انقلاب الفلول وألاعيب جحا!!!. .. بقلم: أمين محمد إبراهيم

يحكى أن جحا كان قد ادعى قدرته على تطبيب المرضى و أعلن استعداده لاستقبالهم  ومعالجتهم. فأقبل على عيادته مرضى كثر. فأجرى جحا الفحص، على أول مرضاه، و قال له: أن كل ما يحتاج إليه ليشفى هو أن يغيِر اسمه. و برر وصفته العلاجية، بأن المريض بمجرَد تغيير اسمه لن يكون مريضاً بل سيكون المريض شخص آخر غيره!!!!.
و يبدو أن جحا السوداني قد أخذ بنصيحة جحا العربي “الطبيب” حرفياً. فبدا له أن كل ما احتاجه ليقنع الناس بأن الانقلاب هو مجرد تصحيح مسار واجراءات عادية ” لاغبار عليها” هو تغييره اسم فعله الانقلابي المكون من تخطيط وتنفيذ وتحريك قوات بليل والسيطرة على مقرات الجيش والجسور واعتقال قيادات تنفيذية وسياسية وحزبية و وضعها في الحبس وحل الحكومة بمجلسيها و تجميد العمل ببعض أحكام الوثيقة الدستورية و إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول وانفراد قائد الجيش القائم على كل هذه التدابير الاستبدادية والتسلطية بإرادته المنفردة و بسلطة حكم الفرد المطلق، إسوة بقائده المخلوع. وهكذا وبتغيير اسم الانقلاب يتحول إلي محض تصحيح مسار و إجراءات أسلس و أحلى من كريم كراميلا أو حلاوة شيكلاته أو مخلوط المنقة بالوروارة!!!. والوروارة هي الخلاطة الكهربائية في نطق بعض القرويين.
 و تأسيساً على أنه أقنعنا “بالضربة القاضية غير الفنية” بأن ما قام به ليس انقلاباً بل تصحيح مسار انتقالي وديمقراطي “ديمقراطية سرجي مرجي كمان كان عجبكم؟؟!!” قال الفريق البرهان: “لا تراجع عما اتخذناه من قرارات في 25 اكتوبر 2021م”.(موقع الراكوبة 15 ديسمبر 2021م).
و هكذا يستطيع جحا السوداني أن يشير إلي انقلابه على الثورة والثوار والديمقراطية التي فداها أبناء وبنات الشعب بالأرواح والمهج الطاهرة والدماء الزكية بعبارة “قرارات 25 أكتوبر”. و لا يعني هذا سوى أن “أب دقنا تحت الكاب” مصر مرةً أخرى على المضي في الطبعة الخامسة من انقلاب 30 يونيو 1989م و الثالثة بعد انقلاب 11 إبريل 2019م. وأنه مصمم على فرض وصايته الفردية باسم الجيش على الشعب كما ردد أكثر من مرة هو  وردد قوله بوقه الموصوف بمستشاره الاعلامي.  وهذا المستشار الاعلامي ظاهرة غريبة وخارجة عن المألوف لا تقل غرابةً عن ظاهرة الأبواق المدفوعة الأجر التي استبدلت دفاعها عن نظام البشير قبل سقوطه بالدفاع عن  اللجنة الأمنية في الفضائيات تحت مسمى خبراء (إصطراطيجيين) بينما هم في الواقع ضباط جهاز أمن ومخابرات البشير بعضهم متقاعد و الآخر لا يزال في الخدمة. و ما يلفت النظر في ظاهرة المستشتار الإعلامي هو أنه قد ظهر في بادئ الأمر بوصفه مستشاراً اعلامياً لرئيس المجلس السيادي. ثم عند حل قائد الجيش للمجلس الذي ترأسه تحول لمستشار إعلامي لقائد الجيش ثم عاد مؤخرا مستشارا لرئيس المجلس السيادي بعد اعادة تشكيله الانقلابي. و المعلوم أن المجلس السيادي، حسب فقه دستور النظام البرلماني المطبق في السودان اليوم، هو محض هيئة سيادية بسلطات اسمية تشريفية وليس له أية صلاحيات تنفيذية كما أن رئيسه كفرد ـ وهذا هو الأهم ـ ليست له ـ وفق أحكام الوثيقة الدستورية ـ أية مهام أو سلطات أو صلاحية ولا صفة له سوى أنه رئيس ذلك المجلس المختص بإدارة اجتماعاته وتنظيم مداولاته. و ذلك بقرينة أن الوثيقة الدستورية قد منحت السلطات والصلاحيات للمجلس بكامل عضويته “كهيئة” لا لرئيسه كفرد. وعليه فإن رئيس المجلس السيادي، سواء كان الفرد عسكريا أو مدنياً أو ملكاً أو سلطاناً أو “جناً أحمراً”، لا يحق له كفرد اتخاذ حاشية من المستشارين والمساعدين والموظفين كما كان يفعل سلفه البشير، والذي كان يشترى ولاء الأتباع و المؤيدين السياسيين بالرشاء والوظائف والامتيازات خصماً على الخزينة العامة ودافع الضرائب. و نخلص من ذلك إلي أن رئيس مجلس السيادة لا يجوز له تعيين مستشار إعلامي خاص به شخصياً كما لا يجوز لقائد الجيش اتخاذ مستشار إعلامي خاص به لأن الجيش فيه قسم كامل يعرف بالتوجيه المعنوي هو الناطق الإعلامي باسمه.
أما قول مستشار الفريق البرهان بأن الجيش لم يعتد في تاريخه تسليم السلطة لحكومة غير منتخبة، فهو كلام غريب جداً!! و لعله لا يدري أن الجنرال إبراهيم عبود كان قد سلم الحكم ” بأمر الشعب” لوزارة جبهة الهيئات برئاسة سر الختم الخليفة بعيد ثورة أكتوبر 1964م ولم تكن منتخبة. كما أن مجالس السيادة كلها على مدار تاريخ السودان الحديث كانت من مدنيين بل من رجال خدمة مدنية مرموقين وعلماء بارزين وليسوا ضباط جيش!!. و لا أدري إن كان المستشار الاعلامي ـ الذي يزعم بمسئولية الجيش عن تسليم أو عدم تسليم السلطة لحكومة منتخبة ـ قد سأل نفسه عن ماهية علاقة الجيش بالسلطة أصلا؟؟ وما علاقته بالحكم ابتداءً حتى تكون له سلطة توزيعه لغيره؟؟ و هل يعلم المستشار المذكور ألا أحد غير الجيش ينفذ الانقلابات العسكرية التي تأتي بالطغاة و الحكام العساكر، الذين يمثلون النفي التام لإرادة الشعب مصدر السلطات؟؟!!.
قال الفريق البرهان أن الاتفاق السياسي مع الدكتور حمدوك هو المخرج. و بما أنه قد أقر بإبرامه الاتفاقيات السياسية مع الآخرين فلا يحتج علينا و براءة الأطفال في عينيه!! (بحياده كضابط عسكري) إذا ما عاملناه كمحض سياسي و سألناه عن ماهية صفته و “أهليته” السياسية التي أبرم بها اتفاقا سياسياً، مع حمدوك أو مع غيره؟؟!! و سألناه عن الطرف الثاني المتعاقد معه وهو حمدوك نفسه و عن ماهية صفته و “أهليته” السياسية؟؟ فحمدوك لوحده لا يدع أو يعلن أن يمثل جهة سياسية!! و ليس مخولاً للحلول محل أية جهة سياسية لإبرام اتفاقيات سياسية نيابة عنها، كما معلوم أيضاً أنه لم يشاور حاضنته السياسية (افتراضاً) في اتفاق 21 نوفمبر 2021م!! كما أنه غير مفوَض للإنابة عن تلك الحاضنة في إبرام الاتفاقيات السياسية من وراء ظهرها!! و من عجب!! أن يعقد الدكتور حمدوك بمفرده اتفاقاً سياسياً، ثم يعتقد أنه من الممكن إلزام الآخرين به!! و الأغرب أن الدكتور حمدوك كان قد استغني “طوعاً واختياراً وبمحض إرادته الحرة” عن حاضنته “قوى الحرية والتغيير” التي ظاهرته منذ ظهوره في المشهد السياسي وأحسنت الظن في امتثاله أو تمثيله لمطالب الثورة والثوار رغم علمها حقيقة بعده لسنوات عن النشاط العملي الملموس للمكونات السياسية أو النقابية أو غيرها من منظمات مجتمع مدني التي أسهمت في معارضة النظام. ومن المرجح أن تكون صلته الفعلية بالنشاط المعارض قد انقطعت منذ مغادرته السودان بعد فصله الجائر من عمله في مطلع تسعينات القرن الماضي.
يمثل مطلب السلطة المدنية الكاملة عظم ظهر شعارات الثورة المجيدة و محور الصراع بين الثوار و عسكر اللجنة الأمنية منذ 11/4/2019م و اعتصام حشود الثوار أمام القيادة العامة. ومع ذلك ذكر البرهان في تصريحه موضوع المقال التزامه بتحقيق مدنية الحكم بالانتخابات. و هو يعني أنه لن يسمح بتحقيق “مطلب الثوار” بمدنية الحكم بغير الانتخابات. و هنا يستبطن البرهان انكاره التام حق المدنيين في تولي رئاسة المجلس السيادي واصراره على البقاء في رئاسة المجلس السيادي الانقلابي حتى إجراء الانتخابات العامة في عام 2023م. و في هذا توافق تام مع مطلب الفلول الدائم والثابت باستيلاء العسكر على الحكم و الحيلولة دون تولي قوى الحرية والتغيير السلطة بزعم افتقار حكومتها لشرعية الانتخاب والتفويض!!!! هل يعتقد الفريق البرهان أن الشعب قد انتخبه بالإجماع؟؟!!.
و علاوةً على أن انكار الفريق البرهان تحقيق مطلب مدنية الحكم إلا بالانتخابات  ليس منقطع الصلة بالخط الدعائي الثابت للفلول، فإنه و الأمر كذلك غير منقطعة الصلة أيضاً باعتقاد واهم لدى الفلول أنهم الأكثر تأهيلاً بالفوز بأية انتخابات قادمة طالما يضمنون أن تديرها اللجنة الأمنية للنظام المخلوع والتي تمسك  في يدها أكثر من 80% من إيرادات البلاد بواسطة شركات أمن النظام. وفي اعتقادهم أن ذلك سيمكنهم من تمويل حملتهم الانتخابية بالمال النقدي والعيني “كالموز واللحم الهبطرش”  و”مديد الحلبة” والطعام الذي اشتروا به ذمم أحزاب وحركات اعتصام القصر. وأخيراً يتوهم الفلول أنهم وتحت سيطرة اللجنة الأمنية على جهاز الدولة بما في ذلك الأجهزة العدلية سيهيمنون على كل أجهزة ادارة كل العملية الانتخابية من مرحلة توزيع الدوائر و تسجيل الناخبين والاقتراع والفرز. و سيفوزون حتما لا سيما و أن الانتخابات سيديرها نفس جهاز الدولة الذي كان يدير عمليات انتخابات البشير ومؤتمره الوطني المضروبة “المخجوجة” طوال ثلاثين عاما.
مرة أخرى يزعم الفريق البرهان أنهم يعملون على ميثاق يشمل كل القوى السياسية باستثناء المؤتمر الوطني المحلول. ويقول في نفس التصريح بأنه لن يسمح لأحد بالعمل السياسي داخل صفوف القوات المسلحة!!. ثم يفتح على نفسه (دون أن يعي ربما) جحيماً من شواظ أسئلة تنتظر منه ـ ربما دون طائل ـ  إجابة شافية أو غيرها أيضاً، أولها هي: هل هو ـ كضابط في الجيش محظور من العمل السياسي داخل صفوف القوات المسلحة،  أم مستثني من ذلك الحظر؟؟!!.  و حيث أنه ضالع في السياسة بإقراره فما مبرر استثنائه؟! و من هم الذين يعملون معه لصياغة الميثاق السياسي؟؟!! وما صفتهم؟؟!!. وهل سمع البرهان (و هو في موقع رأس الدولة) أقوال أحد كبار ضباط الجيش السوداني التي أدلى بها في تحقيق معه حول ضلوعه في التخطيط لانقلاب عسكري بعد 11 إبريل 2019م و أقر فيها المذكور بانتمائه للتنظيم منذ أن كان ضابطاً صغيراً في رتبة ملازم أو نقيب؟؟ و هل سمع منه أنه كان يتلقى تعليماته العسكرية الملزمة من قادته المدنيين في التنظيم؟؟ و هل يعتقد الفريق البرهان أن هذا الضابط قد عبَر عن حالة فردية في المؤسسة العسكرية أم عن حالة كانت فاشية بعلم كبار الضباط دون أدنى استثناء وهو منهم بالطبع؟؟؟ و هل قدَم الفريق البرهان الضابط الذي كان يتلقى تعليماته العسكرية من علي عثمان ونافع وعلي كرتي  ـ كما أقرَ بلسانه ـ لمحاكمته ليس على محاولته الانقلابية فحسب، بل لإعلانه على رؤوس الأشهاد أنه كان يقدِم فروض الولاء والطاعة العسكرية لغير قيادته العسكرية؟؟!!.
حظرت نصوص و أحكام الوثيقة الدستورية ممارسة النشاط السياسي على فلول النظام المخلوع (رأسه) من منتسبي المؤتمر الوطني. و لا شك في أن ما انصرفت إليه أذهان مشرعي الوثيقة الدستورية هو حظر النشاط السياسي لكل من شارك في التخطيط لانقلاب 30 يونيو 1989م وتنفيذه و كل من شارك في الحكم فيما يعرف بنظام الإنقاذ و من شارك حكامه في جرائمه وفسادهم المالي والسياسي والاداري ومن شاركهم في جرائم في قتل وتعذيب المعارضين. و لا يجوز  للجنة الأمنية و عسكرها أو المجلس العسكري تفسير نصوص الوثيقة الدستورية تفسيراً يخالف ما انصرفت إليه أذهان مشرعيها. ويمتنع عليهم بالطبع الخوض في أمر الوثيقة الدستورية وتفسيرها لعدم الاختصاص و الجهل بالضرورة.
و المعلوم أنه قد شارك منتسبي المؤتمر الوطني في كل الأعمال المنسوبة إليهم أعلاه وسبب حظر مشاركتهم في النشاط السياسي كل منتسبي المؤتمر الشعبي و الاصلاح الآن وكل فصائل الاسلامويين الذين شكلوا جسم ما يعرف بالحركة الاسلامية في السودان، التي شكلت الواجهة السياسية والتنظيمية للنظام حتى لحظة سقوطه، والناطقة باسمه حتى اليوم. إذن فذكر الفريق البرهان أنهم يقومون بإعداد ميثاق سياسي بمشاركة الجميع يسمح لكل القوى السياسية عدا المؤتمر الوطني بمزاولة العمل السياسي مقصود به إلغاء نص الوثيقة الدستورية الذي حظر النشاط السياسي لكل منتسبي النظام المخلوع. ومن  الواضح من حديث الفريق البرهان عن الميثاق السياسي المذكور أنه سيكون بمثابة حصان طروادة الذي سيحمل الاسلامويين مرة أخرى إلي المشهد السياسي. فالسماح لحلفاء المؤتمر الوطني الأيديولوجيين والتنظيميين لمزاولة العل السياسي هو رخصة لفول النظام للعودة للمشهد السياسي تحت لافتات واسماء جديدة و في ذلك التفاف واضح و متعمد على أحكام الوثيقة الدستورية التي صاغها الثوار كمجسدة لإرادتهم في اجتثاث سرطان المؤتمر الوطني وحلفائه من عسكر ومدنيين من كل شاكلة ولون من أرض السودان و جغرافيته وتاريخه واجتماعه واقتصاده مرة وإلي الأبد.
ما يعلمه القاصي و الداني هو أن السيادة المطلقة و الغلبة في الميدان والشارع هي لشعب السودان وقوى ثورته الحية من قوى نقابية و لجان مقاومة و أحزاب سياسية و شفاتة وكنداكات ظلوا منذ 19 ديسمبر 2018م في الشوارع يواجهون تحالف عسكر اللجنة الأمنية وفلول النظام وقوى الهبوط الناعم وبقايا سماسرة وامراء الحرب بهتافاتهم وشعاراتهم و مطالب و يواجهو ن كل أدوات القتل بصدورهم العارية يتمسكون بمبادئ وبرنامج ثورتهم في مواجهة القتل والقنص بالرصاص الحي الصادر من مدافع جنود اللجنة الأمنية للنظام ومليشيات أمن شعبي وطلابي وكتائب ظل فلول النظام المخلوع.
ما يجعل الفلول سواء كانوا أصالةً (الاسلامويين) أو وكالةً (عسكر اللجنة الأمنية) و معهم كل حلفائهم من قوى الهبوط الناعم واتفاق جوبا يحتمون بالبنادق والمدافع ويراهنون على القمع الدموي الوحشي إحساسهم القاتل بأنهم أقلية و أنهم يحاربون معركتهم الأخيرة و ذلك إضافةً إلي علمهم بأن هزيمتهم ليست ممكنة جداً فحسب بل مؤكدة التحقيق وقريبة. ما يحتاجه الثوار في هذه اللحظة الحاسمة لتحقيق انتصار إرادتهم النهائي و الحاسم هو اتحاد كل قوى الثورة الحية في تحالف وطيد برنامجه هو شعارات الثورة وهتافات الثوار إلي أن يتم تنفيذ كل برنامج الثورة الشعبية المباركة كاملاً غير منقوص.
aminmibrahim46@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً