بداية مبشرة أن ينزل الكبار الي الشارع ويختلطوا بالبسطاء بصدق ودون تكلف !!.. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

وقفت في صف الخبز والشمس في كبد السماء والعرق ينضح بغزارة من الأجساد والعمال كأنما ما يقومون به واجب ثقيل فيتعمدون إبطاء وتيرة العمل وقد فارقهم الي غير رجعة الاحساس بالمواطن الغلبان وانضموا الي جوقة الجماعات التي تساهم في حرق أعصابه وضيق نفسه ومحاصرته بشتي صنوف التعذيب الظاهر منها والمستتر !!..
في مثل هذه الأجواء الخانقة يحاول المرء أن يتلهي بصحيفة يحملها أو يطلق العنان لنفسه فيسافر عبر الخيال الجامح الي عوالم اصلا لم يفكر فيها من قبل وربما لماما يشارك في دردشة طرأت وليدة الساعة ويعود بعدها الي ملاهي تصرفه عن واقع مؤلم عزت فيه لقمة العيش الكريم لأسباب لا ندري هل هي من صنع أنفسنا ام بفعل فاعل لا يريد بنا خيرا حسدا من عند نفسه أو مكايدة .
كان يقف امامي بالصف رجل التفت إلى فجأة وحياني بتحية فرددتها باحسن منها ونظرت في وجهه البشوش وكانت الطيبة ظاهرة علي محياه وعلي ثغره ابتسامة عريضة تسع العالم وكنت متاكد أنني أعرف هذا الإنسان الجنتلمان خاصة وصورته المحها مراراً في أجهزة الإعلام وانا في هذه الدوامة لسبر غوره وعندما رأي حيرتي وارتباكي انقذني من الحرج وقال مباشرة وبطيبة واريحية :
( معاك اخوكم عبدالله حمدوك ) ؟!..
سمعت الاسم جيدا ولكن حصلت لي هزة بمقدار ٩ درجات علي مقياس ريختر واحتجت الي هدنة الملم فيها أطراف برج عقلي والذي بدأ وكأنه سينفجر .
قلت وانا في حالة حشرجة :
( نعم يا خويا حضرتك بتتكلم بصحيح أنا غايتو ما فاهم حاجة ارجوك رد لي عقلي وخليني ارسي علي بر ) !!..
قال لي بلسان عربي مبين :
( لاالومك في توجسك مني وعدم تصديقك إياي لانكم تعودتم علي تباعد المسؤولين الكبار عنكم وعدم نزولهم من ابراجهم العادية ولا ترونهم إلا في الاعلام وهم يتحدثون حديثا طيبا عن الشعب الأبي الذي هو انتم ودائما يرددون بغير كلل أو ملل أنهم في خدمتكم وتحت امركم ) !!..
قلت له :
( انا مصدقك لأن ما تحمله من بشاشة وعدم تكلف وقلب ابيض هي فعلا علامات مميزة لحمدوك ولكن ارجو من المواطنين أن يصبروا عليك شوية اذ يبدو انك تقضي حوائج الشعب بالكتمان وتطبخ علي نار هادئة ) .
شكرني هذا الرجل الطيب وتناول حصته من الخبز المخلوط بالذرة ولونه داكن وشكله غير مريح لكن احسن من عدمه ولوح لي بالوداع وختم اللقاء وكأنه يخاطب جموع الواقفين في الصف الذين ظلوا يسترقون السمع طيلة حواره معي واكتفوا فقط بالفرجة ومراقبة الأحداث دون تعليق :
( جئت لاشارككم المعاناة وانا فرد منكم تربيت في الريف الحبيب وعانيت وانا صغير والدولة رعتنا صحيا وتعليميا حتي وصلنا الي مانحن فيه الآن ونرجو أن نقدم لكم ولو القليل ردا علي دينكم الذي هو طوق في رقابنا ) !!..
قبل أن نفيق من الدهشة التي شاركني فيها رفقاء الصف توقفت سيارة ترحال وترجل منها شخص في خفة وهمة ونشاط وانتظم في الصف بعد أن ألقي علي الحاضرين التحية بصوته المميز وقد صحنا جميعا بصوت واحد وكأننا تلامذة في طابور الصباح :
( الفريق اول البرهان شخصياً ايه الهناء الذي نحن فيه الآن ياهلا ومرحباً فيك وبيك ) !!..
قبل أن نسأله عن لغز الترحال وكانما قرأ دواخلنا قال:
( تعرفون ياجماعة الخير أن الحياة أصبحت صعبة والاسعار دائما صارت تسابق الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة ( الدرونات ) ولذلك فقد قررت بعد أن أفرغ من عملي الرسمي في مجلس السيادة أن أكد بجد واجتهاد علي سيارة الترحال هذه للمساعدة في جلب مزيد من المصاريف لمقابلة احتياجات قفة الملاح ومصاريف العلاج وتعليم الأبناء ) !!..
تناول سعادته كيس خبزه وانطلق في الشارع العريض ليلقط رزقه بعرق جبينه !!..
هتفنا جميعا بعد أن داس البنزين وقبل أن يغيب عن الأنظار ؛
( كدي مشاكل البلد ممكن تنحل … بلا بنك دولى ونادي باريس ورفع الدعم وشطب الديون … بلا دوشة وكلام فارغ !!..

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
يطالب المسؤولين بالنزول للشارع عشان يسمعوا من الجماهير عن قرب !!..

ghamedalneil@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً