!!.
قال الفريق البرهان أن الاتفاق السياسي مع الدكتور حمدوك هو المخرج. و بما أنه قد أقر بإبرامه الاتفاقيات السياسية مع الآخرين فلا يحتج علينا و براءة الأطفال في عينيه!! (بحياده كضابط عسكري) إذا ما عاملناه كمحض سياسي و سألناه عن ماهية صفته و “أهليته” السياسية التي أبرم بها اتفاقا سياسياً، مع حمدوك أو مع غيره؟؟!! و سألناه عن الطرف الثاني المتعاقد معه وهو حمدوك نفسه و عن ماهية صفته و “أهليته” السياسية؟؟ فحمدوك لوحده لا يدع أو يعلن أن يمثل جهة سياسية!! و ليس مخولاً للحلول محل أية جهة سياسية لإبرام اتفاقيات سياسية نيابة عنها، كما معلوم أيضاً أنه لم يشاور حاضنته السياسية (افتراضاً) في اتفاق 21 نوفمبر 2021م!! كما أنه غير مفوَض للإنابة عن تلك الحاضنة في إبرام الاتفاقيات السياسية من وراء ظهرها!! و من عجب!! أن يعقد الدكتور حمدوك بمفرده اتفاقاً سياسياً، ثم يعتقد أنه من الممكن إلزام الآخرين به!! و الأغرب أن الدكتور حمدوك كان قد استغني “طوعاً واختياراً وبمحض إرادته الحرة” عن حاضنته “قوى الحرية والتغيير” التي ظاهرته منذ ظهوره في المشهد السياسي وأحسنت الظن في امتثاله أو تمثيله لمطالب الثورة والثوار رغم علمها حقيقة بعده لسنوات عن النشاط العملي الملموس للمكونات السياسية أو النقابية أو غيرها من منظمات مجتمع مدني التي أسهمت في معارضة النظام. ومن المرجح أن تكون صلته الفعلية بالنشاط المعارض قد انقطعت منذ مغادرته السودان بعد فصله الجائر من عمله في مطلع تسعينات القرن الماضي.
يمثل مطلب السلطة المدنية الكاملة عظم ظهر شعارات الثورة المجيدة و محور الصراع بين الثوار و عسكر اللجنة الأمنية منذ 11/4/2019م و اعتصام حشود الثوار أمام القيادة العامة. ومع ذلك ذكر البرهان في تصريحه موضوع المقال التزامه بتحقيق مدنية الحكم بالانتخابات. و هو يعني أنه لن يسمح بتحقيق “مطلب الثوار” بمدنية الحكم بغير الانتخابات. و هنا يستبطن البرهان انكاره التام حق المدنيين في تولي رئاسة المجلس السيادي واصراره على البقاء في رئاسة المجلس السيادي الانقلابي حتى إجراء الانتخابات العامة في عام 2023م. و في هذا توافق تام مع مطلب الفلول الدائم والثابت باستيلاء العسكر على الحكم و الحيلولة دون تولي قوى الحرية والتغيير السلطة بزعم افتقار حكومتها لشرعية الانتخاب والتفويض!!!! هل يعتقد الفريق البرهان أن الشعب قد انتخبه بالإجماع؟؟!!.
و علاوةً على أن انكار الفريق البرهان تحقيق مطلب مدنية الحكم إلا بالانتخابات ليس منقطع الصلة بالخط الدعائي الثابت للفلول، فإنه و الأمر كذلك غير منقطعة الصلة أيضاً باعتقاد واهم لدى الفلول أنهم الأكثر تأهيلاً بالفوز بأية انتخابات قادمة طالما يضمنون أن تديرها اللجنة الأمنية للنظام المخلوع والتي تمسك في يدها أكثر من 80% من إيرادات البلاد بواسطة شركات أمن النظام. وفي اعتقادهم أن ذلك سيمكنهم من تمويل حملتهم الانتخابية بالمال النقدي والعيني “كالموز واللحم الهبطرش” و”مديد الحلبة” والطعام الذي اشتروا به ذمم أحزاب وحركات اعتصام القصر. وأخيراً يتوهم الفلول أنهم وتحت سيطرة اللجنة الأمنية على جهاز الدولة بما في ذلك الأجهزة العدلية سيهيمنون على كل أجهزة ادارة كل العملية الانتخابية من مرحلة توزيع الدوائر و تسجيل الناخبين والاقتراع والفرز. و سيفوزون حتما لا سيما و أن الانتخابات سيديرها نفس جهاز الدولة الذي كان يدير عمليات انتخابات البشير ومؤتمره الوطني المضروبة “المخجوجة” طوال ثلاثين عاما.
مرة أخرى يزعم الفريق البرهان أنهم يعملون على ميثاق يشمل كل القوى السياسية باستثناء المؤتمر الوطني المحلول. ويقول في نفس التصريح بأنه لن يسمح لأحد بالعمل السياسي داخل صفوف القوات المسلحة!!. ثم يفتح على نفسه (دون أن يعي ربما) جحيماً من شواظ أسئلة تنتظر منه ـ ربما دون طائل ـ إجابة شافية أو غيرها أيضاً، أولها هي: هل هو ـ كضابط في الجيش محظور من العمل السياسي داخل صفوف القوات المسلحة، أم مستثني من ذلك الحظر؟؟!!. و حيث أنه ضالع في السياسة بإقراره فما مبرر استثنائه؟! و من هم الذين يعملون معه لصياغة الميثاق السياسي؟؟!! وما صفتهم؟؟!!. وهل سمع البرهان (و هو في موقع رأس الدولة) أقوال أحد كبار ضباط الجيش السوداني التي أدلى بها في تحقيق معه حول ضلوعه في التخطيط لانقلاب عسكري بعد 11 إبريل 2019م و أقر فيها المذكور بانتمائه للتنظيم منذ أن كان ضابطاً صغيراً في رتبة ملازم أو نقيب؟؟ و هل سمع منه أنه كان يتلقى تعليماته العسكرية الملزمة من قادته المدنيين في التنظيم؟؟ و هل يعتقد الفريق البرهان أن هذا الضابط قد عبَر عن حالة فردية في المؤسسة العسكرية أم عن حالة كانت فاشية بعلم كبار الضباط دون أدنى استثناء وهو منهم بالطبع؟؟؟ و هل قدَم الفريق البرهان الضابط الذي كان يتلقى تعليماته العسكرية من علي عثمان ونافع وعلي كرتي ـ كما أقرَ بلسانه ـ لمحاكمته ليس على محاولته الانقلابية فحسب، بل لإعلانه على رؤوس الأشهاد أنه كان يقدِم فروض الولاء والطاعة العسكرية لغير قيادته العسكرية؟؟!!.
حظرت نصوص و أحكام الوثيقة الدستورية ممارسة النشاط السياسي على فلول النظام المخلوع (رأسه) من منتسبي المؤتمر الوطني. و لا شك في أن ما انصرفت إليه أذهان مشرعي الوثيقة الدستورية هو حظر النشاط السياسي لكل من شارك في التخطيط لانقلاب 30 يونيو 1989م وتنفيذه و كل من شارك في الحكم فيما يعرف بنظام الإنقاذ و من شارك حكامه في جرائمه وفسادهم المالي والسياسي والاداري ومن شاركهم في جرائم في قتل وتعذيب المعارضين. و لا يجوز للجنة الأمنية و عسكرها أو المجلس العسكري تفسير نصوص الوثيقة الدستورية تفسيراً يخالف ما انصرفت إليه أذهان مشرعيها. ويمتنع عليهم بالطبع الخوض في أمر الوثيقة الدستورية وتفسيرها لعدم الاختصاص و الجهل بالضرورة.
و المعلوم أنه قد شارك منتسبي المؤتمر الوطني في كل الأعمال المنسوبة إليهم أعلاه وسبب حظر مشاركتهم في النشاط السياسي كل منتسبي المؤتمر الشعبي و الاصلاح الآن وكل فصائل الاسلامويين الذين شكلوا جسم ما يعرف بالحركة الاسلامية في السودان، التي شكلت الواجهة السياسية والتنظيمية للنظام حتى لحظة سقوطه، والناطقة باسمه حتى اليوم. إذن فذكر الفريق البرهان أنهم يقومون بإعداد ميثاق سياسي بمشاركة الجميع يسمح لكل القوى السياسية عدا المؤتمر الوطني بمزاولة العمل السياسي مقصود به إلغاء نص الوثيقة الدستورية الذي حظر النشاط السياسي لكل منتسبي النظام المخلوع. ومن الواضح من حديث الفريق البرهان عن الميثاق السياسي المذكور أنه سيكون بمثابة حصان طروادة الذي سيحمل الاسلامويين مرة أخرى إلي المشهد السياسي. فالسماح لحلفاء المؤتمر الوطني الأيديولوجيين والتنظيميين لمزاولة العل السياسي هو رخصة لفول النظام للعودة للمشهد السياسي تحت لافتات واسماء جديدة و في ذلك التفاف واضح و متعمد على أحكام الوثيقة الدستورية التي صاغها الثوار كمجسدة لإرادتهم في اجتثاث سرطان المؤتمر الوطني وحلفائه من عسكر ومدنيين من كل شاكلة ولون من أرض السودان و جغرافيته وتاريخه واجتماعه واقتصاده مرة وإلي الأبد.
ما يعلمه القاصي و الداني هو أن السيادة المطلقة و الغلبة في الميدان والشارع هي لشعب السودان وقوى ثورته الحية من قوى نقابية و لجان مقاومة و أحزاب سياسية و شفاتة وكنداكات ظلوا منذ 19 ديسمبر 2018م في الشوارع يواجهون تحالف عسكر اللجنة الأمنية وفلول النظام وقوى الهبوط الناعم وبقايا سماسرة وامراء الحرب بهتافاتهم وشعاراتهم و مطالب و يواجهو ن كل أدوات القتل بصدورهم العارية يتمسكون بمبادئ وبرنامج ثورتهم في مواجهة القتل والقنص بالرصاص الحي الصادر من مدافع جنود اللجنة الأمنية للنظام ومليشيات أمن شعبي وطلابي وكتائب ظل فلول النظام المخلوع.
ما يجعل الفلول سواء كانوا أصالةً (الاسلامويين) أو وكالةً (عسكر اللجنة الأمنية) و معهم كل حلفائهم من قوى الهبوط الناعم واتفاق جوبا يحتمون بالبنادق والمدافع ويراهنون على القمع الدموي الوحشي إحساسهم القاتل بأنهم أقلية و أنهم يحاربون معركتهم الأخيرة و ذلك إضافةً إلي علمهم بأن هزيمتهم ليست ممكنة جداً فحسب بل مؤكدة التحقيق وقريبة. ما يحتاجه الثوار في هذه اللحظة الحاسمة لتحقيق انتصار إرادتهم النهائي و الحاسم هو اتحاد كل قوى الثورة الحية في تحالف وطيد برنامجه هو شعارات الثورة وهتافات الثوار إلي أن يتم تنفيذ كل برنامج الثورة الشعبية المباركة كاملاً غير منقوص.
aminmibrahim46@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم