ملحوظة:حذفت الرقابة بعض فقرات هذا المقال قبل نشره في صحيفة “الاحداث”
كنت قررت في الآونة الاخيرة ان أناى بنفسي عن لعبة ” الصحافي والرقيب”. وجدت أنها لعبة عبثية. إذا ترك الصحافي لنفسه حرية القول، على اعتبار ان الصحافة هي اصلاً تدفق معلومات، هناك من سيقرر إذا كان من حق القارئ أن يطلع على ما كتب او لا يطلع. وكان قراري أن ابتعد عن الشأن الداخلي الذي يمور. لم أصمت بل قلت ما اعتقد في المنابر التي وجدت انني يمكن أن اعبر فيها عن رأيي بوضوح وصراحة، واكتفيت بذلك. ثم أن ما يجري على الساحة السياسية داخل السودان يغري بفراقه فهو واقع تتكرر مشاهده ، مجرد من دفء حلم أو كرامة مشروع أو الهام فكرة. وفي بعض الاحيان أخترت الصمت عن تناول الحدث الآني، عزوفاً عن مشادات وجدتها إهداراً للوقت بلا جدوى. لكن الصديق الأعز مصطفى البطل اعادني الى شأن من الشؤون التي كنت افضل الابتعاد عنها، بعد ان قلت رأياً وشرحته أكثر من مرة. وآمل أن تكون هذه هي المرة الاخيرة.قبل أن اخوض في تفاصيل ما كتبه الصديق البطل، أود القول إن من حق اي سوداني الحصول على الجنسية التي يريد وفي الوقت الذي يريد وبالطريقة التي يريد، لان ذلك حق اختيار، ومثل هذه الحقوق تعادل حق الانسان في أن يختار مكان واسلوب عيشه وحريته في التنقل. واقول ايضاً أنني وبوضوح واقتناع مع ازدواج الجنسية، وفي رأيي ان اكتساب جنسية ما لا يجوز أن يلغي الجنسية الأصلية، وهذا حق قانوني في جميع الدول المتحضرة، بل انني لا اجد مبرراً قط ان يقتصر اكتساب الجنسية على الأب دون الأم، هذا تعسف وشطط لا مبرر له. المنطق والحق والعدل يفترض ان تمنح الأم جنسيتها لابنائها كما يمنح الاب لابنائه هذا الحق، ولا معنى لحرمان الاطفال من امهات سودانيات من الجنسية. هذه نظرة دونية تعادل عندي بالضبط السلوك المتخلف جداً ، الذي جعل نسبة الخفاض الفرعوني في عاصمة البلاد تصل الى أزيد من 70 بالمائة، بل جعل جهات ظلامية تسعى الى اسقاط المادة 13 من مشروع قانون الطفولة التي تمنع ختان البنات.أنتقل الى مسألة اخرى، وأطرح سؤالاً مباشراً لماذا اصلا اختار بعض السودانيين جنسيات اخرى؟السبب المباشر هو الانظمة الشمولية، التي تظن ان الجنسية وجواز السفر منحة وليست حقاً. لا أعرف إذا كان نظام الفريق ابراهيم عبود سحب جواز سفر من أحد المواطنين لاسباب سياسية، لكن المؤكد ان نظام جعفر نميري بادر الى ذلك إما بعدم تجديد الجواز وابلاغ المعني بالامر شفوياً أو كتابياً بالقرار، أو كان يطلب من المواطن ارسال جوازه الى الخرطوم وبعدها لا يعود الجواز. ثم تواصل الأمر بعد يونيو 1989. وظن من اتخذوا هذا القرار أنها وسيلة ضغط على المعارضين وان من حقهم استعمالها متى ماشاءوا. وبسبب هذا النوع من المضايقات، أضطر كثيرون الى طلب جنسيات دول اخرى خاصة في اوربا وامريكا. لان ذلك ما كان متاحاً بسبب مواقفهم السياسية.وهناك من أختار طلب جنسية اخرى عندما تم التضييق عليه داخل الوطن بقرارات ” الصالح العام” وتلك كانت جريمة تكررت مع آلاف الناس وأدت الى تشريد مئات الآلاف من الاسر. وأجبر كثيرون الى الخروج من البلاد.ثم هناك من وجد انه من الأفضل له ولابنائه أن يحصل على جنسية بلد آخر لاسباب اقتصادية ومعيشية وتعليمية وحتى يضمن العيش الكريم له ولأسرته ويوفر لهم تعليماً ورعاية صحية وسكناً لائقاً.في جميع الحالات لا أحد يمكن أن يلوم من أختار هذا الحل، بل هو قطعاً الحل الصائب لانه يكفي ان نفكر فيه من الجوانب الانسانية. إذ ما ذنب أطفال معارض سياسي أو شخص فصل من وظيفته بحجة ” الصالح العام” أو آخر لم يجد ما يسد به رمق هؤلاء الاطفال واضطر للهجرة مع أسرته الى اصقاع الدنيا. لايمكن أن يضيق الوطن على شساعته لاسباب سياسية واقتصادية ثم ان نطلب من الناس ان يصبحوا لاجئين في دول الغير وبدون هويات. ثم اين هو المنطق ؟ ان تقول للناس أما أن تكونوا معي أو أن تخرجوا من وطنكم إذا لم يعجبكم حال؟ ثم تعمد الى تشويه سمعتهم بعد ذلك.وفي مرات عديدة طرحت هذا الأمر مع مؤيدين للنظام وبعضهم في موقع اتخاذ القرار، وكان رأيي انه لا يجوز “تخوين” مواطنين لانهم اختلفوا معك سياسياً في الرأي ، لكن للاسف وبعد محاولات تكررت وجدت انه لاينبغي اضاعة الوقت لاثبات حسن النية لمخاطبين ذو نيات سيئة يجرون الويلات على البلاد. خاصة ان دعوات التعقل أصبحت في بعض الاحيان أشبه بصراخ يصم الآذان.الآن أعود الى ما قاله الصديق مصطفى البطل الذي قال باسلوبه الفكه والساخر “الود مفقود بين طلحة وبين جمهرة السودانيين الأمريكيين، فقد كتب حتى بحّ قلمه في التنديد بفكرة حمل جنسية مغايرة للجنسية السودانية، ولمَّح تلميحاً هو أدنى إلى التصريح بأن التماس ذلك الخيار ربما يقدح في وطنية أصحابه. ولكننا في حب بثينة اليانكي لا نأبه بتلميحات طلحة ولا تصريحاته، ولا نقيم لها وزناً” أعتقد ان جوابي على صديقي مصطفى، يوجد في حيثيات ما اوردت من دفاع واقتناع عن حمل جنسية أخرى، إذن اين توجد نقطة الخلاف؟أعتقد أن التمسك بالجنسية السودانية ليست بطولة، ولا اكتمكم القول إنني وجدت ان بعض الناس همهم الاول والاخير هو مثل هذه “البطولات الوهمية”. التمسك بالجنسية هي مجرد رسالة رمزية الى الوطن، وإن شئت هي رسالة تضامن مع أهل الوطن وبعضهم ليس له قدرة على الحصول على جواز اصلاً، حتى لا نتحدث عن قدرته للوصول الى مطار الخرطوم او ميناء بورتسودان اوالميناء النهري في وادي حلفا. لكن نقطة الخلاف هي التالي، اعتقد أن اي شخص نال جنسية اخرى غير الجنسية السودانية عليه ان لا يتقدم الى شغل موقع دستوري الا بعد ان يتنازل عن جنسيته المكتسبة هذا هو رأيي. بمعنى آخر لايمكن ان تكون حاكم اقليم أو وزير او مستشار في الرئاسة أو وكيل وزارة او سفير أو حتى مجرد ديبلوماسي ، وانت تدين بالولاء لدولة اخرى، إذ لا يعقل ان أقسم بالولاء ” للملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا العظمى” ثم اعود للسودان واتولى ما اردت أو اراد صانع القرار من المناصب فقط لانني عضو أو متعاطف مع ” الجماعة” هذا لا يستقيم ولا يعقل وغير جائز أو مقبول. وفي رأيي ان هذا أمر لا يمكن غض الطرف عنه ولو للحظة واحدة.وهنا لا نأتي بسابقة. هل سمعتم بشخص في اوربا اراد تولى منصباً دستورياً وهو يدين بالولاء لبلد آخر كما تقول اوراقه الرسمية؟ ما أعرفه يقيناً ان في المانيا وفرنسا واسبانيا لا يجوز ان تترشح لعضوية مجلس بلدي إذا كنت تحمل جنسية بلد آخر . لنأخذ على سبيل المثال وزارة الخارجية السودانية، في زمن مضى كان يمنع منعاً باتاً على الديبلوماسيين الزواج باجنبية، دع عنك حمل جنسية بلد آخر، وكانت الموافقة على زواج الديبلوماسي باجنبية تتطلب موافقة من أعلى الجهات. الآن اعرف يقيناً على الأقل سفيراً سودانياً يحمل جنسية بلد آخر. بصراحة هل يجوز هذا ؟ المسألة ليست وطنية زائدة أو وطنية ناقصة، بل هي ضوابط. إذا اردت أن تنال جنسية بلد آخر او أضطرتك ظروفك لانك تنتمي الى بلد يرسل الناس الى الجوع والاملاق تحت شعار ” الصالح العام” الى نيل جنسية بلد آخر هذا حقك ، لكن ان تتمسك بهذه الجنسية وان ترغب في شغل منصب دستوري في بلدك هذا أمر آخر
عن”الاحداث”
مقالات سابقة
جميع المقالات السابقة منشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى ، ويمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم