بريدك … حتى لو ما بقيتي بتريديني

محمد صالح محمد
في عتمة المسافات التي نبتت فجأة بيننا وفي صمت الهواتف الذي صار يضجّ بالأسئلة أجد نفسي أكتب إليكِ. لا أكتب لأستعطف قلباً قرر الرحيل ولا لأرمّم زجاجاً تهشّم بفعل الغياب بل أكتب لأنّ الحب في داخلي صار وطناً مستقلاً لا يتأثر بسياسات الهجر ولا بقرارات الفراق.

لقد غادرتِ أنتِ لكنّ وجهكِ لا يزال يسكن في زوايا قلبي وفي رائحة القهوة الصباحية وفي تفاصيل الشوارع التي مشيناها معاً ذات وعد.

“بريدك”؛ كلمة بسيطة في حروفها لكنها في قاموس وجعي تعني أنني ما زلت أحمل لكِ في صدري جبالاً من المودة حتى وإن كنتِ قد اخترتِ السكن في وادٍ غير واديّ.

شجنُ الغياب ولوعةُ الحنين …
ما أصعب أن يتحول الشخص الذي كان ملجأك الوحيد إلى “غريب” تتابعه من بعيد وتتحسس أخباره خلف قضبان الغياب. يسكنني شجنٌ مرير وأنا أرى كيف تطوي الأيام ذكرياتنا وكيف يغدو اسمي في قلبكِ مجرد سطرٍ باهتٍ في كتابٍ قديم. لكنّ هذا الشجن على مرارته هو ضريبة الوفاء لقلبٍ لم يعرف يوماً كيف يكرهكِ.

يقولون إنّ الحب ينتهي حين يقرر أحد الطرفين ذلك لكنهم لا يعرفون أن العشق الحقيقي لا يملك زرّ إيقاف فهو نبضٌ متمرد يستمر في الجريان حتى لو جفّت أنهار الوصل. أنا هنا أقف على حافة الذكرى أراقب طيفكِ وهو يبتعد ومع كل خطوة تبتعدينها يزداد يقيني بأنني سأظل “أريدك” رغم أنكِ “ما بقيتي بتريديني”.

الحبُّ كفعلِ وفاء لا فعلِ امتلاك …
إنّ حبي لكِ لم يكن يوماً محاولة لامتلاككِ بل كان رغبة في أن أراكِ سعيدة حتى لو لم تكن تلك السعادة تمرّ عبر بوابتي. والآن وأنا أدرك تماماً أن مكانتي في قلبكِ قد تبدلت أجد نفسي متمسكاً بهذا الحب لا كقيد بل كصلاةٍ خفية أدعو لكِ فيها بكل خير.

أحبكِ لأنكِ علمتني كيف يكون القلب حياً كيف يرتجف شوقاً وكيف يذبل حزناً. أحبكِ بالرغم من برود كلماتكِ الأخيرة وبالرغم من “السين” الزرقاء التي تترك أسئلتي معلقة في فضاء الحيرة. أحبكِ لأنني لا أملك خياراً آخر فالعودة من طريق حبكِ تعني الضياع في صحراء التيه.

لا يهمّ إن وصلت إليكِ هذه الكلمات أو ضاعت في بريد النسيان. المهم أنني قلتها وأنني أفرغتُ ما في جعبة الروح من شجن. سأبقى أحمل لكِ هذا الودّ الصافي بعيداً عن عتب المحبين وضجيج العشاق.

بريدك وسأظل بريدك ليس انتظاراً لعودةٍ مستحيلة بل إخلاصاً لتلك اللحظة التي التقت فيها أرواحنا ذات يوم وظننا حينها أن الزمان قد توقف لخدمة حبنا.

لكن تذكري دائماً أن هناك قلباً في هذا العالم لا يزال ينبض باسمكِ حتى لو سقط اسمه من ذاكرتكِ للأبد.

ستظلّين السرّ الذي أخبئه في صدري والوجع الجميل الذي لا أريد الشفاء منه. بريدك بقلبٍ لم يعد يرجو منكِ شيئاً سوى أن تكوني بخير وبحزنٍ هادئ يشبه غروب الشمس؛ يرحل النور ويبقى الحنين عالقاً في أفق ذاكرتي.

اذهبي بسلام فحبّي لكِ كان وما زال أكبر من قدرتي على النسيان وأصدق من كل وعود البقاء.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

سكنت الروح وغابت

محمد صالح محمدأنا بحكي ليكم لا لكي أملأ الفراغ بالكلمات بل لأنّ صدري ضاق بقلبٍ …