بين السر السيد وحسن الترابي .. بقلم: منصور الصويم

 

ربما وجه المقارنة الأقرب والأسهل بين الراحل الدكتور حسن الترابي، زعيم الإسلاميين السودانيين، والأستاذ الناقد والدرامي السر السيد، هو أن الاثنين ينتميان إلى الحركة الإسلامية السودانية، بيد أننا لو غصنا أكثر في وشائج العلاقة بين الاثنين سنجد الأمر أكثر عمقا وتعقيدا من ذلك، كما أنه ينأى بنا بشكل كامل عن الصورة النمطية أو المتصورة عن “الإسلامي السوداني”، كما رسخته سنوات السياسة المتقلبة في السودان، وزادته ترسيخا وتشويها سنوات الإنقاذ الطويلة بكل خيباتها وسلبياتها الماثلة أمامنا.

إذن نحن أمام وجهين مختلفين للإسلام السياسي في السودان، يمثلان بلا شك “حداثة” متنازع عليها ومختلف حولها، جلبت لهما ما جلبت من عداء ومعارك انتهى بعضها إلى تكفيرهما صراحة، ومِن مَن؟ من إخوة لهما في ذات المضمار الإسلامي الأخضر!

في جلسة حوار أدبية صرفة، انحرفت فجأة إلى حوار سياسي، مع الصديق الأستاذ يوسف حمد، مدير تحرير مجلة “الحداثة السودانية”؛ نبهني إلى المفارقة “الوجودية” في موقف كل من الدكتور حسن الترابي والإمام الصادق المهدي؛ من الحداثة، إذ تظهر المقارنة السريعة بين الرجلين أن الترابي أكثر حداثة وانفتاحا من الصادق المهدي. وانظر: الاثنان تلقيا تعليما أوربيا حداثيا، والاثنان ينتميان إلى أسرة ضاربة في العلاقة بالدين؛ فالأول حفيد الشيخ النحلان وابن القاضي الشرعي، والثاني حفيد المهدي وابن السيد عبدالرحمن، إلا أن المفارقة تتمظهر لنا حين نقيس موقف الرجلين من هذا الإرث الديني – الأسري، ففي حين ذهب الأول – الترابي في اتجاه التجديد والنقد والانسلاخ عن القديم، تمترس الثاني – الصادق في سياجات القديم واحتمى بها ولم يضف جديدا إلى مسار الحداثة السودانية.

والترابي بموقفه التجديدي النقدي هذا استدعى العداء من التقليديين وبسببه تكالب عليه التكفيريون وعبدة النصوص لإخراجه من الملة، بينما ركن الصادق إلى “موقف فكري” ساكن لم ولن تحركه مواقفه السياسة المتأرجحة بدورها رغم صحتها مبدئيا بعكس الانتكاسات السياسية التي أصابت مسيرة الترابي.

خلال الأسبوع الماضي انبرى أحد الشيوخ “محمد وقيع الله” في ندوة “فكرية” لتكفير الناقد والدرامي السر السيد، وفي رأيي أن موقف هذا الشيخ من السر السيد لا يختلف كثيرا عن موقف من كفروا الدكتور الترابي من قبل؛ فالموقف في أساسه موقف من ما يمثله الرجلان من “حداثة”، وطرائق مختلفة في التفكير الناقد الذي لا يركن إلى المسلمات، وما يعزز كلامي هذا ما تردد عن وصف هذا الشيخ للسر السيد أنه “عامل ناقد أدبي”، وهي جملة تستبطن احتقارا كبيرا لكل ما هو نقدي – فكري ولكل ما هو أدبي – جمالي، والأمر برمته احتقار وخوف من الحداثة والفكر الحر.

بلا شك للدكتور حسن الترابي أخطاء تاريخية في تجربته السياسة، أدخلت البلاد في مزالق خشنة ومتاهات تحتاج إلى سنوات من العمل للخروج منها، لكن هذا لا ينفي أن الرجل كان متقدما في تفكيره ورؤيته للأشياء، وحتى موقفه السياسي مما يحدث وحدث أخذ شكلا ناقدا قبل رحيله.

السر السيد، كونه إسلاميا أو غير إسلامي، لن يغير أو ينقص من دوره التنويري الذي ظل يقدمه طوال السنوات الماضية، وأن يصفه شخص ما بالإلحاد فهذا لن يعزز إلا من اختلافه وتجاوزه لـ “الأدمغة” المتحجرة.

زاوية “أحوال” – صحيفة “الأخبار”

mnsooyem@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً