بكائية “س” .. بقلم: منصور الصويم

 

إنها بكائية “س” الكبرى، فالرجل الذي مزقه الحنين في بلاد السأم البعيدة، وجد نفسه متخبطا هذا المساء بين قنوات “اليوتيوب”، يستمع إلى الأغنيات المعتقة والأنغام الدفيئة التي تركها هناك وراءه في البعيد؛ كأنها مستقبله الذي مضى.

الليل شتوي، كل الليالي شتاء وزمهرير في هذه البلاد، و”س” يستدفئ الآن بصوت هاجر كباشي: “أنت أملي ومرادي، يا حبيبنا”، تتمايل في ثوبها الأحمر الناري ومن خلفها تردد جوقة الفنانات، مطربات أغنيات البنات البديعات، أصواتهن ريانة تسقيه المحنة، ثم، و”س” في ذوبانه اللا إرادي بينهن، المغنيات، وبنات “أستديو التصوير” الحاضرات؛ تراءت له صور النساء، كل أولئك النساء اللاتي تركهن هناك، يبصرهن أمامه، متموجات وراقصات مع اللحن، الغناء تنقل؛ أمسكت به ندى القلعة: “عومي وموجي يا الوزينة”، والوزين يعوم أمامه الآن، يسبح في بحر الحنين المترقرق.. يقفز “س” صارخاً وراقصا و”عائما”.
“جديدك أهلك ما شروا، الليلة سيروا”، يتجول اليوتيوب بأغنيات فنانات البهاء، وها هي تمسك المايك وترسل “بحاتها” إليه؛ عوضية عذاب، تغني، عن يمنيها ويسارها تصدح الأصوات، الكاميرا تتنقل بين الحضور نساء وبنات، يراهن “س”، مائجات بالفرح يتراقصن، الصفقات والابتسامات تملأ المكان وتصعد إلى روحه المشتاقة، إنها الزغاريد تدوي الآن. من يناديه في هذه الليلة الشتوية، من ينادي عليه “الزول مالو ما جا والزول دكتور ما لو ما جا”.. يتساءل هل يذهب الآن ويصرخ “الزول جا، ما دكتور لكنه جا”!
الوقت توقف ولا شك، لا يعرف كم من الساعات مضت وأين تبخرت البرودة الماحقة ومتى دار الغناء وعاد لتغرد من جديد هاجر كباشي “رسل لي يا ناس ودي برقية”، وانصاف مدني قريبا منها تنادي البنات “الصفقة الصفقة”، ووجدان الملازمين تصدح “يا قمرية قوقي وقوقي وأبقي حبيب قساي، قولي ليهو دايراك تكون معاي”، أصداء الصفقة تتردد في المكان، الأكف التي تصفق تنادي، الأكف التي تصفق تصفع وتهز سكون اللحظة وموتها وانهزامها.. إنها الزغرودة مرة أخرى و”س” يعتصر بكفه ليمون قلبه.
بكى “س”؛ أنه يبكي الآن، مع ولوج صوتها، واهتزاز عنقها، وكل تلك الرقصات البهيجة في الزمن القديم جدا، الكلمات ذاتها تتردد الآن؛ بعد هذه السنوات: “قالوا القليب حرق حرقوا بالنار حرق يا ناس ود الغرب”، و”الجنينة محروسة، نيالا وبابنوسة، يا ناس”.. أحس “س” بالحريق يصلي جسده، يخترق قلبه ويشوي روحه فجعر بالبكاء مناديا:
كل أولئك النسوة، هناك.

mnsooyem@gmail.com
///////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً