بين ســلوكــنا … وســـلوكهم .. بقلم: حســن عبد الوهـــاب
8 أبريل, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
تأملت ما أثاره الكاتب المقتدر محمد لطيف في استفساره عن أسباب أزمة المياه ودور المواطن المفترض في حدوثها – وعزا ذلك بافتراض أننا في السودان نستهلك من المياه أكثر مما يستهلك المواطن الالماني . وقد اورد في عموده النص التالي:
“سؤال يشغل بالي حقا .. هل يستعمل مواطن الخرطوم مياها أكثر من مواطن المدن الالمانية؟ أم أننا نمارس هدرا للمواد كما في كل شئ ؟ ”
وتأتي أهمية المقال من حيث تنبيهه المواطنين الى قضية عامة تتجاوز أزمة المياه وتتسع لتسلط الضوء على سلوكين سالبين من مجموع سلبيات اخرى تطبق على عاداتنا كسودانيين .. وهما الاهدار في استخدام ما تحت ايدينا – ليس فقط في المياه وما ينتج من ذلك الاهدار من عناء و مشقة . ويلاحظ أنه بدلا من أن نواجه سلبياتنا بنظرة ناقدة فاحصة تعيننا بتجرد و مسئولية على تصحيح أخطائنا فاننا نعوض عقب كل ازمة في وحل من التناقضات وتنقلب المعضلة الحقيقية الى عراك سياسي يلقي فيه المواطن اللوم على الحكومة .. والحكومة من جانبها تلقي اللوم عليه …. وهكذا تتوالى الازمات بايقاع رتيب وعلي مدار العام مرة في الغاز واخرى في زوغان الدقيق وثالثة في صفوف الخبز .. مسلسل قبيح المشاهدة يؤكد في تواليه عطبا في بيئة السلوك السوداني يلحق بالمسئولين والمواطن على حد سواء .
مثل هذه السلوكيات تستوجب تقصي العلماء والباحثين لها بعيدا عن اي جدل سياسي .. ثم اني اشير هنا الى وجه من اوجه الغرابة المصاحبة لمقال الاخ لطيف ….. فقد طرح صحفي الماني ذات السؤال في جريدة (دي تسايت) وتساءل بدوره : ” لماذا تصل نسبة اهدار المياه في الاحياء التي يعيش فيها المسلمون والمهاجرون ارقاما اعلى من جميع ما يستهلكه سكان الاحياء التي غالبيتها ألمان أو أوربيون ؟ ” أي الاحياء الخالية من المسلمين والمهاجرين أو الاحياء الراقية بقامة اغنيائها التي تتطاول اعناقها علي مناكب الشغيلة وسابلة المهاجرين القادمين من البلاد العربية والافريقية واسيا . ولا اريد هنا ان انتعل حذاء اخينا (الزين) الذي سبقني في هجرته الى بلاد الصقيع – غير اني اعترف ان فتنة الاغتراب تصقع من يلازمها بما فيها من تطوير الحضارات وتناقض الطبائع والسلوك –وقريبا من ذلك فان ملاحظة الالماني وما يشغل بال لطيف هما وصل للبعد الانساني في المسألة كل يطلع عليه من موقعه وايا كانت درجة الخلاف في البحث عن اجابة فذلك اختلاف مقدار وليس اختلاف اصل – الاخ لطيف حصر المسالة في المواطن السوداني بينما وسعها الالماني لتطبق على كل المسلمين والمهاجرين . يا له من عالم غريب فالى عهد قريب كان مثل هذا السلوك يبقي محصورا في حدود بلده – فاذا به الان يجتاح الحدود ليصبح شأنا يستوجب المقارنه بين مواطن سوداني واخر الماني!!
وابعد من ذلك فان اوسع أصحاب الخيال من الشعراء والفنانين لم يكن يتصور قبل عقد من الزمان ان تنشر مقارنة بين مواطن سوداني واخر الماني في صحيفة سودانية واسعة الانتشار.. لكنه عالم جديد تهاوت اركانه وتصدعت حدوده –ففي العلاقات الدولية استلب الاقوياء معنى سيادة الدول وانبعث من جديد المفهوم الامبريالي القديم المسمى عبء الرجل الابيض (white man burden) بباعث العظمة لصاحب القوة الذي يملك المال والسلاح .. وفي عالم الشعوب البائسة المقهورة نسفت تماما علائق الاخاء والمواطنة والتسامح وغدرت باهلها مصادمات التفتت في اثنيات وجهويات متصارعة حطمها التقاتل الذي لا تردعه رحمة ولا الفة . انها (العولمة) التي دمرت كل ميراث سبقها .
المسلمون والمهاجرون الذين نسب اليهم اهدار المياه يعيشون في احياء ذات كثافة سكانية عالية – وقدرة شبابها المهاجر علي التناسل مستمرة علي عكس المفهوم الاوربي الامريكي للعلاقات الجنسية بما يؤمن به عدد واسع من الشباب الذي يروج لزواج لا مجال فيه للانجاب . وقضية تدني الانجاب او انعدامه من المشكلات الرئيسية التي تواجه الان القارتين ( اوروبا وامريكا – وتضاعف الاهتمام بها كما نشاهد في كل القنوات مع ازدياد اعداد المهاجرين المسلمين الحالي … ان منظمات يمنية متطرفة ترفع الان شعارات وتسير مظاهرات حاشدة ضد المسلمين بحسبانهم يسعون الان بتكاثرهم لجعل اروبا قارة مسلمة …. وتنبه الارقام المتداولة ان اوروبا ستكون في منتصف هذا القرن (21) قارة عجوز يغيب فيها عنصر الشيوخ المعاشيين القابضين في المنازل وغير القادرين علي الكسب على الشباب القادرين علي الانتاج مما يهدد تدهور الاقتصاد وتردي الخدمات الاساسية .
وبينما يلقي هؤلاء اللوم على تكاثر المسلمين الذين وصفوا بانهم يتناسلون كما تتناسل الارانب … يغضون الطرف في ذات الوقت عن المنظمات والجمعيات الشبابية التي تتبنى ان فكرة الزواج من اجل الانجاب هو عادة عفا عليها الزمن ولم يعد لها مبرر في فيوض العصر الحديث – ويقولون تكفينا في علاقة الصداقة (girl friend a) ومن مهددات الانجاب جمعيات الشواذ الذين استبدلوا لقبهم بالمثليين من الرجال والسحاقيات من النساء … وقد اقتحم هؤلاء بدعوتهم المجتمع للاعتراف من جهة ان هذه العلاقات الشاذة شأن (طبيعي) حتي ظفروا باعترافات قانونية تجيز لهم الزواج والميراث وحتي التبني ….فتامل بهذا ان ينشأ طفل حضن رجلين يتزوج احدهما الاخر؟!
وحتى تكون المقارنة عادلة بين استهلاك السوداني والالماني اشير الي ان المقارنة كانت من جهة الصحفي الالماني غير صحيحة ولا واقعية فهو قد اهمل عمدا او جهلا الفوارق الدينية والتقاليد المكتسبة للمسلمين والمهاجرين القادمين من البلاد الحارة.
واهم من ذلك استخدام المياه الزائد عند المسلمين لا يكون اهدارا ولكنه وسيلة اساسية من فرائض دينهم كما في الوضوء والغسل واستحباب الاستحمام خاصة لصلاة الجمعة – كما ان اغلب المهاجرين الافارقة وغيرهم من سكان المناطق الحارة يكون الاستحمام عندهم مالوفا خاصة في حرارة الصيف ولهيب الشمس المحرقة التي تفرز العرق الذي لا يزيل رائحته غير الاستحمام – وعلي صعيد المقارنة فان الاوروبي المولود في بلاد يندثر الانسان فيها من حفيفها البارد ربما اكتفى بالاستحمام مرة واحدة في الاسبوع ….. وبالمناسبة لم اشاهد يوما واحدا اوروبيا او امريكيا (ابيض) يعرق مهما ارتفعت درجات الحرارة التي يتصبب من ارتفاعها العرق منا نحن السود… ويا للعجب نحن نعرق حتي عند ارتفاع درجات الحرارة بمقياس الدول الباردة وهم لا يعرقون …. اللهم هبوبك يا الله ..
ومثلما نندهش نحن من خلو اجسامهم من العرق فهم يندهشون اكثر لهذا الاسود الذي يتصبب عرقا في اوروبا (ويتهبب) على عينك يا شاهد . وسبب اخر في زيادة استهلاك المسلمين للمياه انهم يشربون الماء مع الطعام في مقابل المشروبات الكحولية (البيرة) التي لا تخلو منها ثلاجة او مائدة من موائدهم واشير هنا الى انني لم اقصد بهذا التوضيح المقارن رفع اللوم عن سلوكنا الاجتماعي في اهدار ما نحب وما نفقد ولعل قيمة الوقت المفقودة في كثير من تصرفاتنا هي الاكثر جموحا حتي طغت عبارة (مواعيد سودانية) في وصف تلكؤنا عند الايفاء بالزمن – فتأملوا غياب ساعة الفطور وحتي ساعة الصلاة واطلالة الشباك للموظف المسؤول وهو يرشق المواطن القادم اليه لأداء غرض وهو يرمقه بنظرة لا تحمل ادني تقدير لمعاناته ومن بعدها يقول ( تعال بكرة ) أو ( الموظف المسؤل مافي).
وما دامت الفرصة موانية للمقارنة السودانية الالمانية فأشير هنا ان الالمان يحسبون من شدة انضباطهم الوقت بالثانية
واذا جاز لي ان اضيف في هذا الشأن فأذكر ان المانيا كان لها مجال السبق في تأسيس اهم الاجهزة الاعلامية(التلفزيون) في عهد الرئيس عبود واتبعته بتأسيس معاهد وكليات التدريب المهني والانتاج السينمائي – وفي كل هذه المجالات كان التدريب في معاهدها متصلا للصحفيين والمذيعيين والمخرجيين الذين كانوا يبعثون على نفقتها كل عام وبتدريب زمني يصل الى عامين يتهيأ بعده المبعوث ليعود خبيرا في مجاله – ولعلها تكون فرصة ان يبحث من بيدهم الحل والعقد في احياء هذا المجال –ولن يكون ذلك صعب المنال – ففي فترة وجودي هناك كنت اقابل مبعوثين من شتى الاقطار الافريقية والعربية والاسيوية للتدريب في هذه المجالات وبالطبع لن يكون الشأن مستعصيا علينا اذا سعينا لذلك.
وفي الختام اشير الى الدور الذي لعبه العلماء الالمان في الاكتشافات الاثرية في البجراوية وشمال السودان وهذه الاكتشافات تعتبر اموراً جاذبة للسياح في اوروبا والاعلان عنها سيكون مصدرا هاما للتعريف بالتراث السوداني .
ولا ينتهي السرد دون ذكر العون للمعوقين .. فقدر هؤلاء ان نتسابق لاغاثتهم بكل ما يتاح من فرص – وفي المانيا منظمات وجمعيات تقدم عونها للمعوقين في العالم – المهم هو السعي الذكي المصحوب بتخطيط علمي موثق فاذا تم ذلك فيستم عونهم باذن الله.
حسن عبد الوهاب
monda2000@gmail.com