“بدون زعل” السودان مثال للدولة المتخلفة !! .. بقلم: أمير شاهين
3 أكتوبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
25 زيارة
فى المقال السابق الذى كان بعنوان “عبارة صنع فى السودان طواها النسيان وجار عليها الزمان” والذى كان تحليلا للتدهور المريع فى قطاع الصناعة السودانية والذى كان من افرازاته ان قام بعض الاخوة الشوام الذين يعملون فى السودان ويقومون بانتاج سلعة غذائية وكتبوا على العبوة من الخارج ” صنع فى السودان بأيدي …. ( ذكر جنسية بلدهم) هذا التصرف اثار فى وقتها الكثير من ردود الفعل الغاضبة و الحانقة حتى ان البعض قد ذهب بعيدا وطالبوا بمنع هؤلاء الشوام من العمل وطردهم من السودان ! ولكن وبالرغم من ان العبارة تعتبر مسيئة و غير مقبولة الا ان السؤال المنطقى الذى كان يجب ان يسال هو: ما الذى دفع هؤلاء الشوام لكتابة مثل ما كتبوا ؟؟ والاجابة والحقيقة المرة التى لا يستطيع الكثير نكرانها او تقبلها هى ان سوء حال الصناعة السودانية وبالتالى “الصنايعية” السودانيين هى كانت سبب هذه الكتابة . وبالامس تناقل رواد وسائل التواصل الاجتماعى صورة من كتاب مدرسى يبدو انه يتم تدريسه لطلاب المرحلة المتوسطة فى احدى الدول العربية ولم يتثنى لنا التاكد هل هى دولة عربية خليجية ام من منطقة اخرى وقد ذكر فى الكتاب ما يلى بدون زيادة او نقصان:
” الادارة المتخلفة هى نتاج مجتمع متخلف والمجتمع المتخلف يؤدى الى وجود ادارة متخلفة. ومثال على المجتمع المتخلف هى دولة السودان اذ انها تمتلك موارد طبيعية حيث ان بها 6 انهار وارض خصبة وهى سلة الغذاء فى العالم حيث تستطيع اطعام ربع الكرة الارضية وبسبب سوء الادارة فهى دولة متخلفة . وفى المقابل تعتبر اليابان مثال على المجتمع المتقدم فهى لا تمتلك موارد طبيعية مثل السودان بل عندها براكين وزلازل , لكن حسن الادارة جعلتها من اقوى اقتصاديات العالم . ” انتهى
وما جاء فى هذا الكتاب قد ذكرنى بمعلومة وردت من قبل فى احد الكتب المدرسية لدولة خليجية مشهورة بعدائها لجماعة الاسلام السياسى على مستوى المنطقة انها ذكرت فيه بان السودان قد فقد ثلث مساحته التى كانت تجعل منه اكبر دولة عربية و افريقية والعاشر عالميا من حيث المساحة نتيجة لانفصال جنوبه عنه نتيجة لفساد وسوء ادارة الاسلام السياسى ممثل فى الاخوان المسلمين الذين يحكمون السودان وطبعا لا احد يستطيع ان ينكر او يغالط فى صحة هذه المعلومة وحتى الكيزان انفسهم المتسببين فى هذا الانفصال . ومع تحفظى على الخلط الواضح فى هذا الكتاب المدرسى موضع الحديث , فكلمة تخلف المجتمع قد تشمل الكثير من الامور الى جانب التدهور الاقتصادى مثل التعليم ودرجة الوعى فى المجتمع. واعتقد جازما بان تعبير ” تخلف المجتمع السودانى” غير دقيق وفيه ظلم لشعب عرف الحضارة و المدنية قبل ان يعرفها الاخرون منذ الاف السنين وبينى وبينكم كدة انا “ما قدرت ابلعها هذا بالرغم من اتفاقنا مع الكتاب على ان سوء الادارة (والمقصود به ادارة وحكم البلد من الناحية السياسية) هى بلا شك السبب الرئيس فيما وصل اليه السودان من حال و اصبح يضرب به المثل فى التخلف ! ولكن وان كنا نتفق مع ماجاء فى الكتاب من معلومات فاننا نتساءل الم يكن هنالك مثال اخر غير السودان لضرب مثل هذا المثل المخجل ام انهم لم يجدوا افضل من السودان لتمثيل هذه الحالة ؟ وبالطبع وكما كان متوقع فقد صب اغلب المشاركين فى موقع التواص الاجتماعى جام غضبهم على الكتاب ومن كتبوه وطبعا كان للجدل القديم المتجدد عن هوية السودان الضائعة بين الانتماء العربى والهوية الافريقية وعن غطرسة العرب ونظرتهم الدونية الى السودانيين نصيب وافر من المداخلات , وهنالك ملاحظة هامة عننا نحن السودانيون وهى حساسيتنا الكبيرة تجاه راي الاخرين فينا ! وخصوصا اذا ما راينا بان هذه النظرة فيها انتقاد لنا او لبعض تصرفاتنا , وربما يعود هذا الى ثقافتنا و تقاليدنا التى قمنا عليها والتى نجد فيها بان السودانى لديه اهتمام كبير براى الاخرين فيه ويكاد يعيش حياته وهو يعمل على ان يراه الاخرين على احسن صورة ويقولون عنه انه ” زول كويس” ولذلك تجد عبارة ” الناس يقولوا عننا شنو ؟ ” كثيرة التداول وهى تشكل كابحا او مانعا يمنع السودانى من الاتيان من فعل يجلب له الانتقاد او السخرية او التقليل من مكانته له او لافراد اسرته , ويجدر قوله بان هنالك محاسن لهذ الكابح وهو يصب فى خانة الحفاظ على مكارم الاخلاق التى عرف و اشتهر بها السودانيون لكن فى المقابل فانها ان زادت عن حدها فهى بلا شك تمثل عقبة فى طريق الابتكار و التجديد ! ولذلك لم يكن مستغربا استهجان السودانيين و رفضهم القاطع لالصاق صفة الكسل بهم وجعل هذه الصفة ماركة مسجلة للسودانيين وتصبح صورة نمطية لهم او كما يقولون عنها Stereotype فى الادارة الحديثة , ولكن القليل فقط من الناس من راى ان هذه الصفة لم تاتى اعتباطا او مصادفة بل ان هنالك بعض الاسباب التى ساقت الينا هذه الصفة ! وربما ان السبب يكمن فى الثراء الخرافى للسودان فى موارده الطبيعية من اراضى و مياه و ثروة حيوانية و معدنية مقارنة بفقره المدقع فى اقتصاده و معيشته فهذا يدل اما لعدم معرفة السودانيين لكيفية استغلال هذه الموارد او يعرفون استغلالها ولكنهم لا يفعلون ! وفى اعتقادى بانه منذ خروج الانجليز من السودان فى العام 1956 وتعاقب الانظمة الوطنية سواء ان كانت مدنية او عسكرية فانها لم تفعل ما يكفى لادارة ثروة السودان و تحقيق الرفاه والنماء لابنائه ولكن للانصاف يجب عدم القاء كل اللوم على تلك الحكومات المتعاقبة ! فنحن ايضا كسودانيين لدينا نصيب فى ذلك ! فالسودانى على المستوى الشخصى يمتاز بصفات قل ان تجدها فى بقية شعوب العالم وهذه بشهادة الاخرين الذين عاشوا مع السودانيين و عاشروهم فهو نزيه كريم النفس و يتحلى بكل الصفات الحميدة ولكن فى على الجانب الاخر فهو مستقل برايه لدرجة التعصب و صعب الانقياد و لديه مشكلة فى تقبل الاخرين و العمل معهم , وفى هذا الصدد فقد ذكر المرحوم الاستاذ ابراهيم منعم منصور فى مذكراته بان والده الناظر منعم منصور ناظر عموم قبائل الحمر فى النهود كان قد اقام حفل وداع للمفتش الانجليزى بمناسبة مغادرته للسودان ابان الاستقلال فقد قام بسؤال الناظر منعم عن هل يستطيع السودانيين حكم انفسهم عند مغادرة الانجليز ؟, فما كان من الناظر منعم الا ان قال نعم نحن نستطيع ان نحكم انفسنا فجيراننا الاحباش يحكمون انفسهم فلم لا نحن نستطيع ذلك ؟, وعندها نظر المفتش الانجليزى الى الناظر منعم وقال له انتم السودانيون لديكم ميزة سيئة وهى انكم تحسدون بعضكم البعض بطريقة كبيرة ! هل تدرى باننى و يوميا اتلقى الكثير من الشكاوى التى تطالب بفصل العديد من الموظفين و العمال السودانيين والذين اعرف كفاءتهم و انضباطهم واحلال اخرين بدونهم ولكن لا توجد شكوى واحدة ضد انجليزى او اجنبى بالرغم من معرفتى بوجود بعض النواقص فى ادائهم! وذكر ايضا بانه لن يكشف اسماء هؤلاء الشاكين حتى لا تصبح فتنة والبلاد مقبلة على الاستقلال وتحتاج الى تكاتف ابنائها ! فهل الحسد وعدم تقبلنا للاخر يقع من ضمن اسباب تأخر بلدنا ؟
ونتفق فيما ذكر فى ذلك الكتاب من ان سوء الادارة قد حولت السودان من دولة كان من المفترض ان تكون فى مصاف الدول الغنية من شاكلة استراليا وكندا و البرازيل والذين يتشابه السودان فى الكثير من الخصائص معهم الى دولة فقيرة من ضمن الدول الفقيرة مثل الكونغو الديمقراطى و بورندى و النيجر فبرغم الثروات الطبيعية والموارد الكبيرة فى السودان فانه يعانى من أزمات متعاقبة ساءت معها الأحوال المعيشية للمواطن، وعلى حسب مؤسسة غولدمان ساكس الامريكية: The Goldman Sachs Group, Inc) وهي مؤسسة خدمات مالية وإستثمارية أمريكية متعددة الجنسيات، تعدّ من أشهر المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة والعالم، وتعمل فى مجالات إدارة الثروات العالمية، الخدمات المالية المؤسسية، إدارة الإستثمار، بالإضافة إلى خدمات عمليات الإندماج والإستحواذ، قد ذكرت فى تقريرها ان السودان يحتل المرتبة الثانية في القارة من حيث الزراعة المروية، ففي السودان أكثر من 10 أنهر يتدفق بعضها بصورة دائمة أو موسمية، وذلك عدا عن مياه الأودية والمياه الجوفية ومياه الأمطار، إذ يصل معدل الأمطار السنوي عن ما يزيد على 400 مليار متر مكعب. هذه الثروة المذهلة، ، صنفت السودان في المركز الأول في قائمة الدول التي تمتلك أراضي زراعية غير مستغلة، وذلك بمساحات تقترب من 80 مليون فدان. ما يعني أن استغلال هذه القدرة الزراعية بصورة متكاملة يمكن أن يحول اقتصاده لأكبر اقتصاد زراعي في العالم , وهذا ما تؤكده الاحصائيات التى تذكر . بان السودان يمتلك السودان مقومات زراعية هي الأكبر في المنطقة العربية، بجانب مساحة غابية تقدر بحوالي 52 مليون فدان (الفدان يعادل 4200 متر مربع) وفق تقرير للأناضول التركية وفي الشق الحيواني، يتمتع السودان بـ 102 مليون رأس من الماشية، متحركة في مراع طبيعية، تُقدر مساحتها بـ 118 مليون فدان.
فى الختام علينا التعامل مع مثل هذه الملاحظات بموضوعية واحترافية بعيدا عن الانفعالية وردود الفعل العاطفية المجردة من المنطق والابتعاد عن الموقف الدفاعى و التبريرى Defensive behavior وتقبل الحقائق و الاعتراف بالاخطاء و النواقص وهذا بالتاكيد ليس بالامر السهل بالنسبة الينا نحن فبحكم ثقافتنا فاننا نجد صعوبة فى تقبل النصح و رؤية عيوبنا فالجمل ما بيشوف عوجة رقبته كما يقول المثل السودانى المشهور , و هنالك طرفة مشهورة تحكى عن الفنان العملاق الراحل وردى عندما سئالوه لماذا لانجد فى اللغة النوبية كلمات وتعابير حضارية مثل ” انا اسف ” او ” لو سمحت من فضلك” فرد وردى قائلا لاننا نحن النوبيون لا نحتاج لاستخدام هذه الكلمات فنحن لا نطلب من احد خدمة ما لنقول له “لو سمحت” ولا نغلط مع ايو زول فنقول له “انا اسف”
والى اللقاء
مع جزيل الشكر
الاستاذ امير شاهين كاتب متخصص و استشارى تدريب الموارد البشرية و الطيران , قطر
amirrshahin@gmail.com