السفير: عادل إبراهيم مصطفي
تمرّ علينا هذه الأيام الذكرى الخامسة لانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي قاده قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بتخطيط ودعم من الحركة الإسلامية، بهدف قطع الطريق أمام التحول الديمقراطي، وإجهاض ثورة ديسمبر المجيدة، وإعادة النظام الذي ثار الشعب السوداني ضده وخرج في مواجهته بالملايين.
وقد اختير توقيت الانقلاب على ضوء اقتراب موعد الاستحقاق الدستوري الذي كان يقتضي انتقال رئاسة مجلس السيادة الانتقالي من المكوّن العسكري إلى المكوّن المدني، وذلك عقب فشل المحاولات السابقة لإسقاط حكومة الثورة وإجهاض أحلام السودانيين في بناء وطن ينعم بالحرية والسلام والعدالة. وقد تمثلت هذه المحاولات في مجزرة فضّ الاعتصام، وما خلّفته من جراح وتداعيات، وإثارة الأزمات الأمنية والاقتصادية، وخلق حالات الندرة في السلع والخدمات الأساسية، وصولاً إلى خنق البلاد بإغلاق ميناء بورتسودان.
ولعلّ أكبر مفارقات هذا الانقلاب المشؤوم تسميته “تصحيح مسار الثورة”، إذ لا يستقيم عقلًا أن يُوصَف تعطيل التحول الديمقراطي وإيقاف تفكيك نظام الثلاثين من يونيو بأنه تصحيح لمسار ثورة أعلن الشعب فيها رفضه لذلك النظام، وهتف في مواجهته: “سلمية.. سلمية.. ضد الحرامية!” و”الجوع.. الجوع ولا الكيزان”.
ولم يقتصر أثر الانقلاب على تعطيل المسار الديمقراطي، بل امتد إلى تقويض الإنجازات التي حققتها حكومة الثورة المدنية بقيادة رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك، وفي مقدمتها إخراج السودان من العزلة الإقليمية والدولية، وإنهاء وضعه كدولة راعية للإرهاب، واستعادة علاقاته السياسية والاقتصادية والاستثمارية مع المجتمع الدولي. أما أخطر إفرازاته، فتمثّل في تمهيده الطريق لما تعيشه البلاد اليوم من حرب ودمار وموت وتشرد ونزوح وجوع.
والمحزن أكثر أن الانقلاب وقع بمباركة الجارة الشمالية، التي يسوءها تمتع السودان بحكم ديمقراطي مدني رشيد، وتعمل باستمرار على استدامة الحكم العسكري الديكتاتوري فيه، حتى يتسنى لها الهيمنة على القرار السوداني وتحقيق مصالحها دون اعتبار لمصالح السودان وشعبه.
ولذلك، ضاقت القاهرة ذرعاً بحكومة الثورة المدنية، لأن رئيسها، الدكتور عبد الله حمدوك، سعى إلى إعادة رسم التوجه السياسي السوداني على أساس استقلال القرار وصون الكرامة الوطنية. وكان حمدوك أول سياسي سوداني في عصرنا الحديث يجاهر بما ظل مسكوتاً عنه في العلاقات السودانية المصرية، كالصورة النمطية المتبادلة بين الشعبين وتصور كل طرف للتاريخ، وقضية الاحتلال المصري لأراضي حلايب وشلاتين وأبو رماد السودانية.
كما جاهر حمدوك بتوجّه حكومته نحو وقف تصدير المنتجات الزراعية والحيوانية في صورتها الخام، والعمل على تصديرها كمنتجات نهائية حتى يجني السودان ثمار القيمة المضافة، بدلًا من أن تستفيد مصر من تصنيع المواد الخام السودانية وإعادة تصديرها كمنتجات مصرية. وكشف، قبيل الانقلاب، عن تخطيط حكومته لإنشاء بورصة سودانية داخلية للذهب لدعم إنتاجه وتنظيم سوقه. وقد أسهمت هذه التوجهات، في سياق الصراع على السلطة والمصالح الاقتصادية والنفوذ الإقليمي، في التعجيل بتنفيذ انقلاب 25 أكتوبر 2021.
غير أن فهم الانقلاب لا يكتمل بالنظر إلى دوافع منفذيه وحدها، بل يتطلب أيضاً مراجعة الأخطاء الاستراتيجية التي أضعفت حكومة الثورة ومكّنت خصومها من الانقضاض عليها. وهنا تكمن إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن تواجهها القوى المدنية بشجاعة وموضوعية.
