بقلم: السر جميل
في معاملاتنا اليومية، تتجلى أحياناً حقائق إيمانية عميقة في أبسط الصور التنظيمية، تخيل أنك تشغل موقع المحاسب أو الصراف في شركة ما، وصدر إليك أمر صارم ونافذ من المدير العام بصرف حافز مالي لجميع العاملين دون استثناء. في تلك اللحظة، تتوارى قناعاتك الشخصية، وتقف تقييماتك الخاصة جانباً. لن تجرؤ على القول إن هذا الموظف كسلان لا يستحق، أو أن ذاك العامل لا يستأهل المكافأة، لأنك تدرك يقيناً أن إقحام اجتهادك الفردي في مقابل الأمر الإداري القاطع يعد خروجاً عن مقتضى الوظيفة، ومخالفة صريحة قد تعصف بأمانك الوظيفي وتؤدي بك إلى الفصل المباشر. تتنحى الأهواء، ويكون الامتثال الفوري التام هو السبيل الوحيد.
لكن المثير للدهشة والأسى في آنٍ واحد، هو تلك المفارقة الصارخة في تعاطينا مع الأوامر الإلهية القطعية. نتلائم مع التكليف البشري بصرامة، بينما نتحايل ونتململ أمام الأوامر الربانية الصادرة من ملك الملوك! يأتيك الخطاب الإلهي القاطع: “أقيموا الصلاة”، ونتراخى ونحن في كامل قواتنا وصحتنا، نثاقل عن إجابة الداعي في المساجد، معللين ومسوغين بالانشغال أو التعب والعمل والأسرة.
ويأتي الأمر بالصدقة مع وعد رباني يقرر أن الصدقة تنمي المال ولا تنقصه، فنشرع فوراً في ممارسة دور قاضي الاستحقاق، نجتهد ونزن، ونقول هذا لا يستحق، وذاك يستغفل الناس، ونغلق أبواب البر بذرائع تصنعها مخاوفنا الشحيحة. يطالبنا الخالق جل وعلا بالكلام الطيب وحسن المعاملة مع البشر أجمعين، فنقسم صفوف الناس وفق أهوائنا، نوزع اللين واللطف على من نهوى، ونستحضر القسوة والجفاء مع آخرين بذريعة أنهم يستحقون ذلك الجفاء!
وحين نصل إلى صلة الرحم، يبدو التنصل في أبهى صوره، يأتيك التكليف الإلهي الصريح بالصلة، فيكون الرد المستقر في النفوس لن أصل فلان لأنه لا يصلني، ولأنه لا يستحق المبادرة!، متناسين تماماً أن الأمر بالصلة جاء مطلقاً وغير مشروط بالمعاملة بالمثل، فالأمر إلهي يتسامى عن الاستحقاق البشري ورغبات النفوس المعطوبة. وهكذا نغرق في سيل من الاجتهادات الباردة، نتملص ونلتف حول التشريعات، مخضعين النصوص الإلهية لمزاجيتنا وهوانا الذاتي.
ولو تدبرنا العوالم العلوية، لم نجد أعمق ولا أبلغ دلالة على معنى الامتثال المطلق من مشهد سجود الملائكة لآدم عليه السلام. نحن هنا أمام خلق مكرم، ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، طهارة مطلقة ومقام علوي سامٍ لا يتطرق إليه الخلل أو الزلل. حين صدر الأمر الإلهي لآدم بالسجود، لم تتوقف الملائكة لتسأل عن استحقاق هذا المخلوق الطيني الذي حكت السيرة الخالدة أنه قد يفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولم تقرن الامتثال بتقدير ذاتي لمكانته، بل بادرت بالسجود الفوري، لأن الأمر صدر ممن له الخلق والأمر.
كان ذلك السجود هو العقلانية المطلقة، وقمة التسليم الإيماني القائم على أن التكليف متى ما ثبت صدره من العليم الخبير، سقطت أمامه كل التساؤلات والاجتهادات. ولم يكن ذلك السجود سجود عبادة أو ألوهية فالعبادة لا تكون إلا لله وحده وإنما كان سجود تحية وإكبار، وتكريماً إلهياً مشهوداً لهذا الكائن الجديد، وإعلاناً لمكانته السامية القائمة على مزية العلم والتكليف والاستخلاف في الأرض.
إن تلمس هذا المشهد الملائكي الخالد يضعنا أمام مرآة أنفسنا كيف يتلقى المكرمون في السماء أمر مولاهم بالتسليم التام والتنفيذ الذى لا جدال فيه، بينما نغرق نحن في أوحال التردد والتأويل والالتفاف؟ إن حقيقة العبودية لا تتجلى في تطبيق ما يوافق أهواءنا ونشاطنا، بل تكمن في الامتثال للأمر الإلهي لمجرد أنه أمر إلهي، بغض النظر عن انطباعنا الشخصي حول الأشخاص أو الظروف.
إن الاستخلاف في الأرض الذي أُكرم به آدم، وتوجته الملائكة بسجود التحية، يتطلب منا عقولاً تعي معنى التسليم الكامل. يجب أن ندرك أن كل أمر إلهي سواء كان صلاة، أو صدقة، أو صلة رحم، أو كلمة طيبة هو تكليف واجب النفاذ الفوري، لا يملك فيه العبد حق الاستثناء أو إعادة صياغة النص وفق مقاييس الهوى. متى ما استشعرنا هذه الحقيقة، استقامت جوارحنا، وتحررت أفعالنا من المزاجية إلى سعة الطاعة والامتثال.
elsir90@hotmail.com
