بعضا من حكايا المسغبة .. بقلم: مأمون الباقر
18 ديسمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
1
تلك الأمسية، تناول حسين وجبة عشاء دسمة. صحن بحجم الطست الذي يغسل فيه الغسالون ملابس زبائنهم المهترءة. باع .. باع .. تجشأ. إقتلع جسده النحيل من العنقريب وسار نحو الزير. تناول كوبا من الماء الفاتر. إتجه عائدا نحو العنقريب حيث رمى بنفسه. استلقى. جذب الوسادة القطنية الممزقة ووضع رأسه عليها. نام. حين إستيقظ حسين صباح اليوم التالي وجد نفسه ميتا. لم يحزن على موته. غمرته سعادة بالغة حين رأي نفسه – قبل أن يموت- يتناول كمية هائلة من لحم الضأن المشوي على الفحم بمحلات أولاد أمدرمان بشارع عبد الله الطيب الذي تغمره رائحة المشاوي ويتبعها بقارورة من الكولا. كانت تلك أمنيته قبل أن يموت.
2
أم الحسن فتاة يانعة الجمال. لونها الأصفر الفاتح يشبه القطفة الأولى من صمغ الهشاب. فارهة الطول. جميلة المحيا. ناهدة. لسانها به لثغة يشتهيها شباب قريتها الوادعة المرمية في أقاصي ديار حمر. لم تكن أم الحسن جميلة فقط، بل كانت طالبة نجيبة طوال مراحل دراستها. كانت البرنجية على بنات صفها في كل المراحل. كان أبوها الذي فقد أمها “الرتينة” يتمنى أن تصبح أم الحسن، التي أسماها على أمه، طبيبة تتخصص في مرض السرطان الذي سرق منه أمها، حبيبته التي رفض أن يتزوج بعد موتها إكراما لذكراها وإحتراما لمشاعر إبنته الوحيدة.
داخل الباص الذي سيحملها لجامعة الخرطوم من ديار حمر، همس الأب في أذن وحيدته ” أبقي عشرة على نفسك وعلى القروش، أنا ما عندي قدرة، وعيال البحر ديل نضامين وكلامم حلو”. إنطلق الباص السياحي، وها هي أم الحسن مواطنة من درجة لا تدري تصنيفها، وفي مدينة قاسية قساوة المرض الذي أودى بحياة أمها. شهر…سنة..سنتان. ولا تزال أم الحسن تجتهد في البحث عن والد إبنتها “الرتينة”.
3
في إحدى قصائده الرائعات، خاطب شاعر الشعب الراحل محجوب شريف فتاتين سودانيتين، قائلا:
عَشّة .. كلّمينا
ميرى.. ذكّرينا
لكن يبدو، وياللأسف أن آذان السودان لحظتها كانت “خارج الشبكة”، إلا أذن ميري التي إلتقطت دعوة الشاعر, تذكرت وجاءت إلى حيث يجب أن تكون، ولم تدر المسكينة إنها ذاهبة نحو مصيدة سياسية سترميها داخل مكب نفايات بشرية سودانية- شمالية وسودانية- جنوبية. لجأت الفتاة الآبانوسية التي تذدري شجرة الباباي في فراهتها إلى أقرباء لها بناحية الحاج يوسف,وما أدراك بهذه المنطقة التي يشكل ليلها قلب الخرطوم الجديدة المظلم . إنغمست ميري في مستنقع حي الشقلة، وعقدت صداقات مع جاراتها الجديدات. ذات ليلة، إستيقظت ميري مذعورة. الباب الحديدي النحيف كان يزمجر تحت وقع الطرق. نهضت من العنقريب واتجهت بخطى ناعسة نحو الباب. وقبل أن تمتد يدها الراجفة نحو المقبض، أتاها صوت من الخارج ” أفتحي يا بت ال… أنا داير نص” لم تفتح ميري الباب، هرولت نحو غرفتها المشتعلة برائحة الخمر البلدي، لملمت ثيابها ورحلت. حين إستيقظ آل البيت لم يجدوا ميري. تسآلوا : ” البت المجنون ده مشى وين؟”. بعدها إنشطر الوطن إلى نصفين غير متساويين. ولا يزال البحث عن ميري جاريا. ولا تزال الشقلة هي الشقلة.
4
شهق إساغة، الشاب الدارفوي القادم من مدينة كتم وهو يهبط من تندة اللوري المجهد بعد رحلته الطويلة ما بين الفاشر أبو زكريا إلى الخرطوم، المدينة الحلم. ” ده كلام أجيب..سمإنا وهسي دي نشوف بي إيونا، ما شا الله، والله نهنا كنا دايعيين تب”. رمى حقيبته المصنوعة من الكرتون المغلف بمادة بلاستيكية من على تندة اللوري وقفز هابطا أرض المدينة الحلم. لم تفتن إساغة كل المدن التي عبرها اللوري، من الفاشر أبو زكريا إلى الأبيض فحل الديوم إلى كوستي حيث النهر العظيم يلهث مثل حفير يزمجر أوان الخريف.. كان قلبه يهفو للخرطوم، وها هو في أرضها. بحث طويلا عن أقارب له تشتتوا في أنحاء المدينة المترهلة أحياؤها العشوائية الفاخرة قياسا بما يتذكر من أحياء الجوع والفقر هناك في دارفور, دع عنك مخيمات اللاجئين والنازحين حيث يستيقظ ساكنوها على زخات الرصاص، تماما كما ينامون على زخات مطر الخريف المعربد بالبروق و هزيم الرعود. وهو في بحثه الدؤؤب ذاك، إسترقت أذن إساغة لهجة محببة يعرفها جيدا ويتقن التحدث بها. تهادى في مشيته، ورطن. ياليته لم يفعل. وقع إساغة في أيدي عصابة لتهريب البشر. مات غرقا في لجة المتوسط.
5
في أحد أطراف ما يسمونه “مدينة هيا”، تلك الأرض الجرداء التي تتوسط ولاية البحر الأحمر، والتي يعيش ساكنوها في فقر مدقع ويكادون يقتاتون بثمار الدوم، بالرغم من إنتشار الشركات التي تغتني بالذهب المستخرج من فيافيها وهضابها. هناك حيث لا مشاريع زراعية، لا تستولد الأرض الحجرية حشاها الصخري سوى الدوم، تلك الثمار اليابسة وجذورها، جلس اسحاق يناجي نفسه وهو يداعب شعر رأسه الكث المتجعد بمشط إبتدعه من فرع شجرة الأراك الماهلة التي تتوسط أحجارا داكنة السواد، لم يكن ليقدر على إيجاد تفسير لسوادها وهي تشمخ وسط الأحجار المتناثرة البنية اللون. هي على كل حال سوداء، تماما مثل أيامه الكالحات. لم يكن يفكر سوى في أمر واحد أحد. إتخذ قراره. نهض. غرز المشط في غابة الشعر تلك وسار متوجها نحو الغرب. حين وصل أتبره، هاله إزدحام البشر وصياحهم والصخب الذي لم يعهده. حين تلاقت عيناه مع النهر بكى، وهرول نحو الماء كالمجذوب. جلس وبكى. نهض و إتجه نحو الجنوب. لم يكن في جيبه سوى نحو خمسين جنيها، لكنه وظفها بطريقة كفته شر الجوع والعطش. سار بمحازاة جدول المياه الفسيح متجاوزا القرى والمدن، وها هو الآن في قلب الخرطوم. “يا ربي ديل بشر وللا جان”. ولم يجد الإجابة، خانه تفكيره المحدود. أخذ يمشط شعره. بعد أسبوعين وجد نفسه يحمل طبلية محملة بشتى أنواع السلع، فول مدمس، تسالي، سجائر برنجي وترمس وهو يجوب شارع النيل مقابل الفلل الرئاسية. وفجأة وجد نفسه داخل غرفة مكتومة الأنفاس. “إنتا منو يا زول، وجايي من ويين..أنطق”. ولم ينطق، فقد أصابته لعنة العنجهية القبلية. مات، دفنوه في قبر مجهول وهو يمسك بالمشط الخشن.
6
في مكان ما، وزمان ما إلتقت أم الحسن وميري وإساغة واسحاق. لم يكن حسين هناك لأنه مات بداء الشبع. تأمل كل واحد وجه الآخر. علت علامات الإستغراب وجوههم. سألوا بصوت واحد “لم نحن متشابهون هكذا؟”. حين لم يجدوا إجابة شافية قرروا أن يعودوا إلى مهاربهم. لحظة أن إستداروا أتاههم صوت من البعيد. إنه صوت حسين. فقد شفي من الموت، وهم من أدواء التمزق والتشظي. ناداهم الصوت “هيا عودوا إلى دياركم”. عادوا.
mamounelbagir@yahoo.co.uk
////////////////////