لقد أخطأت هذه القوى حين تعاملت مع قيادات المنظومة العسكرية والأمنية باعتبارها شريكاً يمكن الوثوق به في مشروع التحول الديمقراطي، وأوكلت إليها مهمة تفكيك التمكين الكيزاني داخل المؤسستين العسكرية والأمنية، رغم أن هذه القيادات نفسها كانت جزءاً من شبكة التمكين، وتدين بالولاء للنظام البائد.
ونتيجة لذلك، بقيت الأجهزة العسكرية والأمنية تحتفظ بكوادر النظام السابق، وتحمي مصالحه السياسية والاقتصادية، بما في ذلك مصالحه المرتبطة بشركات ضخمة في الداخل والخارج. ومن أمثلة ذلك شركة سنكات، التي تتخذ من إسطنبول التركية مقراً لها، وتواصل نشاطها بوصفها شركة تابعة للتنظيم، دون خضوعها لأي رقابة من الجهات السودانية المختصة.
لقد وجدت حكومة الثورة المدنية نفسها، نتيجة اختلال موازين السلطة وافتقارها إلى ذراع عسكري وأمني موالٍ للمشروع الديمقراطي، عاجزة عن حماية مسار الانتقال من محاولات الإجهاض المتكررة. وتفاقمت الأزمة بفعل السيولة الأمنية، وإثارة الحروب القبلية، وخلق الندرة في السلع والخدمات، وإغلاق الميناء، فضلاً عن الصراع على السلطة والثروة. وانتهى ذلك بانقلاب 25 أكتوبر، الذي أغلق باب الأمل أمام السودانيين، ولكن مؤقتًا.
إن الدرس الأهم من هذه التجربة ليس الاكتفاء بإدانة الانقلاب أو تحميل المسؤولية لجهة واحدة، بل إدراك أن التحول الديمقراطي لا يمكن أن يستند إلى حسن النوايا أو التوافقات السياسية وحدها. فالشراكة التي لا تحكمها ضمانات دستورية واضحة، ولا تخضع فيها مراكز القوة لرقابة مدنية فعّالة، تظل عرضة للانهيار عندما تتعارض المصالح.
وعليه، فإن القوى المدنية مطالبة اليوم بمراجعة تجربتها، لا بدافع اللوم وتبادل الاتهامات، وإنما لاستخلاص الدروس وتصحيح المسار. وتأتي المحافظة على وحدة السودان أرضاً وشعباً في مقدمة الأولويات، إلى جانب إنهاء الحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وبناء مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات الحزبية والشخصية، ويضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار.
ويتطلب ذلك الاتفاق على حد أدنى وطني يقوم على رفض الانقلابات العسكرية، والاحتكام إلى الدستور، وضمان التداول السلمي للسلطة، واستقلال القضاء، وإخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية لسلطة مدنية دستورية ورقابة مؤسسية فعّالة. كما يستلزم إعادة بناء هذه المؤسسات على أسس مهنية ووطنية، خالية من الولاءات الحزبية والعقائدية والإثنية، مع إخضاع أنشطتها الاقتصادية للقانون والشفافية والمساءلة.
ولا يمكن بناء دولة القانون دون محاسبة عادلة تضمن عدم إفلات كل من شارك في الانقلاب أو خطط له أو وقف وراءه من العقاب، وفق إجراءات قضائية مستقلة. فالمحاسبة ليست انتقاماً سياسياً، وإنما ضمانة لمنع تكرار الجرائم والانتهاكات، وترسيخ مبدأ خضوع الجميع للقانون.
إن ذكرى انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليست مجرد استعادة لأحداث أليمة، بل هي دعوة إلى تجديد العهد مع الشهداء، ومراجعة أخطاء الماضي، وتحويل تضحيات الشعب السوداني إلى أساس لمستقبل أكثر استقراراً وعدلاً. فثورة ديسمبر المجيدة لم تكن مجرد احتجاج على نظام حاكم، وإنما مشروعاً لبناء دولة تحترم مواطنيها وتصون كرامتهم، وتضمن استقلال قرارها ووحدة أراضيها.
إن السودان لن يُبنى بالشعارات وحدها، ولا بإعادة إنتاج مراكز السلطة القديمة، بل بإرادة شعبية حرة، ومؤسسات وطنية مستقلة، وعدالة لا تستثني أحدا، وحكم مدني ديمقراطي يجعل الحرية والسلام والعدالة والمساواة واقعاً معاشاً. وتلك هي المسؤولية التاريخية التي تقع اليوم على عاتق القوى المدنية: أن تتعلم من أخطاء الماضي، وتتوحد حول مشروع وطني جامع، حتى لا يُختطف حلم السودانيين مرة أخرى.
