بقلم: هشام الحلو
حين نتأمل تجربة الدكتور بشرى الفاضل، فإننا لا نقف أمام مجرد قاص عابر، بل أمام معمار سردي شُيدت أركانه في حقبة السبعينيات المتوهجة؛ تلك المرحلة المفصلية في الأدب السوداني التي شهدت انتقالاً جسوراً من الرومانسية والواقعية التقليدية إلى آفاق التجريب والحداثة، حيث كان بشرى صوتاً جوهرياً ضمن جيل من المجددين الذين أعادوا رسم خارطة القص في السودان، مستفيدين من زخم مجلة “الخرطوم” والملحقات الثقافية لصحف “الأيام” و”الصحافة”. ولم يكن بشرى وحيداً في هذا المضمار، بل جاء ضمن كوكبة صاغت وجدان تلك المرحلة؛ أمثال الراحل علي المك الذي أرّخ لمدينة أم درمان بـ “مدينته من تراب”، وعيسى الحلو الذي وجه دفة الحداثة بنقده وقصصه، وفاطمة السنوسي التي أرست دعائم “القصة القصيرة جداً” بتكثيفها اللغوي الباهر. كما برز في هذا العقد نبيل غالي، مؤسس “رابطة سنار الأدبية” والقلب النابض لمؤسسة الأيام، ومحمد عثمان جار النبي الذي انحاز في سرده لقضايا الهامش والبسطاء، وزهاء الطاهر “ملك لغة القصة” الذي شحن نصوصه بتفاصيل إنسانية عميقة كما في مجموعته “ليلى والجياد”، يضاف إليهم محمد خلف الله سليمان برؤيته النقدية المعمقة، وإبراهيم إسحق الذي جسّر الهوة بين الأجيال بلغة فريدة مستلهمة من بيئة غرب السودان.
بيد أن بشرى الفاضل استطاع أن يتمايز عن أقرانه بامتلاكه أدوات معرفية مغايرة، استمدها من غوصه العميق في محيط الأدب الروسي، الذي لم يكن بالنسبة له مجرد تخصص أكاديمي نال فيه درجة الدكتوراه ودرّسه في ردهات جامعة الخرطوم، بل كان بمثابة المعمل الذي صهر فيه رؤيته الفنية وفكره المنحاز لقضايا الإنسان والعدالة، متخذاً من وعيه السياسي مرتكازاً لفهم تعقيدات الواقع الاجتماعي. وفي قصته الأيقونية “حكاية البنت التي طارت عصافيرها”، نجد أنفسنا أمام تجسيد حي لما يمكن وصفه بـ “الكتابة البيضاء”؛ فهذه القصة التي ولدت في رحم الأزمات السياسية والاجتماعية أواخر السبعينيات ونُشرت مطلع الثمانينيات، جاءت لتعكس واقعاً مأزوماً تحت وطأة الانغلاق السياسي ومناخات التضييق التي ميزت تلك الحقبة، حيث يتخلى الكاتب طواعية عن سلطته الأبوية على النص، ويترك للراوي مساحة الحياد التام، لتبدو الحكاية وكأنها تسرد نفسها بنفسها، مما يمنح القارئ قدرة فائقة على التفكيك والتأويل.
إن هذا الأسلوب السردي ليس غريباً على أديب تشبع بروح السخرية “الغوغولية” المرة، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة لديه إلى مآسٍ وجودية كبرى، وقد استطاع بشرى الفاضل في هذا النص أن يفكك الأنساق الداخلية للغة ويربطها بالنسق الخارجي لواقع مثقل بتداعيات الحكم الشمولي؛ فحين يصرخ البطل في قلب الشارع “طارت عصافيرها” وسط ضحك العابرين وارتجاج الأسفلت، فإنه لا يعبر عن جنون فردي، بل عن صدمة الوعي أمام واقع “قبيح” يحصب البراءة بالحجارة. إن “عصافير البنت” هنا تغدو رمزاً لكل ما هو هش وجميل وحر، صادرته أدوات القسر التي سادت في تلك الحقبة الكئيبة، ومن هنا تبرز عبقرية النص الذي لم تأكله الأيام، بل اكتسب عالمية مستحقة بتتويجه بجائزة “كاين” للأدب الأفريقي عام 2017، مؤكداً أن الصدق الفني والقيمة الجمالية التي غرسها بشرى الفاضل وجيله في تربة السرد السوداني كانت أصلب من أن تحاصرها حدود الزمان أو ضيق القوالب السياسية الجامدة، ليظل القارئ هو الشريك الفعلي في صياغة المعنى، يبحث مع البطل عن “متن البياض” وسط غابات الوجع الساكنة في الذاكرة الجمعية.
hishamissa.issa50@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم