بنيَّة المجتمع الشيوعي المغلقة وعنقاء الديمقراطية .. بقلم: عزالدين صغيرون
8 ديسمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
صحيح أن ظروف العمل السياسي للحزب الشيوعي السوداني “تحت الأرض” لأكثر من ثلاثين عاماً متقطعة، بسبب تضييق وملاحقات الأمن، ألقت بمسؤوليات الحزب وجميع ملفاته في يد الدائرة التنظيمية، لأن تأمين الحزب وعضويته احتلت قائمة الأولويات. إلا أن هذا وحده لا يبدو كافياً لتفسير اقصاء المثقفين عن دائرة القيادة والقرار في الحزب، على هذا النحو الذي تشهده انشقاقاتهم المتوالية أو طردهم من الحزب.
(2)
ومثلما قلنا من قبل فإن السبب الأكبر والرئيسي يكمن في استنساخ الصيغة النظرية والتنظيمية لـ”للينينية/ الستالينية”، وإصرار القيادة على تطبيقها في الواقع السوداني، رغم كل المآخذ النظرية والتطبيقية التي لم تألو الدراسات جهداً في كشف عجزها وفشلها في تحقيق ما تبشر به.
هذه الصيغة التي جعلت الكيان الشيوعي يتأرجح في سياقه البنيوي ما بين: “التنظيم” المغلق … و”الحزب” السياسي المفتوح.
ورغم أن قياداته التاريخية – عبد الخالق محجوب ومحمد ابراهيم نقد – على نحو حصري استطاعت أن تجمع ما بين الصفتين الفكرية الحاذقة والتنظيمية البارعة، إلا أنهما ، ولسبب ما، غالباً ما يرجع إلى نزوع سلطوي، رسَّخا قبضة التنظيم وسلطته، خصماً من رصيد مثقفي الحزب، وإن كنت تجد في ثنايا تصريحاتهما ما يؤكد تقديرهما لدور مثقفي الحزب، إلا أن ذلك لا يجد تأكيداته في الواقع ، في ظل الانشقاقات التي لم تتوقف في عهديهما.
وهذا النزوع السلطوي يجد مصداقيته في انتفاء تداول السلطة بين قيادات وكوادر الحزب، خاصة في دائرة القيادة العليا الضيقة للحزب، وفي ذلك يقول زين العابدين صالح عبد الرحمن ” إن الانقسامات التي حدثت داخل الحزب الشيوعي أغلبها كان سببه ضيق المواعين الديمقراطية، منذ إبعاد عبد الوهاب زين العابدين عام 1951، ثم من بعد رفيقه عوض عبد الرازق، وهي بسبب آراء تتعارض فكريا مع الآخرين الذين تضيق عندهم المساحة الديمقراطية.
توالت الانقسامات داخل الحزب الشيوعي لسببين: الأول طغيان الكاريزما علي المؤسسية، فكان السكرتير العام للحزب عبد الخالق محجوب فوق المؤسسة، وليس غريب أن يلغي عبد الخالق قرارات وتوصيات المؤتمر الاستثنائي للحزب الشيوعي الذي كان قد عقد عام 1971 في الجريف، بل أن يسحبه تماما من أرشيف الحزب. والسبب الثاني الديمقراطية المركزية التي تجعل المكتب السياسي مسيطر سيطرة كاملة علي مجريات الأمور، والاجراءات داخل الحزب، وحتى اختيار القيادات التي تحضر المؤتمر العام للحزب، فالصراع الفكري داخل الحزب الشيوعي تقف ضده القيادة الستالينية خوفا من أنتشار الوعي و التمرد علي قراراتها غير الصائبة، فالحزب تراجع دوره الجماهيري وخفت صوته وتأثيره وسط الجماهير بسبب انعدم الممارسة الديمقراطية وتقليص مساحة الحرية”(1).
وينقل عن المهندس صديق يوسف” أن الشعارات التي يطرحها عوض عبدالرازق بأننا حزب شيوعي نعتمد علي الطبقة العاملة، وان السودان لا توجد به طبقة عاملة لان جميع العمال هم عمال صيانة لعدم وجود صناعات لذلك اعتبر أن تكوين حزب شيوعي في هذه الفترة غير مناسب لذلك يجب أن نعمل وسط الأحزاب الديمقراطية الأخرى، بالذات الأحزاب الاتحادية مع العلم ان الاغلبية كانت تفتكر أن أسباب مثل هذه لا يجب النظر اليها بالقدر الذي ننظر لما يطرحه الحزب من رأيه لحل مشكلة السودان من الوصول للاستقلال والديمقراطية” (2).
ويعلق زين العابدين بقوله ” صحيح كان الخلاف كان قد أخذ جدلا فكريا، و إذا استمر الجدل الفكري داخل المؤسسة الحزبية من خلال الوسائل الديمقراطية كان ذلك قد غيَّر كثيرا في الثقافة السياسية في السودان، وكان الحزب الشيوعي يعتبر حجر الزاوية في البناء الديمقراطي في السودان، لكن الذي حصل، اتهم عوض عبد الرازق بالانتهازية البرجوازية و غيرها من الصفات التي يطلقها الزملاء دائما عندما يريدون حرق الشخصية، و هي الأساليب التي كان يستخدمها دائما عبد الخالق محجوب ضد خصومه ” حرق الشخصية”، و تم إبعاد عوض عبد الرازق، ليس فقط من سكرتارية الحزب، بل من عضوية الحزب، وعوض لم يخرج من الحزب بسبب الخلاف في الرأي، أنما هي إرادة عبد الخالق محجوب الذي أرسي قواعد المنهج الستاليني في الحزب الشيوعي واتبعه حواريه في الحزب”.
(3)
ويواصل ين العابدين: لقد تحول منذ تلك الفترة عبد الخالق محجوب إلي عدو لـ”الحزب الوطني الاتحادي” وشن هجوما عنيفا علي الوطني الاتحادي في كل المنابر التي كان يقف فيها مخاطبا،. يقول محمد أبو القاسم حاج حمد في كتابه ” السودان المآزق التاريخي و آفاق المستقبل” منذ عام 1951م ومن بعد تصفية الكوادر القيادية الأولي للحزب التي ألفت التعاون مع حركة الوسط الاتحادي، انعطفت الحركة الشيوعية بكامل طاقتها النقابية نحو اليمين الطائفي والانعزالي منه علي وجه الخصوص، وذلك تحت شعارات كان مقصدها حرق الوسط وضربه في وقت لم يكن فيه الاحتلال قد لملم علمه بعد” وكان الحزب الشيوعي الداعم لطائفة الختمية التي أيدت خروج “ميرغني حمزه وخلف الله خالد وأحمد جلي” من الوطني الاتحادي، ثم فترة بعد الاستقلال عملت ذات الأيادي لانقسام داخل الوطني الاتحادي بقيادة الشيخ علي عبد الرحمن الضرير وأحمد السيد حمد، الانقسام الذي أدي لتأسيس حزب الشعب الديمقراطي بمعاونة الحزب الشيوعي داخل السودان وجمال عبد الناصر خارج السودان، وجاء بعد انقسام هؤلاء مباشرة لقاء السيدين الذي أطاح بحكومة الأزهري، اللقاء الذي كان قد أيده الحزب الشيوعي نكاية في الوطني الاتحادي. الغريب في الأمر أن الحزب الشيوعي طوال مسيرته التاريخية كان يتحالف مع الطائفية ” الأمة – الشعب الديمقراطي” ولم يتقارب مطلقا مع الوطني الاتحادي حزب الطبقة الوسطى” (3).
يحكي شوقي بدري: بعد اكتوبر كثر الكلام عن الحزب المفتوح . وكنا نسأل متي سيظهر الحزب الجديد ؟؟ وتكلم الناس عن الحزب الجديد في كل المجالس . واطلق عبد الخالق رصاصة الرحمة عندما قال وهو يخاطب مجموعة من نساء الحزب وسئل عن الحزب الجديد . فقال مشيرا لكباية ,, دي كباية وما ممكن تكون جك ,,. وكان الحزب يكاد ان يكون مختزلا في شخص عبد الخالق . وكان لفقده اثرا مدمرا لدرجة ان الخال محجوب عثمان كان يقول لي ان فكرة الانتحار راودته في تلك الظروف .
ولقد تكلم الشيوعي وصاحب المكتبة يونس الدسوقي مشيدا بعوض عبد الرازق في آخر ايامه. واحتضن الخاتم عدلان بعض افكار عوض عبد الرازق. و الآن تأكد ان الانكفاء والانغلاق يخلق غازات خانقة في العمل السياسي. ولهذا ذخر تاريخ الاحزاب الشيوعية بالتصفيات والاعتقالات والخيانات والمؤامرات. فالصداقات والزيجات والحميميات كانت تنحصر داخل الحزب. وبعض الشيوعيين كانوا يقولون خاصة بعد 1971 “ان اي انسان لا يرتبط بالحزب لا يهمهم” (4).
لقد كان لهذه النزعة السلطوية تأثيرها السلبي ونتائجها الكارثية على مستقبل الحركة النقابية بحكم سيطرة الحزب الشيوعي على الاتحاد العام لنقابة العمال، كما وعلى علاقة الحزب بالقوى السياسية الأخرى والتي قامت على “مشاعر” الكراهية والنفي والاقصاء المتبادل، وذلك منذ فجر الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، وقد فصَّل الواثق كمير الفصل الأول من بدايات هذه المشكلة التي يؤرخ لها بتوقيع الاتفاقيَّة البريطانيَّة-المصريَّة حول تقرير المصير في 1953 (إتفاقية الحكم الذاتى). ففي حين أيَّدت الأحزاب التقليديَّة، والطائفتان الدينيَّتان الاتفاقيَّة، انضمَّ الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان للحزب الشيوعي السُّوداني في معارضتها. وذهب الاتحاد أبعد من ذلك، بإصداره قرارا فوقيا عكس رغبات عضويته، وتمشيا مع خط الحزب الشيوعى، مما أثر بالسلب على علاقات الاتحاد بتيارات أصيلة فى الحركة الوطنية، ساندت نضال العمال، وفتح الطريق لمعارك مستقبلية مع القوى التقليدية. إضافة الي ذلك، حاول الاتحاد تعبئة عُضويَّته ضد الاتفاقيَّة، كما دعا الي إضراب لمدة ثلاثة أيام احتجاجاً. وهو موقفٌ واجه الاتحاد بسببه انتقاداتٍ حادَّة من المراقبين، حيث أعتُبِرَ بمثابة خطأ جسيم، إذ حشر اتحاد العُمَّال في نزاع سياسي حزبي، مِمَّا ألحق ضرراً مقدَّراً بشعبيَّته وسط عُضويَّته من النقابات وقواعده العماليَّة. وقد كان لهذا الموقف تداعيات خطيرة، فقد وضع الاتحاد على مسار تصادُمي مع القوى السياسيَّة التقليديَّة، والتي ما زالت تبعاته تطارد الحركة العماليَّة. وربَّما يُفسِّر هذا التوترات الملحوظة في العلاقة بين النقابات والدولة خلال الفترات الديمقراطيَّة اللاحقة، حيث كانت الأحزاب التقليديَّة على سُدَّة السُّلطة في حكومات ائتلافيَّة (1957-58، 1964-69، 1985-89). والسبب في ذلك هو انضمام اتحاد العمال إلي الحزب الشيوعي، واليسار عموماً، في معارضته للاتفاقيَّة، مِمَّا بعث رسالة إلى القوى التقليديَّة مفادُها أن الشيوعيين واليساريين يتحكَّمون فيه، ويُسيطرون على الحركة النقابيَّة، وبالتالي لا بُدَّ من محاربة الحركة العماليَّة نتيجة لولائها السياسي (طه، 1970.. علي، 1996). ومن جهة أخرى، فَشِلَ الإضراب المُعلن عنه نسبة لتفضيل غالبيَّة النقابات طريق التوافق الوطني لصالح الاتفاقيَّة، فرفضوا المشاركة في الإضراب. وكان هذا بمثابة نذير لأوَّل انقسام خطير في صفوف الحركة العماليَّة، هدَّدت بنسف هدفها المنشود في الوحدة (5).
(4)
وبقراءة سريعة لما تقدم يمكننا أن نستنتج بأن الحزب الشيوعي وتحت قيادة الشهيد عبد الخالق محجوب له قد أصبح تنظيماً ايديولوجياً حديدياً مغلقاً، وهو حزب يمارس سلطويته وفرض رؤيته حتى على الكيانات والمنظمات التي من المفترض أنها كيانات تتمتع بالاستقلالية القانونية والوظيفية.
في مناخ مثل المناخ الذي يسود في الحزب الشيوعي السوداني لا عجب أن تطاير الاتهامات في كل اتجاه في غياب الديمقراطية داخل الحزب، وطالما الديمقراطية المركزية والستالينية تفرض منطقها وتحكم قبضتها، وفي ظل مناخ مثل هذا لا يستبين موقع الحقيقة في الروايات المتضاربة ويصعب تحديدها. وهذه صفة ملازمة لكل الأحزاب الشيوعية التي حكمت في العالم على وجه التقريب، وليست خاصة بالحزب الشيوعي السوداني، ويرجع هذا طبيعة البنية الديكتاتورية وانغلاق أفق حرية الرأي والاختلاف داخلها.
فمنذ قيام أول دولة شيوعية في حياة منظرها ومؤسسها لينين، بدأت المؤامرات حيث كان يجلس مشلولا بعد محاولة اغتياله، حيث تساوت الاصوات في الانتخابات بين دوشكافيلي والجورجي ستالين وكيروف الروسي . وقبل اعادة الانتخابات نظم جيرزينزكي رجل المخابرات البولندي اغتيال كيروف. فآلت سلطة الحزب والدولة لستالين وظل في قمة هرم السلطة لتسعة وعشرين سنة، وكان تروتسكي يمثل شوكة حوت بالنسبة له، نظراً لمكانته العقائدية ووزنه السياسي، ولم يغفر أو ينسى له تحالفه السابق مع زنينوف عضو لجنة الترويكا وبخارين، رغم أنه كان يعيش في منفاه بالمكسيك، فارسل من قتله في المنفى، وصفي الاثنين فيما بعد.
وفي الصين الشيوعية/ اللينينية حدث نفس الشيء عندما تحالف ماو تسي تونغ مع لين بياو ضد لي شاو شي، الذي اتهم بأنه السبب في فشل الثورة ومذابح الشيوعيين في اندونيسيا، وتمت تصفية لين بياو. وعرف تاريخ المؤامرات في النخبة السياسية المسيطرة ما كان يعرف بعصابة الأربعة التي ترأسها واتي تونغ زوجة الزعيم الصيني ماو والتي تصغره في السن كثيراً، وأشيع بان العصابة كانت تخطط برئاسة زوجة ماو للسيطرة على السلطة وتعرضت تلك المجموعة للاختفاء.
وفي شرق أوروبا كانت الستالينية تناضل للبقاء، بعد ان خبا بريق النموذج السوفيتي، فأطاح السلوفاكي الكساندر دوبشيك بانطونين نوفتني التشيكي في تشيكوسلوفاكيا، واستطاع أن يحقق الأغلبية في البريسيديوم المكون من احدى عشر عضوا. وبدأ الحديث يدور عن ما أطلق عليه وقتها “ربيع براغ”، وحول الانفتاح والحرية وتطبيق الاشتراكية بالكشف عن وجهها الانساني. وبالفعل انتعش الاقتصاد والسياحة، وسمح بقدر معقول من الديمقراطية وحرية التعبير في الصحف والتلفزيون وكانت مقالات الكاتب الكبير بافل كهوت تجد القبول وهو ينتقد النظام في جريد الحق الاحمر. “وكانت مجلة ديكي اوبراز الهزلية تظهر كاريكاتيرا لطائر ضخم يحمل علم الاتحاد السوفيتي يقول لعصفور صغير “دعنا نطير سويا”، والصورة الثانية تظهر الطائر الكبير وعنقه منتفخا بالعصفور الصغير.
لم يطق الاتحاد السوفيتي صبراً على هذه “الهرطقة” فاندفعت دباباته واكتسحت تشيكوسلوفاكية. ووضع الرئيس دوبشك في دبابة ومنع من الذهاب الي الحمام وتعرض للإهانة. ثم ابعد الي وظيفة متواضعة في بنك في سلوفاكية، أما مدير الاذاعة فقد صار عامل تدفئة، واجمل واحسن مقدمات البرامج صرن كناسات، بينما آثر بافل كهوت درب السلامة فعاد إلى الحظيرة ليطبل للنظام الجديد. (6).
(5)
إن حزباً بمثل انغلاق الحزب الشيوعي، الذي هو في الأصل لم يكمل دورة نموَّه المؤسسية ليصير حزباً مكتمل اشتراطات “حزبنته” بعد. أي حزباً “كامل الدسم”، ولا يزال يتأرجح من حيث بنيته المؤسسية بين “التنظيم المغلق” و”الحزب المفتوح”.
إن حزباً بمثل هذه المواصفات لا يمكنه إلا أن يحيط مجاله بسور يعزل داخله أعضاءه، في غيتو مكتفٍ ذاتياً. له مدارسه التي يعاد فيها تشكيلهم فكرياً وثقافياً وسلوكياً على نحو يميزهم عن غيرهم.
هم ينتمون للفكرة قلباً وقالباً ، يخلصون لها، يتفانون في خدمتها، ويمنحونها حياتهم، فتمنح حياتهم المعنى.
يستمدون الدفء في غيتو الفكرة/ الايديولوجيا من رباط غير مرئي يشدهم إلى بعضهم البعض، ويعبر عن هويته، الفرد منهم، كـ “زميل” في صيغة تمييزية، سواء في صيغة النداء أو التعريف والتعارف. تماماً مثلما يعبِّر القومي العربي عن هويته كـ”رفيق”. وكل هذا مقبول و”مبلوع”. إذ يصل تمييز الهوية قمة الوقاحة عند الاسلامويين الذين يعرفون بعضهم البعض بالإخوة في الله ، والفرد منهم للآخر هو “أخوه في الله” ، والتنظيم الذي يجمعهم هو تنظيم “الاخوان المسلمين”.
هنا يبدو التمييز الهويوي – وهو الذي يُفترض أنه سياسي بحت – وقد تحول إلى حكم قيمة.
فهم وحدهم “الإخوة في الله”، والباقون إخوة في شيء آخر، ولا يبدو في المشهد الديني من نقيض لهذه الأُخوُّة… سوى “أخُوُّة الشيطان” بالطبع!.
وهم وحدهم، في المحيط الاسلامي الذي يعيشون في مجتمعاته، الإخوان “المسلمون”.
وحدهم هم المسلمون .. ووحدهم جماعة الله المختارة.
وهذا هو حال كل جماعة ايديولوجية/ سياسية مغلقة، في غيتو/ فكرة أحادية صلبة، يتساوى فيها تنظيم الاخوان الذي يدير الدولة الآن بعقلية التنظيم، والحزب الشيوعي الذي يعارضه. والفرق بينهما إنما هو اختلاف مقدار ومواقع. وأما المضمون الايديولوجي فلا قيمة له هنا، لأنه مجرد لافتات وشعارات، لن تتحقق في الواقع إلا حين تتحقق في داخل هذه الأحزاب/ التنظيمات أولاً.
إن احساس المرء بالعيش تحت ظل سلطة مباشرة تحيطه من كل جانب، في غيتو مغلق، يخلق نوعاً من العلاقات غير الصحية بين قاطنيه تتغذى على روح القطيع، لا مجال للفردية فيها. كما أنها تخلق نوعاً من التنافس غير الصحي بين “الزملاء” لكسب رضا القيادة.
فالجميع يسعون – كل منهم جهده – لتأكيد ولاءه وامتثاله للنظم والقواعد، وبأنه في أحسن حالات تناغمه مع المعايير الفكرية والسلوكية والانضباط التنظيمي. وهذا أمر ينطبق على كل الجماعات المنظمة أو المجموعات ذات الصبغة التنظيمية. ويظهر بشكل فاضح الوضوح حينما تحل لعنة القيادة على أحد أعضاء الجماعة، ساعتها لن يجد “الزميل” المغضوب عليه، من يحاول فهمه أو تفهم مواقفه، أو أن يتعاطف معه، لن يجد أحداً إلى جانبه ليؤازره أو يقف في صفه مدافعاً. بل على العكس تماماً، سيسارع جميع “الزملاء” للامتثال لقرار حرق شخصيته ومقاطعته والتضييق عليه، مع ترك باب “التوبة” موارباً إذا ما شاء “أن يفرجها على نفسه” ليعترف ويستغفر، عسى أن تُقبل توبته ويُغفر له ذنبه.
يعاني كادر الحزب من قيود كثيرة على شخصيته فرضها عليه أدب الحزب. كما أن نمط الحياة في الغيتو الفكري والسلوكي يصنع ناساً متماثلين لحد التماهي في “النموذج” المعياري المصكوك سلفاً على هيئة الزعيم/ الزميل الأعظم.
ومثلما يمكنك أن تتوقع من الأجيال اللاحقة للمؤسسين، فإن قوة “التنظيم” الجاذبة ستكون هي الخيط الرابط بين الأعضاء، ومن هنا تأتي المصاهرات بين الأسر داخل فضاء التنظيم، الذي لم يعد “ماعوناً” يضم “أخوة فكرية” من نوع ما، ولكنه صار “عالماً” متكاملاً بديلاً، وأسرة جديدة بديلة، ونمط علاقات جديدة. والعلة كلها إنما تكمن في بنية الجماعة الايديولوجية المغلقة، أيا كان المضمون الايديولوجي ثوروياً أو محافظاً، وأيا كان الاسم الذي يطلقه على نفسه دينياً أو علمانوياً، لا فرق.
فالانغلاق والانكفاء على الذات واحد في الحالتين.
هوامش
(1) زين العابدين صالح عبد الرحمن، الحزب الشيوعي وملفات الانقسامات، موقع صحيفة سودانايل الإلكترونية، بتاريخ: 22 أيلول/سبتمبر 2018
(2) زين العابدين (سابق).
(3) نفسه (سابق).
(4) شوقي بدري “المناضل فاروق ابو عيسى يخطئ”، صحيفة سودانايل الإلكترونية، بتاريخ: 30 تشرين، 1/ أكتوبر 2018.
(5) الواثق كمير، “فى الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر السودانيَّة..هل رَضِيَت الحركة النقابيَّة مِنَ الغنيمة بالإياب؟!”، تورونتو: أكتوبر 2014م
(6) بتصرف من: شوقي بدري “المناضل فاروق ابو عيسى يخطئ”، صحيفة سودانايل الإلكترونية، بتاريخ: 30 تشرين، 1/ أكتوبر 2018.
izzeddin9@gmail.com